مارس 18, 2018

قراءة مختصرة في نص (إثمار) للكاتبة السورية (ميادة سليمان) بقلم : الناقد علي الرشدان

النص:-
إثمَارٌ
كَذَّبُوهُ، ثُمَّ ضَحِكُوا مُحدِّقينَ في ثِيابهِ الرَّثَّةِ
لمَّا أجابَهُم مُتحدِّيًا بأنَّ هديَّتهُ في عِيدِ الأُمِّ
أثمنُ من كُلِّ هَدايَاهُم، لَكِنَّهُم أذعَنوا خَجِلينَ
حِينَ قالَ مُكابرًا: أهدَيتُها الفَاتِحةَ.

**************************


القراءة:-


اتخذت الكاتبة لنصها عنوان (إثمار) أثمر الشجر يثمر إثمارا.. وهي لفظة في صيغة المصدر.. والإثمار هو نتيجة الشيء وفائدته.
النص يتناول علاقة الابن بأمه الذي هو نتاج مباشر وثمرة لعلاقة بين ذكر وأنثى.. وعلاقة البنوة والأمومة علاقة مؤبدة.. لا تنفك عراها ولا تتبدل ولا يمكن اغفالها.
استخدمت الكاتبة أسلوبا مباشرا في طرحها لفكرتها.. حيث خلى النص من الترميز والغموض.. فجاء سهلا تصل رسالته إلى المتلقى بكل يسر وبساطة ودون تكلف.. ولعل ما دفع الكاتبة إلى ذلك هي تغييها وحرصها على إيصال رسالتها إلى قارئ النص.. دون أن تتخلى عن تحقيق ما يتطلبه نص الققج من اشتراطات وسمات تميزه عن غيره من النصوص السردية الأخرى.
افتتحت الكاتبة نصها بجملة (كذبوه) وهي تشير إلى وجود مدع بشيء يقابله مكذب له (فرد/ مجموع) هما طرفي ذلك الصراع، والسرد لم يشر بصورة مباشرة إلى ذلك الشيء مدار الصراع؛ لكنه يوحي به من خلال الجمل الموالية (ثم ضحكوا محدقين في ثيابه الرثة) استعملت الكاتبة حرف العطف (ثم) لتفيذ من خلاله أن السخرية جاءت عقب التكذيب؛ لأنها حرف يفيذ الترتيب والتعقيب مع التراخي.. كما يقول اهل اللغة.. والجملة أشارت إلى سبب تكذيبهم لدعواه.. حيث اتخذوا من المظهر الخارجي المادي دليلا.. فصاحب تلك الثياب الرثة لا يملك ثمن أن يقدم هدية لأمه في عيد الأم؛ لكنه لم يستسلم لسخريتهم وهزئهم به، بل اعلن لهم وتحداهم بصدقه (لما أجابهم متحديا بأن هديته في عيد الأم أثمن من هداياهم) والجملة تحمل إضافة إلى تحديه لهم سخريته من هداياهم وتفاخره عليهم، ليتحول الأمر إلى جدال وصراع بين الطرفين.. أضمره السرد ولم يظهره؛ لكن أثره في الجملة الموالية ظاهر (لكنهم أذعنوا) والإذعان هو إعلان الخضوع والطاعة، أي هم قد سلموا له بان هديته أثمن من هداياهم جميعا، وذلك (حين قال مكابرا) المكابر هو: المعاند ومتصلب الرأي والمتغلب.. ولهذا وصفت الكاتبة به الطرف الفائز في هذا الصراع.. (أهديتها الفاتحة) هنا فاجأتنا الكاتبة بقفلتها الصادمة التي خبأتها إلى نهاية السرد ولم تذكرها او توحي بها.. بل ألقت بها للقارئ في وقتها المناسب تماما.. وحاءت بها في أسلوب حواري لتكون أبلغ وأقوى أثرا في نهاية الحدث وتتويجا له.
وأي هدية اعظم من الفاتحة يهديها ابن لأمه.. فإذا كانت هداياهم مادية تنتهي فإن هديته دائمة وأثرها أعظم.
ومن خلال هذه القفلة أيضا كشفت لنا الكاتبة على ان الأم رحلت إلى العالم الآخر.. حيث هي في البرزخ تنتظر إثمار ثمرتها التي زرعتها في الدنيا.. تنتظر الرحمات والدعوات.. وفي ذلك إشارة إلى تناص ديني يذكرنا باستمرار كسب الإنسان بعد موته في حالات من بينها: ابن صالح يدعو له.
النص أوصل بنجاح رسالته السامية التي هدف إليها: وهي ان علاقتنا بالأمومة ليست علاقة مادية صرفة ومؤقتة.. بل هي علاقة دائمة ومستمرة علينا أن نأخذ ذلك في اعتبارنا ونحرص عليها وعلى الوفاء بها.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: