قرأت لكم : ديوان ( خرير العيون ) للشاعر زهير الهويمل

كتب : كمال محمود علي اليماني
( عدن )

الديوان من إصدارات اتحاد أدباء وكتاب الجنوب للعام المنصرم 2022م، ويقع في 105 صفحة من المقاس المتوسط ، ويضم بي غلافيه 46 نصا شعريا منها26 قصيدة، و20قطعة شعرية .
وغلاف الديوان الأمامي باعتباره العتبة الأولى التي نلج منها إلى الديوان طغى عليه اللون الأسود فيما عدا التجنيس واسم الشاعر واسم الديوان ؛ إذ جاءت كلها باللون الأبيض ، وكأنها صورة الأمل والإشعاع في دجى القصائد . ظهر في السواد الطاغي ذاك وجهان، أحدهما أنثوي والآخر ذكوري، والوجهان لم يكونا متضحي الملامح لطغيان السواد. كانت النظرات متجهة إلى الأمام في إيماءة إلى التشوق وتشوف المستقبل . والديوان اتسم بالهندسة البنائية العمودية للنصوص كلها. وكل نصوصه ذات نفس رومانسي نرجسي في الغالب وبنبرة حزينة . هذا ماأخبرنا به الغلاف ، وما تضافر على إظهاره أيضا العنوان ذاته باعتباره عتبة خارجية ، ليس هذا فحسب بل إن الإهداء يطل علينا مؤكدا نظرة الشاعر الرومانسية في إضمامة شعرية يقول فيها:
إليك وأنت تغزلين الشوق
لحناً في فمي
وترسمين النبضَ
في واحات الحنين
وتعزفين الشعر
خريراً من عيون.
وبالرجوع إلى نصوص الديوان نجد أن النص التاسع ترتيبا حمل ذات العنوان ( خرير العيون)، أوقل إن الديوان هو من حمل عنوان النص.
والنص التاسع هذا هو عبارة عن قصيدة رومانسية ذاتية رويّها ياء النسبة، فمن اول بيت فيها وحتى آخر بيت نجد ياء النسبة هذه هي المسطرة( بناني، لساني، حصاني، جناني ، مكاني .. الخ).
وجاء ذكر العنوان في ذات القصيدة في قوله:
خريرٌ من عيون العشقِ يجري
فما سكري وماصحوي رواني.
فالشاعر يقدم قصائده على أنها خرير من عيون عشقه وهواه، وبالرجوع إلى المعجم الدلالي لعناوين الديوان يتأكد لنا النفس الرومانسي الذي سرى في نصوص الديوان من الغلاف إلى الغلاف، حيث نجد:
قنديل الحنين، خجل الغروب، أنشودة الهوى، صمت الكلام، أطلال، سني العشق، شدو الحسان ، التياع، ذكرى وغيرها. ولقد حانت منه ( أقصد الشاعر) التفاتات إلى مواضيع أخرى سياسية وإنسانية ، كما في قصائده( قدساه،الغريق الحي، صرخة طفل، رمضان، قل للمعلم، في ذكرى مولده عليه الصلاة والسلام، عيدي، وآخرا ً قصيدةً في السودان )، غير أن تلك النصوص لم تغير من الجو العام الذي سيطر على نصوص الديوان المتسمة بالرومانسية الذاتية؛ إذ أن لياء النسبة حضورها الطاغي على معظم نصوص الديوان.
ولعل رومانسية النصوص قد ألزمت الشاعر زهير الهويمل انتقاء مفردات سهلة وسلسة تقوى على أن تمتلك قلب القارىء بكل يسر، وهي مفردات لاتتطلب معاجم ولاهوامش للشرح ، ولهذا فهي تجد طريقها سالكا إلى وجدان القارىْ، ولكن هذه السهولة تحمل في طياتها جماليات تجبر القارىء الحصيف على أن يقف متأملا منثوراتها الزاهية في نواحي الديوان من الغلاف إلى الغلاف، فالديوان يزخر بالانزياحات الدلالية ( خرق المعنى المتعارف عليه ) ، والانزياحات التركيبية( خرق الترتيب النحوي الجملة)، ومن الانزياحات الدلالية التي وردت في الديوان نختار:

*كفكف بمنديل الحنين وصالا.
*مازال عطر الود يرسم وردةً.
*وأغرس في الدجى أفنان صبحي.
*خشع القصيد على فراقك حائراً.
ومن الانزياحات التركيبية، قوله:

*أسقيك من نهر المحبة أنهرا.
*من نصف قوسٍ رمت سهماً إلى خجلي.
*وأسرج من حروف الشعر صبّي.

وما اكثر الانزياحات الدلالية التركيبية في البيت الواحد، كقوله:

*منك استمد الهوى أسرار نشوته.
*فيك استظل الجوى عينين تغويني.
*تنير بهيم الليل سفرةُ وجهه.

ولقد عمد الشاعر إلى استخدام التكرار في نصوصه بشكل مكثف باعتبار أن التكرار ظاهرة أسلوبية فيها الكثير من الإيقاع الموسيقي ، وفيها أيضا تأكيد للمعنى، ولها تأثيرها على وجدان القارىء، وتكشف الحالة النفسية القلقة للشاعر.
أضع هاهنا نزرا يسيراً منها:

فيك اعتلى غصني….
فيك الهوى والعشق….
فيك استقى زرعي….
فيك التهى…..

وهو تكرار استهلالي عمد إليه الشاعر زهير الهويمل كثيرا في نصوصه، مثل:

تجري ليعنيك أنهارٌ بأوردتي
تجري لعينيك أسحارٌ بأزمنتي
تجري لعينيك اشعارٌ بأروقتي

أو قوله:
يانفس نوحي
ياعين درّي
ياجرح ليت

وبهذا نراه قد لجأ إلى التكرار بصوره المتعدة من حيث تكرار شبة الجملة ، وتكرار الفعل، وتكرار الحرف.
ولو أننا اتجهنا للبحث عن التناص في نصوص الديوان لوجدنا تناصات حاضرة
لأبيات وصور غائبة عدة ، منها:

*السيف أمضى واقوى حين تحمله( وقد ورد هذا التناص في قصيدته قدساه ، وهي قصيدة عارض فيها الشاعر باقتدار بائية أبي تمام)
* قالوا : البسيط لديه يبسط الأمل.
*بخيط الحق حصحص في جهات.
*فإذا المنية كشرت أنيابها.
*كمل الجمال من البحور فيا ترى.
*ولقد ذكرتك والهواجس ترتمي
*جوف المعلم كاد يقتله الظمأ . والماء يجري في ثراه سيولُ.

أما الحديث عن صوره الجميلة المنبثة هنا وهناك فذو شجون، فما أكثرها وما أجملها، منها:
*فأعود طفلاً كلما شاخ الهوى .. أحبو ، وأطلق في الشغاف غزالا.

*لاينبض الرمش في أهداب رعشتها…. إلا وينفث سراً فيّ يحييني
*إني امرؤٌ هشٌ تدك كيانه… نعلان تسقي الصب صوت ترنمِ
ينساب قرع الدف من خطواتها … فير اقص الساقين غير مدمدمِ.
* فاسأل بربك طير الشعر كم نسجت.. لحناً فطارت به ترنو تنتقل.

الغلاف الأخير حمل نبذة عن الشاعر ومؤلفاته الأدبية مشفوعة بصورة له .
وجدت متعة في قراءة نصوص الديوان ، وتعددت قراءاتي له مرات ، ولقد حملتني نصوصه إلى آفاق فسيحة من الخيال المفعم بالجمال، وأحسب أنكم ستجدون ذات المتعة حين قراءتكم لديوان ( خرير العيون ) للشاعر زهير الهويمل، فما قدمته لكم ليس إلا غيض من فيض.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: