مارس 20, 2018

الفلسفة و الدين/ بقلم : سعادة أبو عراق

كلا الفلسفة والدين محاولة من قبل الإنسان لرؤية الكون والعالم من خلال تصور يمكن من خلاله الإحاطة بكل ما نراه ونحسه ونشعر به، ونفك أسراره ونفهم نظامه، أي أن نكون على دراية بما يجري بين أيدينا وخلفنا، في حياتنا وفي ما بعد الموت.
إنها ثورة الوعي أو الرغبة الكامنة في النفس البشرية، للسيطرة على الطبيعة، لذلك فقد ابتدأت المحاولات لمعرفة كل شيء يدور من حوله من عواصف وأمطار ورياح وبرق ورعد وأمواج ونيران وموت وحياة ونماء وفناء ، وغيرها من الظواهر التي أرعبت وجدانه، إن نشوء التساؤل هذا، افرز وجهتي نظر الأولى ابتدأت النظر لتحولات الطبيعة وظواهرها، وهم العلماء والمفكرين والفلاسفة، أي البحث في المادة المدركة إلى ما بعد المادة، أما وجهة النظر المقابلة فقد ابتدأت مما هو بعد المادة بالقول بأن هناك إله يفعل كل شيء يخلق ويدبر ويسير هذا العالم، وبالتالي كل ما يحدث هو من فعل هذا الإله وبسببه .
علميا لا نستطيع أن نحدد زمنا لبدء ظهور الأنبياء وبدء التفكير الديني، ولا نستطيع أن نجزم أو ننفي أن حضارة الفراعنة كانت نابعة من أفكار أنبياء، فكتاب الموتى فيه كثير من التوحيد والإيمان بالبعث والحساب والعقاب، كما لا ندري كيف اهتدى اليونان إلى كبير الإله زيوس والرومان إلى رب الأرباب جوبتر، ربما كان بنبؤة عراف أو نبي مجهول لم يذكره المؤرخون, ومثل ذلك نقول عن بوذا وكونفوسيوش وزردشت وغيرهم.
ولكن الأقرب إلى التصور، بالنسبة إلينا نحن الديانات السماوية، أن سيدنا إبراهيم حينما غادر مدينة أور في العراق واتجه بمن معه إلى فلسطين، وعبروا النهر وسماهم الكنعانيون بالعبرانييين أي الذين جاؤوا عبر النهر، وكان الكنعانيون قوما موحدين يعبدون الإله إيل، ومعناه (الأول) وخالق كل شيء وبيده الرزق والموت والحياة، ولا ندري أي نبي جاء بعقيدة التوحيد هذه، ومن الواضح أن سيدنا إبراهيم اعتنق هذه الديانة التوحدية أو اتفق معها، ويدل على ذلك اسم حفيده إسرائيل أي عبد الرب إيل وابنه إسمعئيل أي سميع الرب إيل، وعندما انتقل نبي الله إسماعيل إلى الحجاز نقل معه هذه العبادة التوحيدية أو الحنفية كما سماها العرب ولكن الاسم إيل تحول إلى الله، حيث ظل هذا الاسم موجودا ومتداولا في الجاهلية إلى أن ظهر الإسلام وكان والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو عبد الله بن عبد المطلب.
كلا الدين والفلسفة يبحثان عما يؤرق الوجدان، فلغز الموت الذي يحبلنا إلى الفناء الأبدي يجعلنا نأبى ان نتحول إلى لا شيء، أو إلى فناء، لذلك كان ايماننا بحياة بعد الموت تلبي مطلبنا الوجودي بأننا لم نوجد عبثا، وأن اعمالنا الحسنة لها جزاؤها واعمالنا السيئة لها عقابها، من هنا وجدنا الفكر الديني يصب اهتمامه على ما بعد الموت، بينمانجد الفلسفة ركزت نشاطها على فهم الحياة واستثمار الطبيعة، وتحسين العيش وشروط الحياة، ذلك انها تبحث فيما هو معقول، أي محسوس ومدرك، وليس متخيلا.
اذن فإن المشكلة بين رجال الدين ورجال الفلسفة ليس في طبيعة الدين او الفلسفة ، فكلا الدين والفلسفة بعملان على توسيع افق المعرفة، انما يختلفان في الأرضية التي تقف عليها كل من الفلسفة والدين، فالدنيا والعالم لهاوسائلها واساليبها ومناهجها ومخرجاتها في البحث، وما بعد الموت لها اساليبها المختلفة، وبما ان احدهم لا ينفعه اسلوب الآخر في مجاله، لذلك يرفضة ويعاديه.
المشكلة قائمة في هذا الاشتباك ما بين الدين والفلسفة، فالفلاسفة يقولون أن الدين فلسفة بدائية قائمة على افتراض إله، والفكر الديني يتهم الفلسفة بالإلحاد واقتصارها على المادي المحسوس، وقلة هم الذين يرون المشهد على أن هناك مصباحان متقابلان على طرفي ساحة، ينير كل منهما الطرف الذي لا ينيره المصباح الآخر، ومن الخطأ أن نطفئ احد المصباحين أو كليهما معا .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: