أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق المقالة / كلامٌ في الصَّميم/بقلم الدكتور محمد القصاص

كلامٌ في الصَّميم/بقلم الدكتور محمد القصاص

 

اعتدتْ منذ نعومة أظفاري على حبِّ الوطن وحب الأرض التي درجت عليها ، مع أنني كنتُ قد نشأت في بيئة بدائية يعيش سكانها على الزراعة وجني الثمار ، حيث كانوا يقتاتون على ما تنتجه الأرض من المنتوجات الزراعية على اختلاف أنواعها ، وأكثرها وأوفرها هي مادة القمح التي كانت تشكل الأساس في معيشة الناس ، فكان قوتهم اليومي لا يتجاوز مادة الخبز المصنوع من الحنطة والذي لم نعد نرى له أثرا في هذه الأيام أبدا .
المجتمعات البدائية في بلاد الشام كلها متشابهة ، بل فقد كانت تتجانس في كل أمور الحياة ، لأن معظمهم يعيش على الزراعة واستغلال الأراضي الزراعية أيضا استغلالا بدائيا ، إذ أن معظم الأراضي كانت بعيدة جدا عن الريِّ وعن الموارد والمصادر المائية ، ولذلك لم يتأتَّى لمجتمعات بلاد الشام أن تستأثر بمحاصيل شتى ومتنوعة ، بل اكتفت بطبيعة الحال بالمنتوجات الزراعية التي كانت تعيش على المواسم الشتوية وكميات الأمطار ، وأهمها الحبوب بمختلف أنواعها وبعض الفواكه والخضروات الصيفية .
المجتمعات بطبيعتها ، كانت تعيش بصفاء ونقاء ومحبة ، إلا أنها في بعض الأحيان لم تكن تخلوا من بعض المنغِّصات ، وخاصة عندما تحدث مشاجرة ما بين طرفين ، حيث كانت تلك المشاجرات تأخذ طابعا عشائريا في كثير من الأحيان ، حيث يحتدُّ النزاع أحيانا ، ولكن حينما ينفلت زمام الأمور، فقد تقوم كلا العشيرتين بمحاولة الانتصار لنفسها ..
في معظم تلك الحالات ، كنت أسمع بعض الكبار من الناس يقول بيتا من الشعر النبطي ، الغاية منه إعطاء حقِّ الرد للعشيرة المُعْتَدى عليها على العدوان بالمثل ، يقول البيت : (قومن بلا جُهَّال ضاعتْ حقوقها … وقومنْ بلا عقال راحوا قطايع) …
سألت والدي (يرحمه الله) عن معنى البيت حيث كنت أجهل الغاية منه ، فقام بشرحه لي قائلا ، إن الشاعرَ قد عنى بهذا البيت أنَّ لكل عشيرة ضرورة بأن يتوفر لديها جهلة يقومون بالردِّ على العدوان دون أن يفكروا بتبعاتِ الأمر وما ينجم عنه من تفاقم للأمور ، ولكن من جهة أخرى فإن العشيرة التي لا يكون فيها عقلاء ، سوف تمضي وراءَ جهلها إلى أن تقع في شرِّ ما تقوم به من أعمال عدوانية لا فائدة منها .
تابعتُ الكثير من المسلسلات العربية ، فوجدت أن معظم الشعوب كانت هي الأخرى تعيش بنفس الأنماط المعيشية ، وتتشابه إلى حدٍّ كبير بنفس الظروف والعادات والتقاليد ، ولم أجد فارقا كبيرا ما بين شعوبنا العربية سواء في بلاد الشام أو في الخليج أو في أفريقيا.
ومع اختلاف جغرافيا المناطق في الوطن العربي ، فقد كان لذلك أثرا واضحا على نمط عادات وتقاليد الشعوب ، من حيث السبل المعيشية والزراعية واستغلال الموارد .. أما النزاعات والثارات التي تحدث أحيانا ما بين أبناء المجتمع الواحد ، فهي نفسها متشابهة في كل المناطق .
البساطة والأنماط المعيشية في تلك المجتمعات ، كان لها من الإيجابيات ما يجعلها محط احترام الجميع ، فقد كانت الطيبة والتسامح تطغى على كل أنماط حياتهم . كما كان هناك نظام الفزعات ، إذ يهرع الجميع لتقديم المساعدة والعون لكل من يحتاجها بغض النظر عن عشيرته وانتمائه ومذهبه . فعند جمع المحاصيل ، يهرع الكثير من الناس للمساعدة ، وعندما يقوم البعض ببناء بيت يهرع الجميع على شكل (عونه) من أجل المساعدة في تجهيز السقوف وصبها بالخرسانة .
أما في عصرنا الحاضر ، ومع النقلة الحضارية التي وصلنا إليها ، فقد أصبحت السلبية تطغى على كل علاقاتنا مع بعضنا البعض ، إذ لم نعد نرى بعضنا البعض إلا بالمناسبات أو في الحالات الطارئة ، بل فقد أصبحنا لا نعرف بعضنا البعض ، إلا بالاسم ، ولم يعد هناك أي نوع من التواصل إلا عن طريق الهاتف النقال .
تلك السلبية أخذت منا الكثير من القيم والعادات والأخلاق ، وأصبح كثير منا لا يؤمن بأي شيء من هذا القبيل . فبدل أن تقرب المدنية ما بيننا ، أراها وقد فرقتنا وأبعدتنا عن بعض ، وخاصة بعد نزوح معظم الأسر من الريف إلى المدينة ، بحثا عن الحضارة والمدنية ، مبتعدا بذلك عن الأرض التي ترعرع وتربى عليها ، تاركا وراءه إرثا اجتماعيا لا ترقى إليه كل مدنية حضارة الدنيا .
نحن نقترب كثيرا من حياة الغربيين الذين أصبحوا بلا أصول ولا علاقات ولا مجتمعات تضمهم في حضنها الدافيء . وأكاد أشكُّ بأن الأيام القادمة (وأظنها ليست ببعيدة) ستفضي فعلا إلى كارثة اجتماعية لا يمكن تجاهلها ، وستذوب المجتمعات في بوتقة الحضارة والمدنية الزائفة ، لتصبح نسيا منسيا .
أحببت أن أكتب عن هذا الموضوع ، ورغم بساطته إلا أنه من الأمور التي باتت تشغل بالي لأننا فوجئنا بالحضارة والمدنية تقتحم علينا حياتنا ، مع أننا لم ندرك مخاطرها ولا مساوئها ، وكان من الأولى أن نستفيد منها ، ونستغلها فيما يكون نافعا لنا ، ولكن وبكل أسف يبدو أننا استسلمنا للجوانب السلبية منها وأدرنا ظهورنا للجوانب الإيجابية .
وأنا اليوم جئت منبها من مغبة الاستمرار بهذا الانحدار البغيض ، حتى لا نفقد اتزاننا وقيمنا وننحدر في متاهات لا يمكن تجاهلها أو تفاديها بعد استفحالها ،،،
والله من وراء القصد ،،،

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: