في مديح العزلة* بقلم/ خديجة مكي آل جويل ( السعودية )

.قيل قديمًا:
*(نصف الراحة في العزلة عن الناس)،* وقد يراها البعض الراحة كلّها وليس نصفها.
ويقول دستويفسكي:
*(العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام العقل).*
وإذا وقف أمام عقله بدأ في هذه الحال أعاد كلّ حسابات الماضي.

وإنّ أيّ شخص يعتزل الناس فلا بُدّ له من الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين للولوج إلى فضاء أوسع والوقوف على أشياء لم تتحقّق بعد.
حيث إنه في اعتزال الناس يجد الإنسان راحته النفسية والانسجام مع ذاته وتجديد نشاطه وطاقته النفسية والفكرية بشكل أوسع بعيدًا عن صخب الحياة ومشاكلها التي لا تنتهي.

فالعزلة لبعض الوقت عن الناس يجنّبنا الكثير من تفاهات الآخرين، مثل: الغيبة، والنميمة، والقيل والقال، وكثرة السؤال، والفتن، وسوء الظنّ بالناس.
وفي الوقت ذاته يبعدنا عن الخوض في أعراض الآخرين ومشاكلهم والتدخل في خصوصياتهم التي لا ينبغي لنا الخوض فيها.

كما أنّ الاعتزال عن الآخرين يعطينا فرصة لمحاسبة أنفسنا في تقصيرنا مع الله عزّ وجلّ فنقترب منه أكثر وذلك بتخصيص وقت لقراءة القرآن الكريم والتدبّر في آياته ومعانيها والتوقف عند أوامره ونواهيه بشكل أوسع.
كما نتأمل في آياته وعظمته وتخصيص وقت للتدبّر والحفظ.

والعزلة غير محدّدة بعمر أو شخص دون آخر، فهي عن الناس تتيح لنا قراءة بعض الكتب الدينية والثقافية والتاريخية حتى نكتسب ثقافات أكثر ونستفيد منها في حياتنا وخبراتنا ومهاراتنا على نطاق فكري أوسع.

وإذا قيل إنّ: (العزلة هي بيت سلام) ففي الاعتزال عن الناس ولو بعض الوقت يتيح لنا التفرغ لممارسة بعض الهوايات التي قد أهملناها منذ زمن بعيد ولم نعد نمارسها كالسّابق، مثل الرسم أو النحت أو الرسم على الزجاج أو ممارسة الكتابة والقراءة ونظم الشعر والعزف على الآلات الموسيقية وكذلك سماع الموسيقى الكلاسيكية وغيرها.

نحن لا نحثّ على الاعتزال بشكل دائم؛ لأن لا أحد يستطيع ذلك بشكل مستمر، حيث إنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه.

فلا أحد يقدر أن يستغني عن المجتمع والناس، ولكن نقصد بالعزلة لبعض الوقت فقط.
ولكن يبقى لكلّ شيء وسطية، والاعتدال في كلّ شيء واجب، فكما هو الحال يحتاج الجسم لراحة بأخذ إجازة سنوية، فالروح أيضًا بحاجة إلى راحة من ترّهات الحياة، فالنفس تتعب كما يتعب الجسم.

والصمت عن بعض البشر خير وراحة لنا ولقلوبنا، وقليل من العزلة خير وبركة لنفوسنا لتجديد نشاطنا ليكون أكثر فاعلية بعيدًا عن مشاكل الحياة ومتاعبها التي لا حدود لها أبدًا.

وكلٌّ منّا في هذا الوجود يأخذ سنويًّا إجازة لمدة شهر يكون فيها بعيدًا عن العمل والناس وصخب الحياة، وهذا دليل على أنّ الإنسان مهيأ ليأخذ الإجازة ليريح جسمه وروحه من تعب عام كامل.
_________
منتدى النورس الثقافي الدولي.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

تعليق واحد

  1. احسنت…
    انا اعتزلت لمدة ١٩ يوما متواصلا مع الصيام عن الطعام والشراب صوما لله
    وجدتني إنسانا أخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: