المرأة نصفالمجتمع المستباح/ بقلم الشاعرة المصرية فابيولا بدوي

لا أتصور أنه بالإمكان تناول أي جانب غائب لم يناقش حول تبعات التحرش سواء على المستوى المعنوي أو الحياتي للضحية. لكن الأسلوب الغريب والمستهجن مسبقا الذي بتنا نتابعه عن عرض واقعة بعينها أو حتى مجرد الحديث حول مقترحات لمعاقبة المتحرش، هو ما يستوقفنا وصار مثيرا للأعصاب وغير مفهوم بالمرة بل أنه قد تخطى هذا بكثير ليغدو باعثا على اليأس في الوقت الذي يجب أن نتمسك فيه بمساحة تفاؤل تمكن من تخطي الصعاب، فالنظرة المتشددة والأفكار المنغلقة الوافدة علينا تجعلنا نشعر وكأن التصميم على تمريرها وترسيخها وهيمنتها أكبر من المنطق والعقل والفكر ويقفز فوق حاجتنا للأمان.

مثال صغير على ما نحن فيه، خلال الأسبوع الماضي أثناء مناقشتين على يومين مختلفين. الأولى خاصة باقتراح لنائبة بالمجلس لعقوبة رادعة للمتحرش أو المغتصب، والثانية لمناقشة حكم المحكمة الإدارية بالإسكندرية الذي قضى بإلزام السجل المدني تسجيل الطفل المولود بصرف النظر عما إذا كان نتاج زواج موثق أو عرفي. كلاهما موضوعان اجتماعيان ومناقشتهما من المفترض أن تدار من خلال قانونيين ومعنيين بالمرأة والطفل ويمكن أيضا الاستماع إلى وجهة نظر متخصصين في علم الاجتماع والطب النفسي، فلماذا اقحام الدين والمشايخ في هذه الموضوعات وجميعهم لا يتعاطفون لا مع النساء ولا حتى مع الطفولة في حال ارتبطت مشكلاتها بالمرأة. الأدهى هو استضافة من يطلق عليه الداعية السلفي ليدلي بدلوه في قضايانا الحياتية واشكالياتنا التي يتم السعي لحلها؟

والرد بأن هذا مجرد عرض للرأي والرأي الأخر لا يمكن تقبله، فجميعا نعرف تماما ما هي آراء الجماعات السلفية والمؤيدين لها ودعاتها والمروجين لأفكارها، لذا ما يحدث هو مهزلة بكل المقاييس لنشر الأفكار الهدامة سواء عن قصد أو بدون. ولو كان الأمر يسري على كل شيء فلنعرض أيضا آراء الإرهابيين كي يقارعون الحجة بالحجة ويعرضون علينا وجهة نظرهم في استباحة الدماء، وهو أمر جنوني مرفوض من الأساس في أي وسيلة إعلامية في كافة بلدان العالم، والحقيقة بهذه الكيفية لم نعد نعرف ما الفارق بين الإرهابي والمحرض على الإرهاب، أوبين الجاني وبين من يشرع له فعلته ويغلفها بتبريرات بإمكانها هدم هذا البلد أخلاقيا وحياتيا وأمنيا بطبيعة الحال.

فيما يخص التحرش والاغتصاب الشيوخ تنهال على النساء والفتيات اللاتي لا ترتدين الحجاب ويتم وصفهم بأبشع الصفات، واعتبار عدم ارتداء الحجاب هو السبب الرئيسي للتحرش والاغتصاب، مع الحرص على مناشدة كل أم محترمة أن تحصن ابنتها بالحجاب فور البلوغ إلى أخر ما باتت قنواتنا تعرضه من إسفاف وألفاظ لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تمر في برنامج يحظى بنسب مشاهدة عالية، فتسب وتهان الأمهات من خلاله لا لسبب سوى أنهن لم ترغمن بناتهن على ارتداء الحجاب.

الأمر الأعجب الذي لا يمكن فهمه هو ماذا على الفتيات القبطيات أن تفعلن؟ بالكيفية التي يتم عرضها ينبغي على كل المسلمات في مصر ارتداء الحجاب إلزاما كي تتميز عن القبطية. وفي حال لم يحدث هذا ما هو المطلوب كي يتم التمييز بين الأخيرة وبين المسلمة غير الملتزمة التي يراها الشيخ أنها بخروجها من غير حجاب تستبيح نفسها، هل الأفضل أن تضع القبطية علامة مميزة كي لا يحدث أي لبس في الطريق العام؟ ألا تعد مثل هذه الآراء الملتبسة دعوة لإثارة الفتن الطائفية والتمييز؟ هل يجوز بالقول بأن (كل فتاة ليست محجبة هي أشبه بقطعة اللحم المعروضة في الشارع ومن الطبيعي أن يلتف عليها الذباب)؟ منذ متى كانت هذه العبارات جزءا من حياتنا، وإذا ما كانت هناك شريحة عريضة من المجتمع تتلقاها بالاستهجان، فأن الإرهابي يتلقفها للتكفير والاستباحة وهدر الدماء، ألا تتخطى هذه الآراء التمييز إلى تبرير القتل وانتشار الإرهاب؟

عن موقع شموس

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: