قراءة في قصيدة ( تمام الواحدة ) للشاعر محمد أبو زيد بقلم أحمد وليد

تمام الواحدة
تصعد الأفكار نحوك
فسحتك أضيق من خرم إبرتك
لا خيال لـ خيالك
خيالك جفافك
لعنتك
بردك الذي يقرصك
وحدتك التي تنعاك
غارك الذي ليس فيه سواك
سواك الواحد
الصامد
الباقي
المتلاشي
سواك الذي يأبى أن يأخذك إليك
أو يحملك عليك
وحدك
وحدك
تملؤك عتمتك في واحدتك تماماً …!!
محمد ابو زيد

___________________

إن تفقد ” المتكلم ” أو الإفصاح عنه و إخضاعه لأن يُصبح ضميرا متكلما بدل المخاطب الذي يظهر من خلال هذا النص صعبٌ جدا و الصعوبة تكمن في تحديد المتكلم المضمر أو غير المعلن عنه ، و السؤال يطرح نفسه هنا : لما خاطب المتكلم نفسه بلغة المخاطب بدل الإفصاح عنه في سرد بسيط يُظهره كمتكلم مُعلن عنه .
هنا المتكلم مضمر أو متكلم يلبس قناع المخاطب ، فهو ” هو ” متكلم و مخاطب بنفس الوقت ، فالشاعر يسترسل في مخاطبة نفسه بطريقة تجعله و كأنه يخاطب شخصا آخر غيره ، يفصح عنه في لحظة من اللحظات مظهرا ما يجول بخاطره ( الآخر / المخاطب ) و ما يحدث داخله من تقلبات نفسية بطريقة عميقة لا يعرفها إلا هو و لا يدركها غيره . هكذا يصبح دور الشاعر أشبه بالراوي في الرواية ، حيث لا يتكلم عن نفسه تصريحاً بل عن غيره ، إذ يخاطب نفسه في خطاب موجه لغيره . هذا المتكلم لم يتقيد بأدوات النحو التي تشمل المتكلم كالضمائر المعروفة باللغة العربية ، وإنما يظهر في كون بعض الكلام يصدر عنه موجها لغيره و هو بالأصل موجه له دون غيره ، فيصبح الشاعر متكلما و مخاطبا بنفس الوقت هكذا اختار أن يُعبر بدقة عن نفسه و عن أحاسيسه التي لا يمكن وصفها إلا بهذه الطريقة التي إختارها . و أهمية الخطاب تكمن في كون المخاطب له أحوالًا و تقلبات تختلف عن أحوال البشر العادية و تقلباتهم .
يمكننا القول من خلال هذا النص أن الشاعر ” يتكالم ” و ” يكالم ” بمعنى أنه “يتكالم” عندما يوجه الحديث إلى مخاطب يكون هو نفسه أي يوجه الحديث إلى مخاطب يعود إليه . و”يكالم” عندما يوجه حديثه إلى غيره . فهو هكذا يخرج من نفسه و يعود إليها يكلم نفسه في شخص آخر خارج عنه و يكلمها في شخص نفسه حين يعود إليها فهو لا ينفك يخرج منها حتى يضطر للعودة لها فهي تملكه ( أي نفسه ) لا يمكنه التنصل منها و الإبتعاد عنها .
هكذا يُلح علينا سؤال يطرح نفسه ، من هو الشاعر ؟ أهو المتكلم أم المخاطب أم هما معا أم هو شخص آخر خارج دائرة المتكلم و المخاطب و إن حصرناه في شخصية الراوي هل يكون داخل في الرواية أم خارج عنها يمتهن دور المتفرج ؟ و إن كان هو كل هؤلاء متى يكون الشاعر شاعرا يلبس كل هذه الشخصيات التي تتقلب داخله و تتصارع كل منها تحاول أن تتلبّسه ؟ و متى يكون إنسانا و في أي حال من الأحوال يكون إنسانا ، أم هو الآن في صراعه هذا يبحث عن نفسه كإنسان عادي … ؟ كل هذه الأسئلة تفرض نفسها الآن .
هكذا يظهر أن الشاعر مسكون بأناه التي ما تفتأ تغيب عنه حتى تحضر إليه تتلبسه لا تفارقه و هو يحاول جاهدا الإبتعاد عن نفسه قدر الإمكان و الخروج منها لقراءتها القراءة الصحيحة و سبر كل أغوارها . فهو لا يغادرها إلا لكونها أتعبته و أنهكته و استنزفته فنجده هنا و بتمام الواحدة يوقظ أناه ( ضميره الشخصى ) أو هي التي توقظه من غفلته أو إغفاءته و ربما أكثر من ذلك قد توقظه من حياته كلها لتوقظ فيه آلامه و مواجعه فهي أي أناه الذات الوحيدة الفعلية للشاعر و المتكلمة عنه والمتفردة فيه و به فيبدو لنا الشاعر هنا ” متكلم مفرد ” يراد به الجمع فالشاعر هنا متكلم و مخاطب بنفس الوقت فهو يجمع بينه و بين مخاطبه الخارج عنه و الساكن فيه بنفس الوقت ، يخاطب نفسه في ذاته و أيضا يخاطب الآخر ذاته الأخرى الخارجة عنه و الرافضة له إن صح القول و أيضا كل ” الذوات الأخرى التي تجد في نفسها نفس معاناة الشاعر و أحاسيسه ” و نعني بالذوات مجموع القرّاء .
و بتمام الواحدة يخرج الشاعر عن صمته ليأخذنا في جولة داخل الأنا فيخرج بها عن ذاته الشخصية إلى أعمق منها إذ يترجمها في جسد القصيدة لترسم معاني عميقة لذات معذبة متوجعة و تائهة تبحث عن نفسها خارج دائرة البرد و الصمت و الألم و السواد تبحث عنها داخل النور الذي تفقده … بهذا تخترق الأنا حاجز الصمت أو المسكوت عنه في الحياة العادية تدخل باطن الأشياء مبتعدة عن الظاهر العادي الذي لا يوحي بشيء ، وأيضا تخترق الأنا حاجزاً آخراً هو حاجز الواحد لا لتكتسب صيغة الجمع لكن لتتميز بكونها مفردا غير قابل للتعددية و أيضا لتجسد حدة المعاناة التي يواجهها الشاعر فيحدد الذات المعذبة و يجعلها مقتصرة عليه لا تتجاوزه لسواه و هنا تتعدد حركة الأنا لتصبح “أنا” فعلية فاعلة و مفعول بها أيضا و هكذا تحقق نمو داخلي يمُرّ عبر الذات الغافلة إلى الذات المستيقظة و المعذبة في ذات الوقت و من الشاعر كشخص عادي الى الشاعر في عمق ذاته معلنا عن وحدته و ضيق المكان عليه و ضيقته أيضا و العتمة التي يتخبط فيها ، فهو باقٍ و متلاشٍ أيضا ، باق في عمقه مرتبط بنفسه المتألمة ، التي تتخبط داخل العتمة و المعاناة و متلاشٍ ، مشتت يبحث عن نفسه ليعود إليها يعود للهدوء و السكينة و الإستقرار (الباقي – المتلاشي – سواك الذي يأبى أن يأخذك إليك – أو يحملك عليك … ) لتركز القصيدة على حركة الواحد / المفرد و الفريد أيضاً فى المتكلم المخاطب .
أما اللغة فتتحرك بين الذات المتكلمة و المخاطبة ، بين الذات الغافية و المستيقظة بين الشاعر و نفسه ، فهو يكلم نفسه و يخاطبها و يعبر عنها أيضا لنفسه و للآخر . إنه تشظي الذات أمام نفسها و تلاشيها حَيْث خيال الشاعر يأخذه إلى الجفاف و العتمة و الوحدة لتظل الذات وحدها تقاوم دون غيرها مؤكدة أن الشاعر وحده دون غيره صامد في نفسه ، في ذاته و في اللاّمكان أما الزمان فهو بتمام الواحدة .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: