الى عرائش الياسمين ( من العبدلي حتى الحدود الاردنية السورية )

مذكرات مجنون .

بداية المشوار
****************
يكتبها : محمد صوالحة 

 

ها هي الساعة تشيرُ الى الرابعةِ عصراً … وأنا اتسكعُ في منطقةِ العبدلي ….وكلما هممتُ بالعودةِ للبيتِ أتذكرُ بأنَ سيدةَ البيتِ … بل سيدةُ الدنيا ليست به … ورياضُ القلبِ ورياحينه يرافقونها … وأنا قد وعدتها بأن ألحقَ بها … ولكن الوقتَ تأخر، لن أستطيع الوفاء بوعدي ، هي التي بوجودها استغني عن الدنيا وما احتوت لانها بلمسة يدها تخفف جرح الأيام الذي استقر في سويداء القلب … لأني أشتم من انفاسها عبير الجنة … وبلثم يدها أشعر بأني أعتلي عرش الكون ، بوجودها أنسى كل مآسي القلب وعذابات الروح … أُتابع تسكعي لعلي ألمحُ وجهاً جديداً أجدُ فيه شيئاً من الفرحِ الذي قد يريحني من نتنِ الشرِ الساكنِ في اعماقِ تلك المرأة او تلك الأفعى التي ابتلاني بها القدر عندما جعلها شريكةً لفراشي . أودُ الفرار من هذا المدينة التي تحتويها ، أبحثُ في مداخلِ العبدلي عن وجه أرى في ملامحِه الى ما يشير الى استمرارية الحياة التي كنت قد شعرت في لحظة ما أنها القتني في جهنم وتوقفت ، أبحث ولا أجد الا وجوها قد بعثر ملامحها تعب الايام ، ورسم الفقر خطوطه على تلك الوجوه المسكينة والتي عفرها الزمن بغباره ، يوقظني من أحزاني صوت أحدهم ينادي ” الشام .. شام شام ” أسير باتجاهه وقلبي يقفز فرحاً … قليل من الوقت وأُسطر في سجل أيامي لحظات مختلفة عن الروتين الممل الذي ملكني طوال ما مضى من العمر باستثناء تلك الرحلة الى ديار ليلى العامرية ، سويعات قليلة وأضيف الى هذا السجل رحيلٌ جديد ومختلفٌ عن كل رحيل … رحيلٌ جديد وبحث جديد ، هذه المرة لا أبحث عن شيء الا الجمال … وطالما سمعت أن في الشام موطن الجمال … ليس الشام موطن الجمال فحسب بل وموطن التاريخ ، سويعات ، وتدخل البوم حياتي صورا جديدة لم يشملها الألبوم القديم … سأرى وجوها تختلف بالتأكيد عن الوجوه التي قد تعبت من كثرة رؤيتها … وجوه قد اعتدتُ عبوسها … ولطالما استغربتُ ارتسام الابتسام على تلك الشفاه التي قد يبستها الأيام … سويعات ويدخل حياتي ليل جديد يختلف عن كل الليالي السابقة … ليالي عمان الداكنة … ليل قد يتجدد فيه الحلم ، غداً صبح جديد فيه الكثير من الأحلام والأمنيات … ان تحقق ذلك فلن أعود ثانية ، يهتف بداخلي شيطاني الحبيب وعمان … معشوقتك وحبيبتك ، هي التي من أجلها قد تقلبت على جمر الحياة وصبرت تتركها لمن ؟ عمان يا عزيزي للحيتان … لأصحاب الجوازات المتعددة للمعفيين من خدمة الوطن … للذين اذا نادى مناديه فروا لأوطانهم البديلة وتخلوا عنها !!، يخاطبني من جديد عمان ليست كذلك ! ارد منحت عمان الروح والحياة … عشقت عمان حتى ذبت فيها ولكن ماذا وهبتني عمان ؟ يا عزيزي ” لا تنتظر أن تحملك عمان بل انت من سيحملها وينشد باسمها ” انا لا أطلب منها أكثر من أن تمنحني انسانيتي .. وتحافظ على حقوقي فيها … تحافظ على كرامتي ولا يستبيحني فيها ابناء الليل ، عمان ليست لامثالي … عمان وطن للجميع الا عشاقها وابنائها .
اصل صاحب الصوت الجهوري وأسأله :
  *متى ستنطلق الرحلة
** ويجيب :عندما يكتمل عدد الركاب
 *وكم بقي حتى يكتمل ؟
**يرد: راكبان .
حسنا اعتبر العدد اكتمل وهيا لننطلق .
*كم نحتاج من الوقت للوصول الى الشام ؟.

**ينظر اليّ مبتسماً من أربع الى خمس ساعات .

*توكلنا على الله .

اتخذ من المقعد لامامي مقعداً لي … تسير المركبة وتجتاز ميدان جمال عبد الناصر (دوار الداخلية) ، أحلم … كيف سأدخلها ؟ وقد سمعت من كثير ممن أعرفهم بأنها بلد الرشاوي ، وبنات الليل فيها يملأن الشوارع … أخشى على نفسي من مثل هكذا رحلة وخاصة انه لم يخطط لها ولكنها ابنة الصدفة المحضة … تراودني نفسي على العودة وعدم المتابعة ، ولكن العناد سيطر عليّ رغم خوفي .

أسمع أصواتاً شفافة تهمس خلفي .. تطربني تلك الضحكات الندية التي تأتيني من الخلف ، أشعل سيجارتي ” الفيلادلفيا”.

انظر الى المقعد الخلفي بعد ان سمعت صوتاً خافتا يداعب اذني … ياه ثلاث وردات زرعن فيه لا بل ثلاث شموس اضاءنه وتسلل نورها الي … نور  غمر  روحي  وقلبي … آآآآه فالرحلة عرفت منذ بدايتها وكما يقولون ” الكتاب يُعرف من عنوانه ” يعلو الفرح بداخلي ويزغرد … نشوة غريبة تجتاحني … سعادة لم أتذوقها من قبل تغرقني ، نتفق جميعا على عدم التدخين في السيارة ، ابتسم وانا انظر اليهن واردد في داخلي ، كم هي ملعونة حواء ، كيف لي ان ابتعد عن رفيقة ايامي وانيسة سهري وصديقتي التي نشأت معي منذ طفولتي ؟.
كيف استطاعت حواء الداهية أن تبعدني عن سيجارتي ؟.
لكنه الجمال الساحر … إنها زقزقة والعصافير وغناء العنادل وهكذا انا لا أقاوم الجمال … لا أقاوم النساء واضحي بكل شيء في سبيلهن . هن وحدهن القادرات على ان يجعلن الواحد منا يلقي بنفسه الى التهلكة في سبيل الاقتراب منهن ، وما أن وصلنا الى منطقة البقعة حتى كان اتفاقنا يتطاير مثل دخان سجائر ، ونشعل سجائرنا وشادية ترحل بي على أجنحة اغنيتها ” يومين واسافر يمكن الاقي الصبر ف سكتي … يمكن الاقي الراحة ف غربتي … يومين واسافر .
يا إلهي المركبة تبتلع المسافة وتدوس الطريق بكل جبروت والدرب صامد يكتم آنينه بداخله ويصبر دون أن يظهر على ملامحه التأثر بالعجلات وظلمها … الوقت يسبير والمسافة تدنو وقبل ان نصل الحدود الفاصلة بين الجفن والرمش تقف السيارة بجانب احدى الاستراحات ويقول السائق: من اراد تبديل النقود فليتفضل .
ونزلت من السيارة وقبل ذلك سألته :الا يمكننا التبديل من الشام :

قال :بالعكس ولكن قد نتأخر بالوصول ويطول البحث عن مكتب للصرافة بهذا الليل … دخلت الاستراحة وبدلت ما قيمته واحد وعشرين الفا وثلاثماية ليرة سورية اي مايعادل ثلاثماية دينار اردني ، وابتعت علبتين من سجائر ” المارلبورو” ليس حباً ولكن لأتماشى مع شموس المقعد الخلفي … آآه كم تمنيت أن أجلس بين تلك الورود … اتنفس شذى عطرهن … واتأمل سحر انوثتهن… كنت اتمنى استنشاق عبيرهن وأن لا يخرج من داخلي ابداً … آه بالكاد مضت ساعة من الزمن … لم نغادر بعد الارض الحبيبة والتي ارغب بالرحيل عنها حتى شعرت بلذة الحياة … أحسست بقيمتها وتذوقت طعمها الغريب … انهن يتحدثن بدون تردد … ويلقين بالنكات … وتسمع ضحكاتهن كمعزوفة فرح تنبع من القلب … ومنذ ان عدت من الاستراحة الى المركبة لم التفت الى الأمام ، لم تعد تهمني الطريق … كان شدوهن يجبرني على الإلتفات الى الخلف بالرغم من تعب رقبتي … اتأمل ابتسامة ساحرة ترتسم على وجه الأولى… واتابع حركة الشفاه الرقيقة والتي تفوح عطراً .. اه كم هو ساحر ذلك اللون الذي يغطي شفاه الثانية … اتابع انفتاح تلك الشفاه واغلاقها , اتمعن في غمازين صنعا لخدود الوردة الثالثة تلك الوردة التي يميل لونها للسمرة هي التي لفتت انتباهي … اتأملها بشغف قاتل … انتظر ان استمع لكلماتها … اسمع ترنيمة صوتها … انتظر حتى أصبح ذلك حلما يسعدني تحقيقه … وبدون مقدمات تفاجئني بكلماتها … بماذا تفكر يا أخي؟ … صعقتني بكلماتها … اي آخ انا … يمكنني ان أكون اي شيء في الدنيا الا الأخ … عفواً … ولشدة ما كررت كلمة عفواً وعذراً … ولو سمحت … قالت لي: هل انت شاعر .؟.
. فأنكرت ذلك لأنني لم أكن قد عثرت على خطواتي في درب الجنون بعد …
فقلت :يعني … تقريبا .
انتظر الان صمتها الساحر … وما ان صمتت حتى بادرتهن هل يمكن ان نقطع كل هذه المسافة دون ان نتعرف على بعضنا ؟.وبدأت باسمي أنا ولا ادري مالذي دفعني للكذب فقلت انا اسمي لوتس صوالحة ولم اكن اعرف انهن على درجة عالية من الثقافة وانهن شابات أديبات وان كن مغمورات؟
فقالت الأولى: هل ابوك شاعر ؟.
فأجبت  : لآ
وامك
ورددت :ولا امي
حسناً وهل تعرف معنى اسمك ؟.
بالطبع يا سيدتي …
تقول والابتسامة تعلو شفاهها الفاتنة : انستك .
حسناً يا وردتي عفوا ياورداتي الجميلات فهو إله النصر والجمال عند اليونان القدماء وهو زهرة مصر منذ عصر الفراعنة وحتى يومنا.
ولا ادري ان كنت دقيقاً في اجابتي ام لا ، السعادة تغمرني … آه لو طالت الطريق … ارغب بالاقتراح على السائق العودة الى عمان لنعاود الانطلاق من جديد دعاء حار الى الله جل في علاه ان تتعطل المركبة … ان يحدث لها اي شيء لأبقى في هذه الجنة الغناء …

لم اتعرف على اسماء الانسات ؟.
 انا شيماء ..
وانا لبنى …
وقالت الوردة الثالثة اما انا فاسمي ليلى …
وشدني اسم ليلى ، ليس غريبا على هذا الجمال ان تكون صاحبته ليلى … ليلى بمعناه الشفاف وما يثير فيك ، ولانه يذكرك بتلك العاشقة .. ابنة تيماء … هل من هنا مرت الى العراق؟.
هذا الاسم ( ليلى) ياله من معنى يمنحك شاعرية عالية … لا بل معناه بحد ذاته قصيدة ، ليلى نشوة الخمر !!!! لم يلاحظن بأني أكذب بل كنت الأكذب عندما غيرت اسمي وتوقعت أنا بأنهن غيرن اسمائهن … ولكن كما يقال “ حبال الكذب قصيرة ” سلمنا جوازات السفر للسائق لينهي المعاملة على الحدود الاردنية … وجلسنا ننتظر … غادرت ليلى السيارة لوقت قصير وعادت وقد أحضرت اربع زجاجات من العصير الطبيعي دون استشارة عندما بدأت بتوزيعها

قلت لها مازحاً: انا لي اثنتان … لأني احتل مكان لراكبين …

ردت وهي تبتسم : انا سأحتل مكان الراكب الثاني …
اه لو فعلتها حقاً … ورحنا نتحدث بأمور شتى سياسية ، ثقافية ، البنية الاجتماعية للمجتمعات العربية اوجه الشبه بينها واوجه الاختلاف … هذا الجو رائع لهبوط وحي الشعر … اقاطعها بل شيطان الشعر … قالت: لبنى انا اكتب الشعر … وليلى تكتب القصة … وشيماء فنانة تشكيلية … ياه كل سوريا الآن معي قصتها وشعرها وفنها … وانا اكتب الشعر العامي … وفجأة تحول حديثنا للهم الثقافي في الوطن العربي . قاطعنا سائق التاكسي وبدأ بتوزيع جوازات السفر … ” خذ جوازك يا محمد ” شعرت بالإحراج الشديد لكذبتي بتغيير اسمي نظرن اليّ اسمك ” محمد يا كِزاب” .
///////////////////////
////////////////////////
////////////////////////

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

2 تعليقان

  1. السرد هنا طائر محلق بكل انسيابية واللغة عذبة تقع في القلب لا اعلم كيف بدأت وكيف انتهيت … منتهى الجمال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: