أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / قراءة نقدية و رؤيا لنص “بين سماءين و غيمة ” للشّاعرة  نزيهة شلخي موسى/بقلم الأديب الجزائري سليم ميلودي /الجزائر 

قراءة نقدية و رؤيا لنص “بين سماءين و غيمة ” للشّاعرة  نزيهة شلخي موسى/بقلم الأديب الجزائري سليم ميلودي /الجزائر 

مِن أينَ لِي بمَوتٍ رحِيم أقذِفُه بوَجهِ النّهَار
ِ و أطمَعُ أن يُخرِسَ نبضَكَ الّذِي يُرافِق غَفوتِي
أسكُب دمعةً أو دمعَتينِ أو حتّى ثالثة
تقعُ على وجهِ المسَاءِ فتحرِقهُ و لا تُحرقِه
و نبقَى أنا و أنتَ نتأرجحُ بينَ سمَاءينِ و غَيمةٍ
تَزَّلُ قدمَانا بين أرضين قُربَ تلةٍ
فنظلُ معلّقَين بينَ و بينَ
نستعطِفُ النُّجومَ بأمنياتِنَا الحَمقَى
نعلّقُهَا على أشجَارِ السَّروِ
و نمضِي كمَا العَصافِير نُغنِي
نهمِسُ في أذن الرِّيحِ لا يسمعُنَا
نهمِسُ أكثَرَ يغضَبُ أكثَر
يهبُّ فيقتَلِعُ الغَابةَ ويجتث أمنِياتنَا
أحتمي بغيمةٍ لأتطهّر من حِبركَ المندّسِ فِي عُروقِ يَدِي
لكنّ رَسم اسمكَ المخبوء بدمِي يأبَى أن يمّحِي
لا يزال هنَاك عندَ ضِفة النّهر يعانِد شقوتِي
يلوي ذِراع الوقت
ِ يبتزُّ الوريدَ بقصيدةٍ تخثّر دَمُها
لا مكانَ قد يستريحُ فيه خوفُنَا قِفارٌ كلّها الأمَاكن
ُ لا مَاءَ لا عشبَ هناكَ يدثّرنا
أصَابعُ الشّكِ مغروزةُ بعينَيّ
الحقيقةُ محض احتمالاتٍ لا أبصرُهَا .
النّوافذُ الّتي نَعبر منها إلى الصّباح شَحيحةٌ
الشّمس خجِلة منّي
أصبحَت تخاَفُ أن تؤذِي مقلتيّ
فمن فَرطِ بكائهِم تورّمت .
——نزيهة شلخي موسى —-

*****************************************************************

– حرف الحداثة المتنزّه على سطر الأستاذة نزيهة شلخي موسى ، الّتي تعودنا منها دائما أن لفوهة حرفها قذف حداثي سريالي بحت يخوض في الروحانيات بتوظيف محكم البلاغة والبيان ، لتزيده في كلّ برهة جمالية من جماليات اللغة تجعل المطلّع المتلقي متشوقا لهذه الرسمات الأبجدية الجميلة . في نصها المعنون بين سماءين و غيمة ، الّذي أبدعت فيه حدّ الدّهشة ، فعنوان النّص بين سماءين جاء بتوظيفة جديدة ، في النّقد تقول أن التّناص هو تداخل النّصوص في بعضها ، إلا أني أوظف كلمة التناص هنا تداخلا بين سماءين ، في ربط روحي بين كيانين أسقطا توظيفا و تشبيها بسماء و أخرى ، التّداخل الرّوحي في هذين التّوظيفتين تزيده دهشة النّقطة الموالية و الّتي تأتي بربطٍ زاد الحلم وهما ، أي أن الفاصل بين هاتين النقطتين أخرى ثالثة تحد من الوصال ، التشبيه كان رائعا سماء و غيمة ، السّماء دون غيمةٍ هي متنزه الصفاء و النّقاء حاملة في جوف نسيمها عذب التّنفس ، أما الغيمة فهي الحاجب الحاجز لذاك الصفاء الدّلالة في التّوظيف ، سماءين خالصتي النّقاء و الصّفاء تعكّر وصلها من جراء غيمة ، حجبت و لم تمطر . لتأتي الكاتبة في السّطر الأول من النّص موظفة الشّرح التّدريجي لعنوان النص قائلة: -مِن أينَ لِي بمَوتٍ رحِيم أقذِفُه بوَجهِ النّهَارِ- من جراء الفصل بين إحداثيتين كان الدخول في النّص شكوى بحد الوشاح الشجني المغطي لروح تهوى الوصال في زمن اللاوصل ، التوظيف مبتدء بطرح استفهام يليه إضمار شرحه الوجيز هو تكوين فكرة في الذّهن تكون متضمَّنة وغير معبَّر عنها صراحة ، والتشبيه فاق المجاز روعة و لغة . لتزيد توظيفا و لغة ، تتعمد في ذلك أخذ القارئ إلى مسميات يتجول من خلالها في تنقلات بين جملة و من تليها بروعة تامة ، أين اغتنى النّص توظيفا جميلا  جدا ، تحدثت عن الإيجاب رجاءا و السِّلب استنكارا ، بفلسفة راقية تفيد في الاعتماد و الأخذ بها طريقة في الكتابة و الإبداع . كقولها – أسكُب دمعةً أو دمعَتينِ أو حتّى ثالثة- فالدمع في كبد هذا النّص وجع ، فما الفائدة من أن اسكب دمعة أو اثنتين أو حتّى ثالثة ، أسلوب مشوق بجدارة ، يدل على عدم النّفع في الإكثار إن كانت الكفاية لا تجدي ، لتنتقل الى وصف آخر و توظيف أرقى إبداعا و جمالا فتقول – لكنّ رَسم اسمكَ المخبوء بدمِي يأبَى أن يمّحِي – قولها المخبوء بدمي و ليس السّاري مجرا فيه ، دلالة على موقع عدم الحراك جراء ، لتأتي قولا وتفسيرا لهذا العدم في الحركة فتقول – يبتزُّ الوريدَ بقصيدةٍ تخثّر دَمُها- هنا تفسير حركية الاختباء ، المؤدي علميا إلى تخثرٍ نتاجه توظيف أدبي لغوي سبقه في التشبيه أخر علمي ، والخلاصة ابتزاز دفع حق السلبية فيه قصيدة لم تخرج الى النّور. لتختم تدريجيا وصف الحسرة تنازليا من فرط الفصل بين سماءين ، اشترك في فصلهما غيمة ، الطبيعة بجانبها المشترك نسبيا في التوظيف ، كما على الشّمس حجة الأذية ، العاجزة عن تضميد ورم مصدر الدّمع و البكاء . وهذا التوظيف يدل على فكرة الشاعرة القوية المعنى و العمق ، اين ضربت بالفهم السطحي عرض الصّمت حتّى زاد العمق عمقا. كخلاصة : نص مستوفي الشّروط من كل النواحي، بل زاد في اثراء الفكر الراقي حين القراءة و الولوج في احداثيات الفكرة المطورحة في قصيدة ، وظفت فيها الشّاعرة كيف للحلم ان يفصل بين حائه و ميم وهم صُور في غيمة لغّة هي حاملة لغيثِ وفير وفي العمق هنا هي مائعة لغيثِ غزير الربط وزيادة الصفاء وصلا ونقاءًا

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: