حينما نحارب الظلامية الدسمة بالتيك أواي/ بقلم الشاعرة المصرية فابيولا بدوي / باريس

فابيولا بدوي
1 أغسطس 2017

لن نقول إن تجربة أكشاك الفتاوي بمحطات المترو هي أحد مظاهر ترسيخ الدولة الدينية‏,‏ ولن نري بأنها تهز هيبة المؤسسة الدينية‏,‏ ولن نجد فيها محاولة فاشلة وهزيلة‏.‏ فكل ذلك وأكثر منه قد قيل بالفعل‏.‏

أحد المسئولين عن بدايات التجربة يقول نصا: نحن موجودون لتوضيح الأمور من أجل التخلص من الأفكار المغلوطة عن الدين, لا سيما علي ضوء المجموعة الكبيرة من الأساطير والمعلومات الخاطئة التي يجري نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي, والقنوات الفضائية الدينية المرتبطة بمجموعات متشددة.

السؤال الجوهري هو لماذا تسربت مثل هذه الأفكار المغلوطة عن الدين إلي الأذهان, وأين كانت المؤسسة الدينية الكبري, وماذا فعلت للتصدي لها منذ بدايات انتشارها وتغلغلها في الأذهان, كيف تركت حتي استدعت فكرة الأكشاك السحرية؟ بصرف النظر عن الأساطير والمعلومات الخاطئة عبر شبكات التواصل أو القنوات الفضائية وما تبثه, فالإشكالية الحقيقية تكمن في نسيان المواطنين لعقود طويلة وتركهم نهبا للعبث والوهم والجهل وضلال العابثين, حتي فقدوا البوصلة تماما. فيما لو كان إيمانهم راسخا, والتفاصيل الأساسية المرتبطة بعقيدتهم واضحة, وحياتهم آمنة بما يجعلهم يميزون بين الحق البين والضلال البين, ما تحولوا إلي فريسة سهلة لكل مدع وأفاق وجاهل وانتهازي.

ربما كانت موضة أكشاك فتاوي المترو مقبولة, لو أنها انتشرت في الأحياء أو مناطق التجمعات والعشوائيات منذ عقود طويلة بالتزامن مع بدايات الفتنة والتشدد, لكن الآن وبعد كل المسافات التي قطعها هؤلاء وتم غض البصر عنهم عن عمد أو تقصير أو استهانة, فالفكرة كلها لا تتجاوز حد الادعاء بأن المؤسسة الدينية تتصدي للأفكار الإرهابية, وللحالة الظلامية المسيطرة علي عقول أعداد من المواطنين لا يستهان بها, فببساطة من وقع في براثن السلفية لن يتوجه إلي كشك الفتوي, فهل تستهدف المؤسسة الدينية المعتدلين؟.

والمسألة تتعدي كون الفكرة ساذجة, إلي كونها تصدر حالة من الإخفاق والتقصير والفشل في الوصول إلي الناس عبر المساجد والزوايا وشاشات الفضائيات وإعلام الدولة وشبكات التواصل الاجتماعي, وغيرهم من الوسائل التي تمكن المؤسسة الدينية من الوصول إلي المواطنين ومخاطبتهم بحسب مرحلتهم العمرية منذ الطفولة حتي الممات.

في كل البلدان التي سبقتنا في استخدام مترو الأنفاق, المحطات مخصصة للدعاية والاعلان, وتخصيص العائد في تطويرها رفع العبء ولو جزئيا عن كاهل الدولة, أما لدينا فتحولت إلي حالة عجيبة للوعظ والإرشاد وتبرير ذلك بأنها وسيلة يمكن أن تنقذ من الانغلاق والوقوع في براثن الفتاوي المغلوطة, التي هي منتشرة وبعلم المؤسسة الدينية في المدارس والمناهج والشوارع وكافة الأحياء الزاخرة بالسكان.

للأسف جربنا من قبل منطق المزايدات منذ الرئيس المؤمن, مرورا بالجرعات المكثفة في تليفزيون الدولة حتي نغدو دولة العلم والايمان, مرورا بترك الجماعة المحظورة ترعي فسادا في العقول, نهاية بأكشاك المترو وفتاوي التيك آوي. أنه المنطق نفسه وذات العقلية التي لا تعرف سوي المزايدة بالمظهر والقشرة, والأدهي تقليد الآخر. فكما يتسرب هو إلي الأذهان بتنا نتسرب نحن أيضا, مع الوضع في الاعتبار أن هذا الآخر بحكم التجربة والممارسة والوقت بات يمتلك أساليب أكثر مهارة.

في هذه المباراة المزعومة التي تفتقر تماما إلي الموهبة البحثية الجدلية العقلانية القادرة علي التوصل إلي أسباب الداء والتوقف أمام حلول منطقية لعلاجه, لا يعني فريق الأكشاك فيما يبدو أن يكون الفائز بقدر ما يعنيه أن يوهمنا أنه يستجيب لنداءات قيادة الدولة, ولو كان هذا صحيحا فربما كان الاجدي أن يجلس في مؤسسته متحصنا بعلمه لتنقية وتجديد التراث والمناهج لإنقاذ الصغار والشباب, ومواجهة الإرهاب والعنف والتشدد في معركة هو الأقدر علي إدارة دفتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: