كتلة الزئبق‏..‏ ولعبة توم وجيري/ بقلم الشاعرة المصرية فابيولا بدوي

 

 

علينا بداية أن نعترف دون أي ملامح لحزن يمكن أن تعتري وجوهنا بأننا بالفعل لم نعد بلدا‏,‏ ولا حتي شبه بلد‏,‏ ولا أي شيء من الأساس سوي مؤسسات زئبقية بامتياز‏,‏ وكل ما نفعله نحن هو محاولة الإمساك بها من أي طرف من أطرافها دون أي فائدة تذكر‏.‏

عندما يقال للنواب الكرام نجوم الفضائيات أنكم لا تعملون وما اجتماعاتكم المرفوض إذاعة بثها مباشرة إلا لتأييد الحكومة وتمرير القرارات التي تكسر رقاب العباد, يردون بسخرية أنهم نواب منتخبون من الشعب بانتخابات حرة نزيهة. نعم كانت انتخابات نزيهة ولكن لجانها خاوية, وناخبيها قابعون في منازلهم رفضا لهؤلاء النواب ولقائمة دعم مصر تحديدا, وهم أعلم منا بالأرقام ونسب الحضور والمشاركة, لكنهم يتمسكون بآليات الديمقراطية التي يسحقونها كل يوم تقريبا.
حينما تقدم أحد المحامين بدعوي طلب لرئيس الجمهورية لسحب الثقة من هذا البرلمان الهلامي, صرخوا مستنجدين بمواد الدستور الذي لا يحترمونه ويخترقون مواده بوجوه مكشوفة مع كل قرار وموافقة ومهادنة للحكومة.
حينما تغدو أساليب الحكومة غير دستورية, ويسلك البرلمان سلوكا غير دستوري, فالمواطن بالتبعية مجبر علي عدم احترام الدستور وبالتالي القوانين, فلماذا نهلل: لقد تفشي فينا الفساد وانتشرت الجريمة.
نحن نستدعي القوانين ومواد الدستور عند الرغبة, ونسحقها بأرجلنا وقتما نشاء, ونطالب المواطنين باحترام مؤسسات الدولة والالتزام بالقانون والدستور, فأي منطق هذا الذي نتصور أنه سيبني بلدا متماسكا قويا له إرادته وطبيعته المميزة؟
ومؤسسة الأزهر ليست بعيدة عن هذا النهج. فكلما جري الحديث عن الخرافات تشدقت بالعلم والدولة الحديثة والتطور الضروري للحياة, وإذا ما تحدثنا عن العلم وتجديد الفكر والأخذ بالأساليب والأسانيد العلمية, تحولت بقدرة قادر إلي سلفية سلطوية عنيدة تري في مثل هذا التطوير ضياعا لهيبتها وانتقاصا من صلاحياتها, فتأخذ علي الفور في الهجوم والسخرية من العلم والعلماء والمفكرين إلي درجة اتهامهم بازدراء الأديان. البرلمان والأزهر والحكومة والاعلام في بوتقة واحدة. فما هي المؤسسات التي تمكنت من الإفلات من كتلة الزئبق التي تحاصرنا الآن؟ لم يعد سوي المؤسستين أو الثلاث الأكبر في الدولة, وجميعهم في منأي عن الاحتكاك اليومي بالمواطن ويحتفظون بهيبتهم ومكانتهم لدي الجميع, أما فيما عدا ذلك فالكل يمارس لعبة( توم وجيري) مع المواطن والقانون والدستور والقيم والمبادئ المحددة لأي دولة من المفترض أن لها مكانا تحت شمس هذا العالم.
وعلي ذكر المبادئ, ما هي المبادئ الراسخة التي نرفعها وتحكمنا وتحرك خياراتنا ورويتنا حتي يمكننا القياس عليها. لو كنا نملك القلة القليلة منها ما هلل البعض لهذا( الترامب) الذي يحكم بعشوائية منقطعة النظير( وسنكرر, فيما عدا رئيس الدولة الذي يعرف متي يتقدم أو يتقهقر في علاقاته الخارجية بمعايير المصالح). أما الاعلام والبرلمان والمحللون ومن يطلق عليهم جزافا الخبراء بأي المعايير يتحيزون لترامب, بصرف النظر عن معيار النفاق الذي نعرفه ولا نقدره؟
وبنفس الكيفية سوف يعيدون العبارات ذاتها إذا ما فاز اليمين المتشدد في فرنسا أو ألمانيا ووجدوا علاقات طيبة تجمع بينه وبين الرئيس. أما الانغلاق والعنصرية وخرق المعاهدات وهدم الكيانات الموحدة فلا شأن لهم بها, وهذا لن نستنكره عليهم, فمادمنا نتصرف كردة فعل فقط ولا نمتلك أي معايير خاصة بنا, فلماذا استهجان اللعب علي كل الحبال؟
كيف يمكن لمواطن أن يعيش حياته بين مد وجذر ولا يعرف له مستقر؟ إن النظم والقوانين ودساتير البلاد واحترامهم من قبل مؤسسات الدولة, هو السبيل الوحيد لخلق مواطنة سليمة وعلاقة صحية بين المؤسسات والمواطن, أما اليوم فنحن ننتهج سياسة حدث ولا حرج.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: