في مسألة الفساد/ بقلم : سعادة أبو عراق

ثالثا- الفساد في العالم العربي

ما ذكرناه آنفا كلاما عاما، ينطبق نظريا على جميع الأمم والشعوب، لكن شعوبنا العربية ودولنا قريبة التكوين والتاريخ السياسي وانظمة الحكم , وبالتالي تستطيع بان تجملها جميعها في رؤية واحدة وحكم واحد
اولا:
كانت معظم ما يسمى بالدول العربية تابعة للدولة العثمانية، بمعنى ان ولاية الأمر كانت للسلطان العثماني الذي كان يرسل الولاة إلى جميع الأقطار العربية، وكان الوالي العثماني مقره في المدن الرئيسية بينما القرى والأرياف والبادية كانت تدير شؤونا بنفسها حسب العادات والتقاليد والعرف والقضاء العشائري، وليس لهم إلا ان يدفعوا الضرائب من الغلال لمتعهد بنتدبه الباب العالي يسمى (تحصيل دار)، إذن لم يكن لديهم فكرة عن المواطنة ومفهوم المجتمع والتكافل او يتمتعون يحقوق التعليم والصحة والأمن والتنمية، بل كان المواطن يدفع الضريبة دون ان يحصل على شيء, فكان (التحصيل دار) هو رمز الفساد، فهو حينما كان يدفع للدولة في استنبول مثلا خمسة آلاف ليرة ذهبا فإنه يجمع خمسة عشر الف ليرة, ولقد تكوَّن بسبب هذه الإدارة عائلات اقطاعية بنت ثروتها من هذا الفساد، وبناء علية اصبحت الرشوة والسمسرة وشراء الوظائف والتزلف للحاكم، امرا مقبولا، كما أصبح الغزو قيمة مجتمعية لا يمارسه إلا الشجعان, وخاصة ان يد الدولة لا تطوله، بمعنى أن الفساد معترف به كسلوك سياسي واجتماعي، في الطبقة الحاكمة والمجتمع,
ثانيا:
كان من نتائج الحرب العالمية الأولى ان تم الإستيلاء على ما يسمى تركة الرجل المريص، والمقصود بها البلاد العربية الآن، وقام بقسمتها سايكس وبيكو، وتقطيع البلاد العربية كما نقطع صينية الهريسة او الذبيحة، دونما مقاومة مناسبة لهذه الهيمنة الإستعمارية، لأن أحدا من الشعوب العربية لا يعرف ما معنى الدولة والوطن، لذلك بداية كانت الشعوب العربية متفاجئة مذهولة خاضعة لجنود بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عوضا عن الوالي التركي، ربما أنها لم تجد فرقا بين الوالي التركي والمندوب السامي، ووجدنا من بعض الواعين حركات ثورية إلا انا كانت محدودة الأثر.

ثالثا
شكلت حكومات الإنتداب البريطاني والفرنسي والإيطالي دويلات محلية مهمتها مساعدة الدول الإستعمارية في تفصيلات الإدارة ، فعينوا انظمة حكم ملكية في الدول التابعة لبريطانيا وجمهورية في بعض دول اخرى كلبنان وسوريا، ولم يكن للشعب في هذه البلاد رأي في الحكام والحكومات المختلقة ، فالمستعمر هو الذي اصطفاهم ليكونوا يده التي تحكم، وما عليه سوى ان ينفذ ما يملى عليه.
هذه الحكومات كانت ككل الحكومات بحاجة إلى موظفين، وشرطة وجنود، وهنا بدات تستقطب موظفيها من العشائر والمواطنين، كنوع من رشوتها واشراكها في الحكم، وأصبح الحصول على وظيفة مكسبا عظيما لها، وكان الموظفون يأخذون الرشاوي كتعويض عن قلة الراتب، ووالحكومات تغض الطرف عن سلوك موظفيها الفاسدين، دعما لإشاعة وترسيخ الفساد، وابتزاز الشعب بدلا من أن تصرف من الميزانية، وكان في اذهان المستعمرين كسب ولاء هذه العشائر او المناطق على حساب غيرها من المواطنين، هنا ترسخت النخب السياسية واصبحت بعض العائلات ذات ثراء كبير كما كان ( التحصيل دار)، وبسبب إطلاعها على توجهات السياسة، ومخططات المشاريع والعطاءات – وبرغم تواضع الإمكانيات – استطاعوا ان يستأثروا بالإمتبازات لأنهم أصبحوا هم اصحاب القرار وترسخوا كطبقة حاكمة، وتفردت هذه العائلات او العشائر بالقرار، وهذا اخرجها من دائرة المحاسبة، وهنا تأسس الفساد أيضا
رابعا
لم تتشكل هذه المرحلة من وراء الكواليس ، بل تحت أعين الناس وبصيرتهم، لذلك كانت الانتقادات توجه للتجاوزات التي يقترفونها والبيروفراطية التي يمارسونها، والطبقة الأرستوقراطية التي بدأت تنشا، عندها اصبحت تكشر عن أنيابها بالأجهزة البوليسية والمخابرات وتقديس الحكام وجعلهم فوق الشبهات، واختطفت المخابرات دور الحاكم، وهنا كما يقولون الثقة المطلقة مفسدة مطلفة، إذ لم تقف مسئولياتهم عند حدود حفظ النظام والأمن وحماية السلطة بل ذهبت مسئوليتهم إلى الفكر والفن ومنع الأحزاب والتفكير والكلام في السياسة بمعنى تزع الوعي من الشعب، وتحديد مشتوى وطنيتهم بمقدار الهتافات والولاء، وان الولاء ماهو الشهادة المعتمدة للتوظيف والترقية والتقرب من النخبة الحاكمة، وهذا هو الفساد
خامسا :
ان هذه الحكومات لم تخلق مفهوما للوطن، حيث لم بفهموا معنى الوطن تحت الهيمنة العثمانية، فرعايا هذه الدول ظلوا كما كانوا في ظل الدولة العثمانية، فلم تول هذه الحكومات شعوبها ما يشعرهم بانهم مواطنون، بل كأنهم في مزرعة اقطاعي، علبهم ام يخلصوا الولاء والدعاء للحاكم ويشكروا فضله وقيادته الحكيمة ، ولم تكن في قواميسهم قيم العدل والمساواة والرقي والتقدم ، وهنا بقيت كل الشعوب العربية على عشائريتها، ومناطقيتها واصولها الإثنية وطوائفها الدينية، ولم ينصهروا في وطن واحد، وبالطبع اصبحت كل مجموعة تتكتل لاكتساب المغانم والمنافع على حساب الغير وهذا هو الفساد
سادسا
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج بريطانيا وفرنسا منهكة عاجزة عن الصرف على مستعمراتها، استولت عليها الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن حكامها الذين وضعتهم بريطانيا وضمنت اخلاصهم وولاءهم، كان لا بد لأمريكا ان تستبدلهم بآخرين تدربهم وتضمن ولاءهم لها، وبما ان معظمهم الأنظمة ملكية ليس فيها انتخاب ، فراحت تساعد مجموعات الضباط للقفز على السلطة، وتغيير الملكيات إلى جمهوريات، ولقد شهدنا في الدولة الواحدة اكثر من انقلاب، ولكن حوهر الحكم في الدول الإنقلابية الجديدة التابعة لأمريكا، لم تختلف عن الدول الملكية التابعة لبريطانيا، فهم رؤساء إلى الأبد يورثون الحكم لأبناءهم واحفادهم، الذبن كانوا يمارسون السلطة في وجود آبائهم كأطفال مدللين، وليسوا كسياسيين وكانت النتيجة كما يلي
1 ) فساد اداري ويتمثل في نعيين جماعات معية وإبعاد جماعات اخرى مما يخلق صراعات خفية اجتماعية بسبب حظوة جماعة دون اخرى، فالجماعة المقربة تشعر بأرستقراطيتها بينما الآخرين يشعرون بالتهميش لذلك يكون هذا دافعا لعدم الإكتراث
2) التعامل مع الأحزاب السياسية لا كشركاء في العمل ، انما كمجموعات معادية، لذلك ازدهرت الأحزاب الحكومية إي الموالية، بينما دول اخرى منعت الأحزاب تماما، وأخرى مولت الأحزاب الدينية، ودول اخرى رفعت شعار ( من تحزب خان)
3 ) فرض السياسين أنفسهم على مجالس الشركات والبنوك والجامعات ليتقاضوا رواتب كخبراء في امور لا خبرة لهم بها، او شركاء في مؤسسات كنوع من السلبطة والإستقواء على ثروة المواطنين
4 ) إفساد التعليم بمعنى عدم تطويره ليحايث العصر
5 ) افساد الحياة البرلمانية
6 ) افساد القضاء
7 ) افساد الفكر، والحياة الثقافية والعلمية والسياسية
8 ) ترهيب الناس بوحشية القبضة البولبسية

سابعا
ظاهرة الأسلمة التي لم تكن لها مبرر سياسي او حضاري او اجتماعي او ثقافي او ديني او تحرري. فقد كان مشروعها رجعيا بامتياز وخاصة في النقاط التالية
1) لم يكن في مخططهم ازاحة الحكم الإستعماري، والمشروع الصهيوني في فلسطين انما استلام الحكم
2) تدعوا للانتماء إلى الامة الإسلامية وليس لوطن او قومية او انسانية ، مما جعل الإسلاميين مغيبين عن اوطانهم، ورأيناهم فرحون جدا بهزيمة الجيوش العربية عام 67 نكاية بدول الطواغيت، فجماعات كهذه مستعدة ان تمارس الفساد في اوطانها وتوقع الضر على مواطنيها المسلمين اما غير المسلمين، فإباجة قتلهم وسبيهم فإنه متطلب ديني
3 ) تجهيل الشعب باشاعة الغيبيات والإبتعاد عن مفاهيم الدين الصحيح، ودفع الناس الى الدعاء والطلب منه الرزق والمال والصحة والشفاء بدلا من ان يطلبوا من الدولة ايجاد الوظائف والمدارس والمستشفيات والأمن الوطني
3 ) ان الشعب الجاهل الذي يعيش حلم الدولة العمرية، لا يدرك ان السكان يتضاعفون هندسيا بمعنى ان الزوجين يصبحون ستة بعد عشلا سنوات والجيل الثاني يصبحون 50، ووجدناهم اقاموا الدنيا واقعدوها حينما طرحت فكرة تنظيم النسل، فهم لا يفكرون بتوفير متطلبات الشعب، ذلك ان الله متكفل بأكلهم وشربهم وملبشهم ومدارسهم ومستشفياتهم وسكنهم وطرقاتهم وكهربائهم ، إن تقنية الإهمال ادت إلى تراكم الأزمات التي نشهدها،

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: