ماذا عن حجم الـ ( ق ق ج )؟. بقلم. د. ميمون مسلك

لصحيفة آفاق حرة:

 

 

ماذا عن حجم الـ ( ق ق ج )؟

 

بقلم. د. ميمون مسلك

 

الحديث عن الحجم في نطاق (ق ق ج) يذكّرني ببعض أسباب كتابة الشّعر الحديث. و الإخوة في العراق لا يخفى عنهم هذا، ففضلا عن التأثر بالشّعر الانجليزي، كان من مسوغات البعض أنّ الحرص على النّظم و العروض الخليلي، يُفقد الشّاعر عمق أفكاره، و صدق مشاعره ، و طلاوة لغته و فنّه.. و ينصرف كُلّ همّه لتحقيق الوزن، بدل شاعرية الشّعر…
نفس الحكاية تتكرّر الآن، مع حجم (ق ق ج). هل خمسون كلمة؟ أم مائة ؟ أم يا ترى خمسمائة إلى ألف وخمسمائة كلمة؟ كما يرى الناقد الأمريكي ترنتويل ميسيون في دراسته: (ميكانيك الأقصوصة):( قد تتراوح الأقصوصة في الطول بين خمسمائة وألف وخمسمائة كلمة، وأنسبها الصالح للنشر الرائح ذات الألف ومئتي كلمة).

أعتقد أنّ مسألة الحجم في (ق ق ج ) حُسمت بكلمة (جداً)، و الذي لا يعرف معنى كلمة ( جداً) لغوياً ، نقول :
ــ رَجُلٌ عَظِيمٌ جِدّاً : في مُنْتَهَى العَظَمَةِ وَغَايَتِها .
ــ حَسَنٌ جِدّاً : أكْثَرُ مِنْ حَسَنٍ ، غَايَةُ فِي الحُسْنِ .
ــ ثَمَنُ المِعْطَفِ بَاهِظٌ جِدّاً : ثَمَنُهُ مُرْتَفِعٌ كَثِيراً ، مُبَالَغٌ فِي ثَمَنِهِ .
ــ جِدًّا : بمعنى، إلى حدٍّ بعيد ، كثيرًا ..
إذاً ، كلمة جداً تفيد ، المنتهى في ، و الأكثر في..، و المُبالغة في.. و البُعد في…
و في إعرابها ما لم تتأثّر بعوامل داخلة عليها فإذا جاءت مثلا هكذا : “أغضبه جدًّا “، فهناك ثلاثة أوجه إعرابية :

1 ــ مفعولٌ مُطلقٌ منصوبٌ لفعلٍ محذوفٍ، والتَّقدير: أغصبه أجِدُّ جِدًّا.
2 ــ نائبٌ عن المصدر منصوبٌ (وهو ما يُعرف خطأ بالنَّائب عن المفعول
المطلق)، والتَّقدير: أغضبه غصباً جِدًّا.
3 ــ حالٌ منصوبةٌ، وهذا على أنَّ المصدر هنا وقع حالاً مؤوَّلاً بالمشتقِّ، ووقوع المصدر حالاً معروفٌ في اللُّغة، فالتَّقدير: أغضبه جادًّا.

إذاً، نحن أمام المفعولية المُطلقة،و أمام حالة صاحب الحال . و ينبغي استيعاب هذا جيداً. و ترك الحرية للمبدع أن يستنشق هواءً نقياً بدل حصره في عدد الكلمات. فكم من نصّ جاء رائقاً في خمسين أو ستين كلمة .. و كم من نص جاء أحسن في مائة و خمسين كلمة.. شريطة ألاّ يتحول نص (ق ق ج ) إلى أقصوصة أو مشروع قصّة قصيرة. أو يأتي بغير تكثيف أو بفائض لغوي (l’inguistic redundancy)

فاللّغة القصصية الفنّية ( Artificial language) هي المؤشر. و من خلالها يتّضح رسم الجنس السّرديّ. بل يتّضح هل بالإمكان اتّخاذها وعاء: لفكرة / حدث / لقطة / ومضة خاطفة .. أم ترى تتّسع لأكثر من ذلك . عِلماً أنّه شتّان بين اللّغة المعيارية ، أو لغة الخاطرة، أو لغة القصّة القصيرة، أو القصّة، أو الرّواية، فما بالك بـلغة الـ (ق ق ج) ؟! و الكثير الكثير.. من كتاب القصّة لا يميّزون بين هذا التّشكيل اللّغوي المتنوع و المختلف…
فلا بدّ من الإقرار أنّه من حيث الحجم ، هناك خلاف كبير. و أحياناً كثيرة أشعر أنّه خلاف عبثي ليس إلاّ. فحين أقرأ ما كتبته نتالي ساروت ما يعتبره البعض قصصا قصيرة جداً في كتاب بعنوان (انفعالات)،أجد القصّة عندها طويلة نسبياً دون أن أقول : صفحة كاملة. و لكن حين أقرأ للقاص و الرّوائي الكبير ارنست همنغواي ،أجده قد كتب يوما ً قصّة قصيرة جداً في نوع من التحدي : في خمس كلمات و هي:(للبيع،حذاء أطفال، غير مستهلك) ( For sale: baby shoes, never worn”). و حين أنظر في الأدب الانجليزي الحديث أجد ما يُعرف بقصّة الستّ كلمات (Six word story ). وأنّ بعض المواقع الأدبية أعلنت عن مسابقات للقصّة القصيرة جداً، بشرط أن تكون كلماتها محصورة بين كلمتين إلى ثلاثمائة كلمة . بل و أجد رأياً آخر يحصر القصّة القصيرة جداً في ستين كلمة و ينصح الكاتبَ لكي يُحافظ على المجموع (ستين) كلمة أو أقل، ينبغي أن يضع (ستين) سطراً مُرقّماً على أساس أن يتضمّن ـ أثناء الكتابة ـ كلّ سطر كلمة و كلمة واحدة. و هناك من نصح بالكتابة في الخانة التويترية حتّى لا يتجاوز حداً معلوماً من الكلمات…
و في هذا خلاف عبثي،لا أراه يخدم هذا الجنس الجميل و الممتع.. فالقصّة القصيرة جداً إن جاءت في نصف صفحة.أو في فقرتين من ثلاث مائة كلمة، أو أقلّ كمائة كلمة ، أو ستّين، و بدون شطط و لا زيادة غير مرغوب فيها؛ فهذا جميل. و عموماً التّكثيف، و الإيجاز، و اللّغة الشّعرية … كلّ ذلك لا يَسمح بالاستطراد، و الشّطط ،والإطناب. و من تمّ أجد مبدع القصّة القصيرة جداً؛ من المبدعين البلغاء. فهو إن لم يكن بليغاً، و متمكناً من ضروب البلاغة، لا يُمكنه أن يأتي بالحدث في إيجاز بليغ فنّيّ ، و إن حاول ذلك مــراراً. لأنّ مسألة عدم فهم الحجم و ما تتطلبه عملية الإبداع القصصي،أو قعتِ البعضَ في وهم الاسْتسهال و فيما نُسميه:السّقوط في الأدب الاسْتعجالي (Littérature de lurgence) الذي لا طعم ولا رائحة له. لذا:
ــ لا ينبغي التّشدّد في مسألة الحجم ما دام هناك احترام لكلمة (جِداً ).
ــ و لا ينبغي تحديد عدد الكلمات،فكلّ و أسلوبه، و لغته، و قدراته اللّغوية،و مستوى بلاغته..
ــ لا ينبعي مواصلة التّبعية المطلقة للنّقد و الإبداع الغربي، إلا من باب الاستئناس فقط .
ــ لا ينبغي للمسابقات القصصية أن تنبني على أساس عدد الكلمات، بل على أساس الجودة الفنّية.
ــ لا ينبعي أن يكون الحجمُ حدّاً، و كبتاً، للعملية الإبداعية، بل خاصية و إطار عمل فقط .

و عموماً الحرية المسؤولة في الإبداع، هي أساس الإبداع، فلا مُبالغة في التّحديد، و لا إطلاق الحبل على الغارب في التّمديد . و إنّما أن يكون الأمرُ بين ذلك قواما. وفق ما تفرضه كلمة ” جدا ” .

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: