قراءة في مجموعة «مراثون العميان» للدكتور عيسى حداد

محمد المشايخ *

تشتمل مجموعة القاص الدكتور عيسى حداد(مراثون العميان) الصادرة عن وزارة الثقافة،على تسع عشرة قصة قصيرة، تتوقف مضامينها عند قضايا إنسانية عامة، ترتقي بها إلى مصاف الأدب العالمي، ولعلها من المجموعات القصصية القليلة التي تنتفي فيها سيرة مبدعها، وتـُحلق جميعها في أجواء روحانية تستحق الخلود، ومن القضايا الإنسانية التي توقفت عندها المجموعة، نظرة العالم الغربي إلى الإنسان العربي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فالعربي الذي يذهب للغرب من أجل الدراسة يجد نفسه في قصة(الإرهابي الوديع) متهما بالإرهاب، دون دليل قطعي سوى زيادته لكميات الحليب التي يشتريها، إن سخرية القاص من سوء نية بعض الجهات الغربية، وفي الوقت نفسه إبراز طيبة الإنسان العربي وكرمه، يجعله صاحب موقف وطني منحاز للكرامة الإنسانية، الأمر الذي تبدى أيضا في قصته(نشوة الألم) التي تجعل الجندي العربي الذي يدافع عن وطنه ينتقل من الخاص إلى العام، حين يدعو إلى تمجيد بطولة الآخرين والإشادة بهم لاستبسالهم في الدفاع عن أوطانهم، وعدم الإشارة إلى شجاعته التي جعلته يخسر قدمه في واحدة من معارك الشرف

لجأ د. عيسى حداد في معظم قصصه إلى الواقعية السحرية التي تتوافر فيها بصورة نموذجية دينامية سردية قوية يندمج فيها الواقعي الذي يمكن تمييزه بغير المتوقع والمتعذر تفسيره، وترتبط فيها الاحلام والقصص الخرافية والميثولوجيا مع اليومي، في نمط متغير الاشكال .

وقد برز ذلك بشكل لافت للنظر في القصص التي كان يتذاكى فيها على قرائه، وينصب لهم فخاخا موضوعية سرعان ما يقعون فيها، فهو يسرد أحداثا حقيقية وجادة، لا توحي على الإطلاق بأن ما يقرؤونه ليس حقيقيا، أو ان له دلالات أخرى غير التي يستنتجونها من القراءة، فبطل قصة «طعن حتى الخلاص»، يخون زوجته التي قدّمت له كل ما تملك، ويقع في الفتنة مع جارتها، وحين تطلب منه الكف عن ذلك، يُمسكها بيده وينهال عليها بالطعنات..وقبل أن تصل روح القارئ قمة الألم نتيجة تلك الطعنات، يكتشف في نهاية القصة أن الطعنات انهالت على وثيقة الزواج، وليس على الزوجة.

وتتحدث قصة «الزيت الحار» عن طالبة تنجح في امتحان الثانوية العامة، الأمر الذي يؤهلها لدراسة الهندسة الكيماوية، وفي أثناء الدراسة، تضطر للنوم في السكن الداخلي، وفي أثناء نومها، ولأكثر من ليلة، يأتي شاب يحاول اقتحام شقتها، وحين تبلغ والدها بالرعب الذي يسببه ذلك لها في كل ليلة، يقول لها إن هذا الشاب هو نفسه الذي دعسه قبل فترة، وأنه بعد عملية الدعس تلك، صار يظهر لها في كل ليلة، ولكي تتخلص منه، قامت في إحدى الليالي بغلي زيت حار و رشقته في وجهه، وحين ذهبت للمخفر وجدت طوابير من الناس تتقدم بشكوى ضد مجهول قذف الزيت الحار بوجوههم.

أما قصة»سلة المهملات» فتستعرض المونولوجات الداخلية التي تدور في نفس شخص جلس بين يدي العرّافة التي انتهتزت فرصة تشوّقه لمعرفة مستقبله، لتوقعه في خطيئة الزنا، وفي الوقت الذي يظهر فيه كراهيته للخطيئة بقدر كراهيته لاحتلال الأرض المقدسة، توقظه زوجته من حلمه وبيدها سلة المهملات، تدعوه للإسراع بالنهوض، فعامل النفايات ينتظر على الباب، وقد طال انتظاره.

وتستعرض قصة «المسامير القاتلة» تطلع شاب اختطفت حورية البحر والده، لينتقم منها، ولأنها لا تظهر إلا مرة بالسنة، فقد اغتنم فرصة ظهورها وصلب جسدها بالمسامير حتى فارقت الحياة، وحين عاد لإخبار أمه بأنه أخذ بثأر أبيه وخلـّص البلدة من شر تلك الحورية، وجد الناس يعزونه بوفاة والدته التي نزفت من المسامير التي كان دقها في جسدها.

أما قصة طفلة الأنبوب فتتحدث عن زواج خالد من ابنة عمه التي لا تنجب، وبعد أن نصحهما الطبيب باللجوء إلى تقنية طفل الأنبوب، رأت زوجته في الحلم إمارات الحمل.

الحداثة وما بعدها

من هذه القصص، يلاحظ القارئ أن حركة القصّ عند د.عيسى حداد كانت تتكىء على تقنيتين رئيسيتين، هما: الحوار الداخلي «المونولوج» من جهة، والحلم من جهة ثانية،الأمر الذي جعل قصصه ترتقي إلى مرتبة الحداثة التي تنهض من بنية القصّ نفسها،ويـُنتجها وعيٌ جماليٌ دالّ على تملك القاص إنجازات القصّ المعاصرة، بدليل أن حركة القص عنده، كانت تجمع بين الماديات والمعنويات، وتـُصاغ بكلمات يتأنسن معها المجرد، ويتجرد المـُشخص، لاسيما حين كان «المونولوج الداخلي»، يُصرّح بما في أعماق الشخصية الحكائية، ويضع أمامنا مكنوناتها الداخلية، ويصف علاقاتها مع الواقع الخارجي المحيط بها، الأمر الذي اتضح تمام الوضوح في قصته التي تحمل عنوان المجموعة: «مراثون العميان» التي تعيدنا إلى حكاية الماراثون باعتباره اختبار تحمل في رياضة ألعاب قوى، يكمن في الركض لمسافة 42.195 مترا .

هذه القصة دينية، تـُلخص هدف الكاتب من إبداعه لهذه المجموعة، التي لطالما تحدثت عن الصراع بين الخير والشر، ولطالما توقفت عند موضوع التطهير بشكل عام، وعند التعميد في الديانة المسيحية بشكل خاص، فالبـِركة هنا، هي بـَركة الماء المقدس، وهي مودعة وسط أحضان»المخلص الأعظم» ومن يتعمـّد بمائها المقدس يحصل على الخلاص ـ ويتخلص بل ويتطهر من ذنوبه وآثامه، علما بأن الماء المقدس بالنسبة للكثيرين يرمز للتطهر الروحي والولادة الجديدة.

وقد اشتغل القاص في أكثر من موقع في قصصه على موضوع تجدد الحياة، هذا عدا عن شغفه بالميتا قص الذي جاء من أصل لغوي، يدل على اللغة الواصفة للقصة التي تتحدث عما وراء الطبيعة، هذا عدا عن الحديث عن القصة من داخل القصة، حين تـَعرف الشخصيات القصصية ما يدور في نفسيات الشخصيات الأخرى، فيـُصبح الكاتب عالما بدواخل النفس البشرية (عبر تكسير الجدران والوعي واللاوعي المشترك) فتكون القصص مرايا تعكس ما هو أمامها ولا تعكس ما خلفها ولا تعكس نفسها .

كما لجأ إلى تقنية تعدد الأصوات، التي برزت في قصته «مذكرات عاشقة» وعبر التقنية نفسها تتحدث قصة «الوجه المتوازن» عن فتاة ورثت الفرح من شقاء أسرتها، وعن شاب ورث الحزن من رفاهية أهله، وقد وجدا أن الفرح المستمر والحزن الدائم لا يناسبا هذه الحياة الرمادية، فقررا دمج وجهيهما بوجه واحد، ليحصلا على وجه متوازن، ركـّبا عليه جسدا واحدا جمعه الله ولا يفرقه انسان.

الحساسية الجديدة

وهنا نضيف، أن قصص د.عيسى حداد، تنتمي لقصص الحساسية الجديدة التي تقوم على كسر الترتيب السردي الاطرادي، وعلى فك العقدة التقليدية، والغوص إلى الداخل لا التعلق بالظاهر، وتحطيم سلسلة الزمن السائر في خط مستقيم،و تراكب الأفعال : الماضي والمضارع والمحتمل معاً، وتوسيع دلالة  الواقع لكي يعود إليهما الحلم والأسطورة والشعر، ومساءلة الشكل الاجتماعي القائم واقتحام مغاور ما تحت الوعي، واستخدام صيغة الأنا لا للتعبير عن العاطفة والشجن، بل لتعرية أغوار الذات،وصولاً إلى تلك المنطقة الغامضة،المشتركة التي تـُسمى  ما بين الذاتيات والتي تحل – الآن- محل  موضوعية مفترضة .

إنه يحاول أن يعكس كل ما يمتلكه من فرح متخيل على الكائنات التي يرسم ملامحها

رسم د.عيسى حداد، للعالم في مجموعته، عالما مثاليا، يشبه إلى حد ما المدينة الفاضلة والمثالية التي رسم معالمها أفلاطون، وتشبه أيضا عالم الغابات الذي رسمه الشاعر جبران خليل جبران،إذن عالمان تصارعا في قصص «عيسى حداد»، العالم كما هو قائم، والعالم الذي يريده أن يكون، وبالتالي، كانت قصصه حوامل فنّية، أو أقنعة سردية، لتلك الأسئلة الكبرى التي تؤرق الإنسان في عصر المادة، أو عصر الخطايا، ومن هنا يمكننا القول أن بعض قصصه كانت أشبه ما تكون بمنمنمات من السيرة الذاتية لأبناء مجتمعه،

وهنا نشير إلى مقاومة القاص للصراع الطبقي في المجتمع، من خلال إيضاحه لآثار ذلك الصراع على نفسيات شخصيات قصصه، كما تتوقف قصة «حبوب منع الحمل» عند سوء الحالة النفسية لزوجة لم يجد زوجها وسيلة للخلاص منها إلا بالطلاق،او الموت، غير أنه لما عرضها على طبيب العائلة تبيّن أن حبوب منع الحمل هي التي كانت سبب نكدها، وكذلك الأمر في قصة «مذكرات مطلقة» والتي هي أقصوصة قصيرة تشتمل على مونولوجات داخلية لسيدة خانها زوجها وطلبت منه أن يطلقها وتبلغه عبر تلك المونولوجات رفضها لفكرة العودة له.

والأمر نفسه أيضا في قصة « مذكرات باحث عن الطلاق» التي تتحدث عن شخص تعرّض في أثناء ذهابه للمحامي من أجل تطليق زوجته لمحاولة دهسه من قبل سيارة مسرعة، ثم لسقوط كيس قمامة على رأسه، ثم تعرضه للضرب بكرة قدم سددها أطفال نحوه، ثم سقوطه في حفرة للمجاري، ومجيء عجوز تظنه متسولا لتضع في يده قطعة نقدية.

وفي قصة «ليست نكتة» لص جاء يسرق عجوزا تقيم في براكية، وحين لم يجد في البراكية شيئا يستحق السرقة، ورآها تسطك من البرد، حزن عليها والبسها معطفه.

أما قصة «مذكرات صياد» فتتحدث عن صياد ألقى شبكته في البحر فعلقت بحوت مزقها له وحرمه من الأداة التي يصطاد بها، وعند النوم رأى في الحلم أن الحوت استصغر نفسه ومات منتحرا.

ويلاحظ القارئ هنا وجود خمس قصص تسبق عناوينها كلمة مذكرات، كما يلاحظ القارئ أيضا شغف القاص بإيجاد علاقات بين ألفاظه مليئة بمعطيات البلاغة العربية، ويلفت انتباه القارئ أيضا استخدام القاص أكثر الألفاظ احتشاما ووقارا، بل إنه كان يهرب من الوصف الجنسي

وعلى الرغم من أن اللغة التي يمتلكها القاص في مجموعته هذه توحي بأنه من الطبقة المتوسطة في المجتمع، إلا أن خوضه في التفاصيل الصغيرة للأسر الفقيرة(قصة طفلة الأنبوب ) مثلا، يشعرنا إلى أي حد هو مشغول بالكادحين والفقراء، وإلى أي درجة ينتمي إلى القاعدة الشعبية، وكم يطمح إلى التعبير عن أرق الجماهير، ليعبر عن تطلعهم إلى السعادة والغنى،

إن هذه المجموعة تـُبشر بقاص، يمتلك ناصية الأدب العالمي، وبحكم عمله الطبي، فإنه يمتلك مقدرة فائقة على الجمع بين سيكولوجية القصة وجمالياتها، وبين نفسية المجتمع الذي يعيش فيه أفرادا وجماعات، ومن هنا فإننا ننتظر منه مستقبلا المزيد من القصص المؤهلة للعرض السينمائي، والتي لا تقل في بعضها، وخاصة المتعلقة منها بالتطهير والتعميد، عن قصة فلم زوربا وما تخلله من تطهير ديني ودنيوي.

عن/ جريدة الدستور

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: