قراءة في قصيدة للشاعر خالد علي عجيل بقلم أحمد وليد الروح/ المغرب

 

جدث
………..

قالت متمتمة ..
تمسد اﻵهات فى جسدى
توطن اﻷنات فى ذاتى
توسد عظمى الناخر
ترطب ما جف فى جدثى..
قد كنت مختاﻻ ..
وﻻ تركعقد كنت محتاﻻ .. وﻻ تخشع
أنت حملتنى على الغضب..
جلست من موتى
رفعت إبهامى سيدتى ..
قد كنت خادمك
أنا من شذب اﻷغصان فى البرد
أنا من جدد البئر
أنا من يرع قوافل اﻹبل
قد كنت خادمك
قالت ..
لم ترجنى أبدا
لم تتوسل لحضرتنا
ويوم إعدامك ..!
ذهبت للسيف رابط الجأش
رافع الر
لم تلق نظرة حتى على عرشى !
جلست ثانية
ورفعت إبهامى
يوم مشنقتى ..؟
سرت مذهوﻻ من القدر !
لم أشأ للعبرات تزعجك !
قالت : لم أر ظلك المعكوف كالمنجل
لم أرك تحت أقدامى ..
لم أسمعك تدغدغنى
لم ترفع مدائحك
لم تتشفع لعزتنا
لم تهرب من القتل
جلست ثانيه
ورفعت إبهامى
كلا..سيدتى
أنا مولى من مواليك
ﻻتذكرى من الغضب
يوم أن شئت
توسلت بكل من حضر
تشفعت بقلب موﻻتى
رجوت مهلتك
آملت فى عفوك
وأشعارى ..كنت أكتبها
فى ستار نافذتى
وكم حملتها لليلى الدامى
عل يوصلها ..
لثغرك القدسى قالت ..
إذن ؟
وما أصنع ..
وأنت مصروع بلا رأس ..
قلت ..
ورفعت إبهامى إن تأذنى لموﻻك !
أنفض الموت ..
وأتبعك
أقبل بنانك الحانى
وأخدمك بحنوط أكفانى
وأجعل مسك آخرتى وطءا لقدميك
أضاحكك برأسى الملقى
خلف أكتافى ….
.
.
ء أقوم سيدتى ؟!ُ
خالد علي  العجيل / مصر
——————————————————————————

قبل أن نبدأ بقراءة القصيدة يطالعنا العنوان و هو مؤلف من كلمة ” جدث ” كلمة واحدة لكن لها رنين في الأذن قد تدعو للهلع و الخوف معا ، كل من يقرأ هذه الكلمة ينتابه الخوف أو النفور و القلق أيضا . عنوان كهذا يلعب دورا مهما في إستقبال المتلقي لما سيأتي بعده . و هكذا لا يمكننا أن ننكر مكانة العنوان للنص الذي نحن بصدد قراءته فالعنوان يلعب دورا كبيرا كوحدة نصية في أي عمل أدبي أو فني ، فهو بالغالب يكون مرتبطٌ بالنّص تابع لَهُ أو مستقل عنه.
و دائما يرتبط العنوان على نحو ما بالنّص إذا كان شعرا أو نثرا و يظل هذا الإرتباط مُتحَقِّقًا طالما أن العنوان جاء بشكل واع و حقَّق أهدافه الجمالية و الدلالية و ذلك بوجود علاقة وطيدة تربطه بمضمون النص . لكن مهما إرتبط العُنوان الأدبي بالنص إلّا أنه طباعيا يظل مُستقلا عنه لوجود مسافة ما تفصله عن جسد النص . و هذه المسافة تحقق إستقلالية العنوان الشيء الذي يجعل القارئ يتناوله كنصٍّ مستقل إلى حد ما ، فيبدأ بعملية تحليله مُعتَمدا على عدد من التأويلات لكنها تظل ناقصة ما لم ترتبط بالنص ، و هكذا قد تتعزز أو تنتفي عندما يتوجه القارىء للنص متخطيا العنوان .
يفاجئنا العنوان الذي إستعمله الشاعر نظرا لوقع الكلمة في نفس القارىء ” جدث ” فهو يتكون من كلمة واحدة مقترنة بنفسها لكنها قد تشكل نصا متكاملا بحدِّ ذاتها و إذا ربطناها بالنص نجد أهوالًا لكثافتها و عمُومها . فعنوان هكذا يجعل القارىء يعيد النظر في مركبات القصيدة ، والبحث عن عناصر الـ”الفناء أو الموت ” فيها .
فالنص ككل يرتبط بالعنوان . و ربما بعد قراءة القصيدة قراءة أولية لن يفهم القارىء إرتباط النص بالعنوان و إن كان النص في مُجمله يشكل العنوان و يؤكده .
و إن تركنا العنوان جانبا و إتجهنا لقراءة النص سيتشكل لنا هذا الأخير كمشهد سينمائي مُتخيَّل و قد يفُوق السينما في الخيال ، و يتخطى حدود الواقع والوعي أو الإدراك الحسي هكذا نجد أنفسنا أمام معضلة إستقراء النص لفهم المغزى منه ، فكلمة ” جدث ” التي عنونت النص ليس المقصود منها القبر الذي نعرفه فهي لا تحقق الموت و الفناء في النص بقدر ما تحقق الحركة و الجلبة . فالعنوان ” جدث ” أي القبر هو ليس القبر الذي يألفه الإنسان العادي، و إنما قَصدَ به الشاعر مفهوما آخر و هذا المفهوم الذي أراده الشاعر يعتبر أساس القصيدة التي بين أيدينا . و عندما نركز على العنوان يُلِحُّ علينا سؤال يطرح نفسه ، لماذا الشاعر إستخدم كلمة جدث عِوَض كلمة قبر المعروفة ؟ و بالإجابة على هذا السؤال سوف نتمكن من معرفة ماذا أراد الشاعر أن يوصل للقارىء . هكذا عندما نبحث عن إستخدامات كلمة ” جدث ” في اللغة العربية نجد أن أفضل إستخداماتها و بمكانها الصحيح جاءت في القرآن . لهذا سوف نلقي نظرة عن إستخدام هذه الكلمة في القرآن ونحاول معرفة الفرق بينها و بين كلمة قبر .
جاءت كلمة جدث في القرآن الكريم بصيغة الجمع أجداث {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يس51 نعلم أن الأجداث هي القبور ، و القبور لها عدة أسماء منْها (الجَدَثُ والجَدَفُ والرَّمْسُ والبَيْتُ والضَّريحُ والرَّيْمُ والرَّجَمُ والجَنَنُ والدَّمْسُ بالدَّال والمُنْهَالُ ذَكَرَهُنَّ ابنُ السِّكّيتِ والعسْكَرِيّ والبَلَدُ ذكرها ابنُ سِيدَه في المُخَصّص . والجَامُوص ذكرَه صاحبُ المُنْتَخب … ) إلاّ أن عُلماء اللغة أجمعوا على أن القبر عام عند العرب فهذه الكلمة يستعملها قبائل اليمن قبائل العرب و ما بينهما و قبائل الشام . أما أصل كلمة ” الجدث ” يعود لهذيل و هي قبيلة وسط الجزيرة يعني من القبائل التي اُخِذت منها العربية و تميم أيضاً في وسط الجزيرة لكن الفرق أن الهُذلي يقول جدث بالثاء و التميمي يقول جدف بالفاء فهناك تقارب بين الثاء و الفاء ، و قريش أخذت من هذيل و صارت تستعملها و نزل القرآن بها .
فما الفرق بين الأجداث و القبور في القرآن و ما دلالة إستخدام الأجداث بدل القبور فيه ؟ يقول الدكتور فاضل السامرائي : (الأجداث جمع جَدَث نلاحظ لفظ الجدث قريب في اللفظ و الإشتقاق من لفظ جَدَثة ، الفرق فقط في التاء المربوطة. الجدثة في اللغة هي صوت الحافِر و الخُفّ و تأتي بمعنى صوت مضغ اللحم ، هذا الجدثة في اللغة و ليس الجدث ، الجدث هو القبر و الجدثة هو صوت الحافر و الخُفّ و مضغ اللحم . و معناها في القرآن صوت خروج الموتى من القبر مسرعين :
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يس51
{خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } القمر7
{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } المعارج43
الموتى خرجوا مسرعين ليذهبون إلى مكان الحشر و صوتهم يشبه تماماً صوت الحافر أو الخف عند السير و العدو لذلك هو لا يستعمل أجداث إلا في هذه الحالة في حالة الخروج و الركض و كأنه يسمع لمشيهم صوت . القبر لا يستعمله بهذا الشكل . نلاحظ في الآيات التي ذكرت فيها الأحداث لم يستعملها في حالة السكون و الهمود مطلقاً بينما يستعمل القبور في الآيات كالآتي :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } الممتحنة (13) {و إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}الانفطار (4)
{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ } العاديات (9)
ليس فيها حركة ، القبور هي التي بُعثِرت و ليس الناس و لم يذكر أن من فيها يخرج كما تبعثر ما في صندوق بعثرته لكن ليس فيه حركة و عدو . الأجداث خصّها بهذا الإستعمال يعني مناسبة الصوت لمعنى الجَدَثة و معنى مضغ اللحم يعني خرجوا مسرعين بعد أن مضغتهم الأرض و أكلتهم . إذن هنالك إرتباط دلالي بين الكلمة و ما تدل عليه من معنى و هناك إختيار دقيق جداً للكلمة . هناك قبر و لحد و جدث و الإختلاف بينها يتعلق بالحركة ) . (1)
و الشاعر عندما إستعمل جدث بدل قبر قصد أن القبر به حياة ، به بعث بعد الموت فهو ليس ساكن بل به حركة . فعندما نقرأ النص نلمس حركة بالقبر فهو ليس جامد بل به ضوضاء و جلبة ، فالشاعر جعل من نفسه ميتا مقبورا زارته سيدة ” الحبيبة/ القاتلة ” و كانت كلما كلمته قام من موته و رد عليها و كأنه يموت و يعُود للحياة لمرات عديدة ، و كلامه مع حبيبته كان يُحدث صوتًا و جلبة و هذا المشهد يشبه مشهد الموتى بالقرآن عندما يخرجون من أجداثهم فهم يحدثون صوت و جلبة لهذا إستعمل الشاعر خالد علي عجيل كلمة ” جدث ” بدل القبر .
و بالإعتماد على كل ما سبق ، يمكننا القول أن الشاعر بواسطة عُنوانه هذا زاد من كثافة القصيدة ، و أطلعنا على موضُوعها الرئيسي و قد حقق غايته و هي تشويق القارىء لقراءة النص و معرفة مُحْتوَاه . هذا بالنسبة للعنوان أما عندما نعود للنص نجد الشاعر قد إعتمد في كتابة قصيدته على مشهد ” حي ” حقيقي من الواقع و أضاف عليه من خياله الكثير ففي الشعر “يتداخل الحلم بالواقع لتشكيل عالم واحد هو عالم الواقع ـ الحلم ، أو الحلم ـ الواقع . و الشاعر كائن يخلق عوالمه من أشياء الواقع ، و هي مصدر بهجته و انبهاراته وأحزانه ” (2)
إستهَلّ الشاعر قصيدته بمخاطبة حبيبة له و قد تدهور به الحال ، فالمشهد يصورها تمرِّرُ يديها على قبره و كأنها تعبث بالتراب تخاطبه و هو مدفون هناك يُنصِتُ إليها . هكذا إختار الشاعر أن يكتب قصيدته على شكل حوار جمع بينه و بين حبيبته حاول من خلاله إظهار بعض المعالم الداخلية لشخصيته التي هيمن عليها القلق والألم جراء إنفصاله عن حبيبته فقد كانت القطيعة بينهما بسبب مزاعمها و ظنها السيّء بالشاعر فهي من خلال ما جاء بالنص تؤكِّد أنه لا يُحبها و لا يُحاول فهمها و لا إسعادها كما يَزْعُم هو و لم يُعرها إهتماما حسب قولها . و يرد عليها هو مؤكداً إلتزامه بحبّه لها و بالحفاظ على العهد الذي بينهما و إن قطعت هي وصله و قرّرت فجأة الإنفصال عنه .
هكذا إستعمل الشاعر اُسلوب الحوار لأهميته ، فالحوار يعتبر “عرضا [درامي الطبع] للتبادل الشفاهي، يتضمن شخصيتين أو أكثر” (3) أو أنه ” نمط تواصل حيث يتبادل و يتعاقب الأشخاص على الإرسال و التلقِّي” (4) ينقل لنا الشاعر تلك المُحَاورَة التي دارت بينه و بين حبيبته في مشهد حقيقي يوم إنفصلا و يتضح من خلالها (أي المحاورة ) المفارقة في أسلوبي المتحاورين كل على إنفراد و معاً إذ يتَّسِم أسلوبه هو بالتوسل و الترجي (توسلت بكل من حضر – تشفعت بقلب موﻻتى – رجوت مهلتك – آملت فى عفوك …)، و أما أسلوبها هي فيتسم بالشدة و الغضب ( أنت حملتنى على الغضب – لم ترجنى أبدا – لم تتوسل لحضرتنا ..) مما أسهم في شد أزر الحوار/ الحدث و مضاعفة توتره .
لقد تأكدت مشاركة الطرف الآخر (الحبيبة) في الحوار من خلال صيغتي القول ((قالت)) التي تدل على المباشرة في الحديث إذ نجدها تسأله مباشرة ثم يأتي دورُه تالياً لها ليُجيبها على قولها و قد أدّى هذا التَّوالِي إلى إستمرارية الحدث و السَّيْر به إلى الذروة هكذا يستدرج الشاعرالمتلقي للإصغاء إليه من دون أن يحس بالنفور أو الملل . و تظْهَرُ “أهمية الحوار بأنواعه المختلفة في الشعر العربي القديم لتنفي عنه ذاتيته المطلقة ، ذلك لأن أنسب الأساليب التي تلائم التعبير عن الأفكار في القصيدة هو اُسلوب الحوار ( 5)و الحوار في الشعر يأتي مُختزلًا و مكثَّفًا، إلاّ أنه يحمل في طياته من الدّلاَلات و الجماليات التي لا تكون في قالب آخر” (6) مُسهمًا في بنائية النص من حيث الترابط بين أجزائه و مقاطعه .
والحوار ينقسم إلى نوعين رئيسين :
-1- الحوار الداخلي ((المونولوج MONOLOGUE)) حيث يدور بين الشخصية و نفسها أو ما يكون معادلاً للنفس نحو الأصحاب الوهميين و الأشياء غير الناطقة… و سواه .
-2- الحوار الخارجي (الدايالوج DIALOGUE) و يقسم على :
أ‌- حوار مباشر: و يدور بين شخصيات القصة على نحو غير مباشر ،إذ يوجه المتكلم كلامه مباشرة إلى متلقٍ مباشر يتبادل معه الكلام .
ب – حوار غير مباشر: و له صيغتان ،
الأولى تسمى النقل غير المباشر و فيه تضغط الأحداث و يختصر الزمن و يكون المنقول على درجة من الإنتقائية
و الثانية : تعتمد على المنقول المباشر ، إذ يتم إستدعاء حوار جرى في الماضي محافظاً على حرفيته و صيغته الزمنية .
و الحوار بنوعيه يتجه لمخاطبة “الآخر ” سواء أكان ذلك الآخر ذات الشاعر أم شخصاً غريباً أو أشياء أخرى (غير حية) .إضافة إلى أن الحوار مع (الأخر / الحبيبة ) يقسم إلى قسمين :
أ- تكون فيه الحبيبة ذات دور سلبي صامتة لا تبادله الحوار
ب – تكون الحبيبة ذات دور إيجابي إذ تتفاعل مع الشاعر / المتكلم و يتبادلان الحوار ((الحوار الخارجي))
و الحوار الخارجي أسلوب “يقوم أساسًا على ظهور أصوات [صوتين على أقلِّ تقدير] لأشخاص مختلفين” (7) يَتناول موضوعات شتى للوصول إلى هدف معيَّن “و فيه تتفاعل الحبيبة مع الشاعر ، فيتبادلان الحوار بينهما ” (8) . و من أساليبه القولية : أسلوب “قال، قلت، سأل، سألت، أجاب، أجبت أو ما يدل على ذلك” (9)
فالشاعر من خلال تلك المُحاورة يَنقُل للمتلقي مع حبيبته التي باشرت الحوار أولًا من خلال كلمة (قالت) ، و في المقابل يُشاركها هو في الحوار مستعملا صيغة الرّد المُعتادة (قلت ) و في بعض الأحيان لا يستعملها . فيستمرُّ الحوار و التحدُّث إلى أن يصل إلى الذروة . و يبدو أن الشاعر لجأ إلى جعل البعيد عنه منزلة القريب ”فحبيبته حاليا غير موجودة فهي توجد في وجدانه و خياله فقط“ ليؤكد أن حبيبته حاضرة في قلبه تطغى على مشاعره و عقله ماثلة أمامه و إن كانت بعيدة عنه ، و هذا ما يميز شِعْر خالد علي عجيل الذي يؤسس من الخيال لبنة لبناء شاعريته الفذّة .
هنا يصفها و هي تتمتم أمام قبره ليرتسم المشهد أمام القارىء و كأننا بالشاعر ميت و مدفون و هي أي مخاطبته جالسة على قبره و يداها تعبثان بالتراب و عبثها ذاك جعل الشاعر يحس و كأنها تدلك الآهات في جسده و تسكن الوجع و الألم و الأنين و التأوه بنفسه.. لقد بلغ منه الألم ذروته حتى أفناه ( توسد عظمي الناخر ) كيف لا يتنخر عظمه و هو الآن بمثابة ميت دفن تحت التراب .
قالت متمتمة ..
تمسد اﻵهات فى جسدى
توطن اﻷنات فى ذاتى
توسد عظمى الناخر
ترطب ما جف فى جدثي
مازال المشهد قائما و مازالت هي تفعل كل هذا و هي تمتم لتُخبره أنّه كان مُختالًا لا يُطأْطِئ راْسه و لا يركَع لإرادتها و بأنه إحتال عليها و على مشاعرها و لم يرحَمْها فهو سبب غضبها ، هو من دفعها لفعل كل ما فعلته به .
قد كنت مختاﻻ ..وﻻ تركع
قد كنت محتاﻻ ..وﻻ تخشع
أنت حملتنى على الغضب
بعدما سمع قولها جلس من موته و كأننا به يقوم من قبره ليجلِسَ فيه فهُو مازال بداخله لم يبْرَحه و يرْفَعُ إبْهامَهُ مُسْتَشهِدًا على نفسه قائلا : ” يا سيدتي ” و هذا التقدير منه لها فيه نوع من التّهَكُم و الدُّونِية لِشخْصها فهُو لمْ يقصِد أن يرفَع من شأنها بقدر ما يهدفُ التّقليل من قيمتها في نفسه و يُكمل كلامه مُوضِّحا و مُبيِّنا أنه كان من خدمها فهي سيدتُه و هو لم يكن سوى خادم من خَدَمِها و هذا الوصف فيه مُبالغة كبيرة إذ يسْتَرسِل مُعلِّلا أنه من كان يقوم بخدمتها و رعايتها و السهر على راحتها ، أما تشذيبه للأغصان و تجديدُه للبئر و رعيُه لقوافل الإبل مجازٌ أرادَ به أنه حين إلتقاها كانت خالية من الحياة ذابلة و هو من زرع الحياة داخل أوصالها و جدّد فيها الأمل و رغَّبَها في العيش أي جدّد حياتها ككُلْ فكأننا بها ( اي الحبيبة ) كانت شبه ميتة و هو من رعاها و أعاد إليها الحياة فأينعت بعد الذُّبُول و أشرقتْ بعد الظُّلمة .
جلست من موتى
رفعت إبهامى
سيدتى ..
قد كنت خادمك
أنا من شذب اﻷغصان فى البرد
أنا من جدد البئر
أنا من يرع قوافل اﻹبل
قد كنت خادمك
و يستمر الحوار و هنا يبدو ساخنا مُتأجّجا بينهما فكل منهما إما يُدافع عن نفسه أو عن آرائه لا أحد يريد أن يكون هو المخطيء بحق الآخر . و بقولها الذي سيأتي يُحاول الشاعر إثبات جبرُوتها و تكبّرها عليه عندما أخبرته أنه كان يجب عليه أن يتوسل إليها و قد إستعمل الشاعر للتعبير عن ذلك لفظ ( حضرتنا ) زيادة في التهكم عليها و مُهاجمتها و عندما قرَّرَتْ هي ما قرّرََت بمُوجب عدم توسله لها و كان قرارُها الإنفصال عنه و هو ما أسماه بالإعدام ( الإنفصال / الإعدام ) قبِلَ هو ذلك الإنفصال برباطة جأش لم يخْنع و لم يتوَسّل و لم يُحاول ردّها عن قرارها ( ذهبت للسيف رابط الجأش رافع الرأس ) لم يعترض ( لم تلق نظرة حتى على عرشى )
قالت ..
لم ترجنى أبدا
لم تتوسل لحضرتنا
ويوم إعدامك ..!
ذهبت للسيف رابط الجأش
رافع الرأس
لم تلق نظرة حتى على عرشى!
هكذا يشترك المخاطب ( هي ) في كشف النِّقاب عن شخصية المتكلم الداخلية في الوقت الذي لم يستطع هذا الأخير (المتكلم ) الإفصاح عن كل ما بداخله من مشاعر وأحاسيس إتجاه حبيبته و ظُلمها له و تعسفها ، مُتجاهلا إيّاها تجاهلاً منه بأهميتها أو مُتعَمِّداً في إخفائها ( أي المشاعر ) . و يستأنف واصفا المشْهد مُستمرا في سَرد الحِوار الذي دار بينَهما ، مُؤكدا أنه جلس ثانية فبعد جلسته الأولى عاد لينام بقبره و هو يُنصت لَها و هذا يؤكد تعبه و تهالكه فهو لا يستطيع القعود حتى تنتهي هي من كلامها بل عاد لينام بقبره و عندما أراد الرد عليها جلس ثانية و رفع إبهامه مرة أخرى متسائلا عن اليوم “يوم إعدامه ” و قد إختار الشاعر أن يكون شنقا فقال : ( يوم مشنقتي .. ؟ ) قالها مُستفهما و سكَت قبل أن يستأنف كلامه فهذه الجملة وحدها تجر وراءها سيْلا عرِما من الأحاسيس السلبية التي كانت تسيطر على الشاعر و لم تترك له المجال للتفكير أو لفهم ما يحدث حوله فهو كان شبه مغيب كان مستسلما للوضع دون أن يعلم لما يستسلم و إن إعترض على الوضع و حارب من أجل الإستمرار ، يُطرَحُ سُؤالٌ داخله ” لما سيحارب و من أجل ماذا ؟” فالمفاهيم أصبحت عنده متساوية ( الكلمة = نقيضها ) بهذا أصبح الإستسلام = الإعتراض لا فرق عنده بقيت معه أو غادرته لا يهم ، فهو قد أدعن لقدره و لمشيئتها هي . كان و كأنه مسلُوب الإرادة ، غير أنه إستدرك نفسه و علّل سِلْبيته بكَونه لم يُفصح عن مشاعره و لا عن الألم الذي كان يُحس به و وقتها حَبس دُموعه خوفا من أن يزعجها . هكذا هو يؤكد أنه لم يختر الفراق و لم يرغب فيه لكنه فُرِض عليه و مَنعته كرامته إلا أن يستجيب لرغبتها هي على حِساب نفسه و رغبته هو . يُفهم من هذا أن الشاعر يوم فراق حبيبته كان يائسا و في حالة بائسة ، لذا جاء صوته منخفضا شبه مُتوسل مُبرِّرا موقفه شاهدا على حاله مُعبرا عن آلامه و أوجاعه و هُمُومه بِدقة واصفًا الحالة المأساوية التي مرّ بها .
جلست ثانية
ورفعت إبهامى
يوم مشنقتى ..؟
سرت مذهوﻻ من القدر !
لم أشأ للعبرات تزعجك !
ردت عليه هي في شبه توبيخ و كأنها ندمت على ما فعلت مبررة فعلتها ، نافية قوله مؤكدة على أنه لم يُحاول منعها و التّشبت بها و التصدي لقرارها فهو لم ينحني أمامها و لم يجلس تحت أقدامها مُتوسّلا لم يرفع مدائحه لها راجيا منها البقاء لم يهرب من القتل ( القتل / الفراق )
قالت :
لم أر ظلك المعكوف كالمنجل
لم أرك تحت أقدامى ..
لم أسمعك تدغدغنى
لم ترفع مدائحك
لم تتشفع لعزتنا
لم تهرب من القتل
اعتدل في جلسته مرة أخرى و رفع إبهامه نافيا أقوالها ليُخبرها أنه مولى من مواليها لكنّها من كثرة غضبها لا تذكر شيئا ، يومها هو توسّل كل من حضر معها ليتشفّعوا له عندها و توسلها هي و طلب منها مُهلة ، آملا عفْوها متمنِّيا عُدولها عن قرارها كاتبا أشعارا في حقّها طالبا مُتوسلا راجيا العفو منها .
جلست ثانيه
ورفعت إبهامى كلا..
سيدتى أنا مولى من مواليك
ﻻتذكرى من الغضب
يوم أن شئت
توسلت بكل من حضر
تشفعت بقلب موﻻتى
رجوت مهلتك
آملت فى عفوك
وأشعارى ..
كنت أكتبها
فى ستار نافذتى
وكم حملتها لليلى الدامى
عل يوصلها ..لثغرك القدسى
عاد الشاعر ثانية لمشهد الموت حين ردت عليه متسائلة : الان و بعد موتك ماذا افعل بك دون رأس ؟ بهذا المقطع يؤكد ظلمها له و تماديها في هذا الظلم .
قالت ..
إذن ؟
وما أصنع ..
وأنت مصروع بلا رأس ..
رد عليها رافعا إبهامه أنها إن أذنت له نفض عنه الموت و تبعها مهما بلغ منه الألم و الوجع و العذاب ليقبل بنانها و يخدمها ما تبق له من عمر ( أخدمك بحنوط أكفاني ) فهو سيراعيها و يحرص على خدمتها حتى الموت ، سيضاحكها و يجلب لها السعادة مهما تألم هو و تعذب هو المهم أن تكون هي سعيدة ( أضاحكك برأسي الملقى خلف أكتافي ) يسكت برهة ينتظر جوابها لكنها لا ترد عليه فيبادر هو ليسألها ( ء أقوم سيدتى ؟! ) فهو يرغب بالعودة لها ، ينتظر بشوق جوابها ،جالس ينتظر إشارة من يدها ليقوم و يتبعها .
قلت ..
ورفعت إبهامى
إن تأذنى لموﻻك !
أنفض الموت ..وأتبعك
أقبل بنانك الحانى
وأخدمك بحنوط أكفانى
وأجعل مسك آخرتى وطءا لقدميك
أضاحكك برأسى الملقى
خلف أكتافى ….
ء أقوم سيدتى ؟!
بهذا المشهد ينهي قصيدته و قد ترك في مخيلة القارىء نهاية مفتوحة يبحث هو ( أي القارىء ) عن خاتمة لها فإما أن تشير له و يتبعها و إما تذهب هي و يظل هو جالسا ينظر لها و صورتها تتلاشى أمامه شيئا فشيئا إلى أن تغيب عنه و يعود هو لموته و ينام فيمضغُه القبر و يأكل عظامه كما أكلت هي مشاعره و مضغت أحاسيسه . بهذه القصيدة أشار الحوار إلى الحدث دون الغوص في تفاصيله ، و هذا ينسجم مع طبيعته التي تميل إلى التكثيف و الإيجاز ، و على الرغم من أن الشاعر لم يذكر من الأحداث التي دارت بينه و بين حبيبته إلا الشيء القليل و بإيجاز إلا أننا استطعنا التوصل لفهم أسباب الصراع الذي نشأ بينه و بين الأخر / حبيبته ، و إن لم يذكر لنا الشاعر التفاصيل و سبب النزاع بل أشار إلى ذلك من خلال الزمان ((يوم مشنقتك / الإنفصال)) .
دائما يترتب عن الحوار الصراع بين المتحاورين إنطلاقاً من وجهات النظر المختلفة و المتناقضة في بعض الأحيان أو ربما ينشب الصراع بسبب موْقف معين و يكون ذلك حركي حسي أو ذهني ، أي من خلال الصراع الداخلي و الخارجي ، فالصراع الداخلي ينشأ نتيجة لما تحمله شخصية الشاعر أو الكاتب من أفكار و أحاسيس متناقضة ، أما الصراع الخارجي فينشأ بسبب ما تحمله من أفكار مختلفة عن الشخصيات الأخرى، و في الحالتين يكون هذا الصراع معززاً للإتجاه الدرامي في النص و هذا ما يظهر جلياً في هذه القصيدة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
_ 1 فاضل السامرائي أستاذ في جامعة الشارقة لمادة النحو والتعبير القرآني مقال في منتديات استار تايمز
_ 2 الشاعر فاضل العزاوي عن “صناعة الحلم” الشعري في البيان الشعري الذي كتبه ونشره في مجلة الشعر عام 1969
ــ 3 قاموس السرديات، جيرالد برنس، ترجمة: السيد إمام، ص: ( 45 )
_ 4 معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص:( 78 )
_ 5 ( الحوار في الشعر العربي القديم – شعر امرئ القيس أنموذجًا، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، مج (14)، ع (3)، نيسان 2007، ص: 66. )
_ 6 ( الحوار في شعر الهذليين – دراسة وصفية تحليلية، صالح أحمد محمد السهيمي ، رسالة ماجستير، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى، 2009، ص: 22. )
_ 7 ( الشعر العربي المعاصر؛ عزالدين إسماعيل، ص: 298. )
_ 8 ( الحوار في الشعر العربي القديم – شعر امرئ القيس أنموذجًا، ص: 61. )
_ 9 ( دينامية النص، ص: 116. )

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: