فبراير 12, 2018

بابُ تُومَا ( الفصل الثاني) من رواية المثلث المقلوب للروائي الأردني محمد ارفيفان عوادين

أجواءُ بيتُ وليد يغمرُها الهدوء إلّا مِنَ المودّعين، الّذين آثروا على أنفسهم إلّا أن يكونوا ببيته في الحِلّ والتِرحال، ذلك العصر تقدم والدَهُ يرافقُه صديقُه العامِلُ على خطِ دمشق؛ليرافِقَهُما في رحلةٍ مليئة بتمنياتِ الوالدِ الحانيِ على مستقبل يكتنفه النجاح، لكن الأخرين أبوْا إلّا أنْ يكونوا في معيّته على مَدْرَجِ المطار.
سارتْ بِهم الحافلةُ بتروٍ وهدوء، عَبَرت حدودِ الرمثا إلى دمشقَ والحياةِ الجديدةِ، التي ستفتحُ أبوابَها في حياةٍ مبشرة بالخير، إلى شابٍ يرنو إلى امتلاك مؤهّلات جامعيّةٍ يكونُ فيها الابن الواعِدُ للأهلِ الصابرينَ على بُعدهِ، توقفتْ الحافِلةُ أمام الفندقِ، تَرجَّلَ وأصدقاؤُهُ، يحمِلهُ ثرى بلد مليءٍ بالجماليّات.
انعكسَ ذلك على هندسةِ الفندق بأقواسِه، وباحتِه، وحدائِقه الغنّاء، كانَ ذلكَ الساعةُ الخامسةَ والنصفِ مساءً، جلسَ الجميع في بهوِ الفندق ينالون قسطاً بعد عناء السفر اللذيذ.
فتقدم نحوَهم شابٌ باسمٌ في رَيْعان شبابه، امتلك لباقةَ الحديث واحترامَ الآخرين، وبحركةٍ متواضعةٍ عَرضَ عليهم خَدَماتِهِ من الشراب والطعام.
فأشاروا عليه بفناجين من القهوةِ للاسترخاء بعد عناء السفر، اتفق وليدُ وصديقاه (علي ومحمود) أنْ لا يخلدوا للنوم، بل يبقوا في يقظةٍ حتى الساعةَ الثالثةَ فجراً – موعد انطلاقِ الحافلة بهم إلى المطار الدولي بدمشق -. في تلك الفترة لفت انتباه وليد شابٌ عاملٌ بالفندق يقاربه عمراً، فأشار إليه بالجلوس بجانبهِ، استجابَ الشابُّ تعلو وجهَهُ ابتسامتةً عريضةً مع احترامٍ مفتعل، .. في خدمتك سيدي، قال هيثم، فردّ عليه وليد باسماً: سنمكث في دمشقَ “التاريخ والحضارةِ” سويعات قليلة لا تتجاوزُ أصابعَ اليدِ بعدها نذهب للمطارِ، لكننا لا نرغب بالنومِ في هذه اللّحظاتِ، هل لك أن تكونَ رفيقَنا ودَليلَنا، تُطْلِعُنا يا هيثم على أماكنَ جميلةٍ تحتضنها هذه المدينةِ العريقةِ، التي نتباهى في تاريخها الثقافيّ والتراثيّ، وافق هيثم على مرافقتهم في جولتهم، بعد انتهاء فترةِ عملهِ الساعة السابعةَ مساء،ابتسمَ الجميعُ لهذا الشاب الخَلوق الطّيب، وفرحوا على أنْ يُحضِرَ لهم إبريقَ شاي دمشقيٍّ مخلوطٍ بالنعناع الميدانيّ القادم من بساتين باب توما.
خَرَجوا برفقةِ الدليل السياحيِّ هيثم, على أنْ يعودوا إلى الفندقِ الساعةَ الواحدةَ فجراً، وفي تجْوالهم في شوارعِ دمشقَ أشَارَ عليهم هيثم بوجوبِ زيارةِ منطقةِ بابِ توما لمشاهدة مرافقها.
فرافقوه وما إنْ توقّف الجميع حتّى هَالَهُمُ المنظرُ المبهر، العابق برذاذِ الماضي العتيقِ، والحاضر التليدِ الّذي تواءَم بين فكر الماضي والتجديد، الّذي يكتنفه السّكون، العطرُ يَلُفُّ خيالَهم، فتأكد أنْ التاريخَ ما زال ينثُر عبيرَهُ في الأجواءِ الدمشقيّة، فَدمشق تعتبرُ مدينةً حضاريةً غنيةً بموروثاتِها نظراً لما تَدخِرُهُ وتَزْخَرُ بهِ من قلاعٍ، وحصونٍ، وحاراتٍ مُقنْطرَةٍ، لا تزالُ تحتفظ بعراقِتها، وتفاصيلِها الدقيقةِ، مما يجعلُها محطةً للسياحِ الّذين يرتشفون الماضي، وقفوا مبهورين لعظمة معالمها الأثريّة، وأحيائها الشعبية التي تركت بصماتها منذ آلافِ السنين, وما زالت تُثري الواقِعَ بالسيرةِ المتوارثة.
*
أمامَ أحدِ أحياءِ باب توما أخرجَ وليد مفكرته من جيبه، وبدأَ بكتابةِ ما يراهُ، بقلم (الباركر) النازف أنغاماً ووروداً, وثّق مِنْ عَبقِ حبْرهِ المعطّر تراتيلاً جماليّة، انعكست ذوقاً خَلَّاقاً في تصويرِ الكيانِ الوجدانيّ الدمشقيّ.
استرسل بنظرهِ متأملاً عَراقة الإرثِ، وامتداده الفسيح, وبيوته المتراصّة التي تُطِلُّ على الطرقات، والزواريب، والأزقة بحنايا وقناطِر تتلونُ بالحجرِ الأبيضِ والأسود.
*
استجمع وليدٌ مستذكراً ما قرأ سابقاً في كُتُبِ التاريخ، وسيرةِ باب توما وحصنها، كان يظنُ سابقاً أنّها قرية صغيرة، كباقي القُرى، متكاملة المعالِمِ والطرقاتِ الضيقة الملتوية، ومبانيها الطينيّة القديمة رفيعة الجمال، يَحُطُّ على جَنَباتِها طيبة الأهلِ والعطاءِ الموروث، لكنّه انبهرَ حين شهدَ باب توما، ومن يقصده من أفواج الزائرين والسّياح، الذين يدوّنون في مذكراتِهم التصاميمَ المعماريّةَ القديمة، التي تتميّز بها هندسةُ المعمار الدمشقيّ, التي وصلتْ حضاراتُه المعماريةُ إلى أرجاءِ العالمِ, وفجأةً في جولتنا شاهدنا أمامنا الحَمّامَ الدمشقي (حمام الشيخ رسلان)، الّذي رحب بالأهالي والزائرين، لما يُقدَمهُ من أصناف العنايةِ الفائقةِ من العاملين بِه، وهنا استَذكرتُ مدينةَ بادية الشامِ، التي تَورّدَت على خدودِها باقات من قصورِ بني أميةَ، في فترةٍ كان الخليفةُ يقضي أيّامَه بين غاباتِ بلاد الشامِ؛ ليقضيَ متعتهُ في صيد الغزلانِ وقَنْصِ الأسودِ.
وفي هذه القصور الأمويةِ، تُشاهدُ في بَهْوِ القَصْرِ أجملُ لوحاتِ الترفِ الجماليِ، والفنيّ الشامخِ لبني أميّة، وفي أحد أطراف القصْر يكونُ الحَمَّامُ الأمويّ حاضراً لمتعة الاستحمام، وبجماليّةِ عمرانِهِ، حيث قُصَيْرُ عَمْرَة, والحلّاباتُ, والحرَّانَةُ، شواهد الإرث الأموي كما في حَمَّامَاتِ دمشقَ شواهد التاريخ.
واستذكر هنا .. “وما أظنّ هذا الترابَ إلّا من ذاك الترابِ, جَمَعتْنا وِحْدَةُ الرؤى والوفاءِ والمحبة”.
بقيتُ وهيثم برفقةِ عامِلِ الحمام، يَشْرحُ لنا عن الحَمَّامِ وأقسامِهِ, استرسلَ بالحديثِ: إنَّ الحَمَّامَ يتألّفُ من ثلاثةِ أقسامٍ،”البَرّاني”، و”الوسطاني”، و”الجُوّاني”، فعند الدّخول من البابِ الرئيسيّ، تُطالِعُكَ بَحْرةٌ مزخرفةٌ ونافورةٌ, وإلى اليسارِ مصطبةٌ مفروشةٌ بالسجادِ، تصعد إليها بثلاثِ درجات .. وفي هذه الفُسْحة .. يخَلعُ المُغتسِلونَ ثيابَهم، وَيُزَوَّدونَ بالمناشفِ والقباقيب الخشبيّة. بعدها, يدخلُ المستحِمّونَ إلى الجُوَّاني، الّذي تنتشرُ فيه الأجْرانُ الحجريّةُ والطاساتُ النحاسيةُ، لتبدأ عمليةُ الاستحمام.
هالَةٌ من عَبقِ الماضي أذْهَلتْ وليد، حمَّامٌ بقناطرهِ، وحنايا تَعلوها غيمة ضبابيّة دافئة، أجلسته تحتها مُستَرخِياً، كأنّه في باديةِ الشامِ التي كانت مَأْمناً في الزمنِ الماضي لبني أميةَ، الذين حولوّها إلى قصور غناء أثناء رحلاتِ الصيد وما زالت نسائِمُ تاريخهم، تثري وطني بمعالمِ حضارةٍ مليئةٍ بلوحاتٍ تَضُمُّ أنواعَ الطيور والغزْلانِ، والآن حَلَّقَ قَوْسُ الماضي على باب توما، حيث أنا أتفكّر، وأعيدُ ذاكرةَ الأمسِ فيها, ذَرَفتْ أمّي دموعَها وداعاً لي، تَخَيّلتُها أمامي، وتَخيّلتُ الماضي، وكأنّني الوليد بن عبد الملك، أُعدُّ بصماتِهم على حَمَّامِ (باب توما)، بين العراقةِ والتراثِ والتاريخِ.
استحضرَني فيه هدوءُ المكانِ، وبوحُ العطاءِ، ورقّةُ الفؤاد، تُجاوِرُني في جَنَباتِه، أَرْخَيتُ عنان فكري في القادم غداً، كي يطرق باب فؤادي، بعيداً بعيداً إلى مستقبل واعد، وحضارة تعمّقت في مسامات قلبي، وأنا أعُدّ الجاهزيّة، كي أكون على تفاهم بين الماضي العريق والحاضر الجميل، الّذي شَممتُ عطره من صهيل الخالدٍ الذي تراءى بارقاً على أسوارِ(باب توما)، مُمْتَشِقاً حُسامَهُ إلى مكانٍ أخرَ، بحثَ عني وبحثتُ عنه.
في جَوٍّ غائمٍ من البخارِ، تنشر أشعةُ الشمسِ دفئها من القبابِ المغطاةِ بالزجاجِ الملّونِ، ورائحةُ صابونِ الغارِ الحلبي تفوحُ في أرجاء رُدُهات الحَمَّام، والصغار يتزحلقونَ على ألواحِ الرخام، وتعلو ضحكاتهم، لكنَّ صُراخَهم يَعلو عندما يُمدّدَهُم “المصوين” أو “المُكَيّس”، المتخصّص بفرك الجسم، بكيس الحمَّام الحلبيّ السّميك، المصنوع من ألياف طبيعيّة من شعر ذيلِ الخيولِ، وبعد الاغتسال يعودون إلى “الوِسطاني”، وهو عبارةٌ عن رُدُهاتٍ تُستعمَل لَفَردِ الجَسدِ والتدليك، وتستمدّ غرفُ الجوّاني المياه الباردةَ والساخنةَ من حوضِ الماءِ الحَجَريّ، من خلال أنابيب قرميديّة، تمتدّ داخلَ جدرانِ الحمَّام, ليَعُمَّ الدفءُ كلّ الأرجاء.
وبعد انتهاء حفلة الاستحمام, يعودُ المُستحّمُون إلى “البرّاني”، للجلوس في المصطبةِ اليمينيّة، ويشربونَ الشاي والزُّهُورات، وأثناء كلّ ذلك، عاد وليد بذاكرتِه إلى العصر الأمويِّ، الّذي كان له بقُصَيْرِ عمرةَ وحَمَّامه بالأردنّ امتداداً لخلفاءِ بني أميّةَ، ومنتجعاً لهم, حيثُ أُقيم من أجلِ الصيدِ كاستراحةٍ، واستجمامٍ، واسترخاءٍ, بعد متعةِ الصيدِ في الصحراءِ.
*

وبعد الانتهاء من الحمَّام، جَابَتْ أقدامُهم الحارة,لاحظَ وليد مراعاةُ كلّ الأمورِ الخَدَماتيّة في تخطيطِها وتنظيمِها، ضمنَ محيطها مثل المخابِز، والمياه، والخدماتِ، المهمّة في حياة السكان بالحارة، ونظراً لأهميّتها، أصْبَحتْ أحد المَعالمِ السياحيّةِ، التي تُنَظَّمُ إليها الرحلات، والأفواج السياحيةُ، كما شاهدَ ذلكَ بأُمِّ عينِه.
استمرّ وليدُ وَصَحْبُه في المسيرِ في هذا المكانِ الرائعِ، حيث تحتوي المنطقةُ مزاراتٍ سياحيةٍ: من كنائسَ، ومدارسَ، وحمَّاماتٍ تركيّةٍ، وخانَاتٍ، وملاجىءَ، إضافةً لحدائقَ وأماكنَ أثريّة.
كَمَا تحتوي على حاراتٍ صغيرةٍ مثل: (حارات الدحلانيّة، وزُقاقِ الجورة، وجَادّةِ باب توما، ومطعمْ حارتنا، والعازريّة، والقشلة، والقيشاني).
وهذه الحاراتُ عندما يَتَأَمّلَها الإنسانُ؛ يكتشفُ فنَّ العَمَارةِ في تصاميم بيوتها، حيثُ تمّ مراعاةُ أمورِ الإضاءةِ، والتهويةِ في التقسيماتِ الداخليةِ الصغيرةِ في البناء.
وبعد الانتهاءِ من الجولةِ في باب توما .. – الساعةَ الثانيةَ فجْراً – توجهنا للفندق، ومن هناكَ إلى مطارِ دمشقَ الدولي, عندها ودّعني علي ومحمود بعناقِ الأحبةِ، ودخلتُ قاعة المطار لانتظارِ الطائرةَ،”. وبعد قليلٍ أقلعت الطائرةُ باتّجاه لبنان”.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: