رحلة الى الله ( ج1 )/ بقلم محمد صوالحة

لا ادري كيف اخترقتني كلمات تلك المرأة الأمية… تلك الياسمينة التي يعبق شذاها في  بيتنا ، تلك المرأة التي لا ننام إلا إذا التففنا حولها ، تلك الأنثى الأمية وحدها من صعقتني بكلماتها ، أشعرتني بضعفي وأنا الذي لم أكن أؤمن إلا بما أحسه وأراه ، كلمات قليلة، كلمات مختصرة ، ولكنها تحمل من الحب ما تعجز عن وصفه كل الكلمات .. كلمات اخترقت قلبي  ، استقرت في وجداني ، هزت شيطاني وأربكته ، قريني الذي عجزت كل حيله عن طرد أو انتزاع تلك الكلمات وذلك الوجه بملامحه الملائكية من ذهني . يا بني كفى من العمر ما مضى  ، كفاك ما قضيته من عمرك طيشاً ولعباً وعبثاً بدنياك  دون أن تغنم منها شيئا بل أنت الخاسر دوماً ، يا بني تعرف على من احبك دون أن يحتاجك بل دوما أنت من يحتاجه … تعرف على من هو دوما كما تظنه…. تعرف على من وسعت رحمته كلَ شيء… اقترب من النور… اقترب من الله جل في سماه… اقترب منه وستجد مخرجاً لكل أزماتك… وفرجاً لكل ضيق… تعرف عليه ورافقني لزيارته… وبعدها لك الخيار… أن تستمر في دربك … او أن تعود إلى من سواك . كانت تعزف عل الوتر الذي تعرفه جيدا… كانت تضربني دوما عل خاصرة العاطفة …. كانت كلماتها المتحدية تخترق ضعفي … وتسقط أخر قلاعي … كانت واثقة من هزيمتي أمامها كالعادة  فهي دوما من تنتصر . تتلعثم الحروف عل لساني أخرجها عنوة وأسألها :

أين أزوره يا أمي ؟  أين يقيم ؟  وهل له مكان يتواجد فيه لتتم زيارته ؟ هو في كل مكان ، معك أينما كنت وفي كل وقت… هو من وسع كرسيه السماوات والأرض انظر لنفسك هل تملك من أمرك شيء … تأمل السماء … وتسأل من بناها بغير عمد ولتجب عل نفسك بحيادية دون أن يكون للأفكار المسبقة أي وجود …. تمعن في الأرض وانظر كيف تتبدل وتغير جلدها في كل مرة فمن ربيع مزهر لأرض جرداء إذا ما حل الصيف …. وكيف تتعري أشجارها عندما يحين وقت الخريف . انه يراك دوما وأنت لا تراه إلا في خلقه ومعجزاته .

حسنا يا سيدتي: سأرافقك ولكن لا تجبريني على شيء لا أود فعله  .  لك هذا.

أيام عديدة استمرت وأنا أفكر في كلماتها البسيطة وحوارها الهادئ… هناك شيء يتسرب إلى داخلي ولكني لا اعرف ما هو … هناك فرح يغزوني ولا اعرف له سببا .. هناك مشاعر مختلطة تقتحمني ولكني لا أستطيع تفسيرها …. وأخيرا كان القرار الذي لا رجعة عنه وهو أن أكون رفيقا لأمي وشقيقتي التي تصغرني بعامين .. قريني يحاول ولكن كلمات أمي كانت هي الأقوى…. ونجحت في أن أُلحق معاملتي بمعاملاتهن وأنال تأشيرة الدخول لبيت الله معهن بالرغم من تأخري …. ّ!!!

حان الموعد ، حملت حقيبتي وسرت معهن خطواتي تسبقني … لماذا ..؟؟ هل لأنها المرة الأولى التي أغادر فيها ديرتي ؟ تبرير معقول لحالة الفرح المذهل الذي كنت اشعر به في تلك اللحظات…. صعدنا إلى الحافلة كانت والدتي وشقيقتي تجلسان في نفس المقعد وأنا اتخذت من مقعد مساعد السائق مقعداً لي.

أبو يونس أسر في أذني بأنه إن لم يجد من يشاركه السهر في هذا الطريق الطويل يخشى أن يسيطر عليه النوم وهو يقود الحافلة فيكون السبب لوقوع كارثة لا قدر الله… فوعدته بعدم النوم حتى نصل إلى المكان الذي هاجر إليه حبيب الله ومنه تكونت إمبراطورية الإسلام والتي انتشرت حتى ملكت الأرض كلها…( ولكنك لن تطيق مع أسئلتي صبرا)  يااااه وهل سأرى حقيقة المكان الذي نصره وان أرى قبره وأين كان أول مسكن له وأين عقد أول اجتماع لدولة دانت لها الأرض …كل هذه الأسئلة كانت تراودني وأنا أعجز حتى الآن عن وصف المشاعر التي غرقت بها وليتها استمرت او ليتني قضيت نحبي وقتها .

سارت الحافلة من رغدان باتجاه وادي الرمم… كانت تسير الهوينا حتى تجاوزت مبنى الإذاعة والتلفزيون… وفجأة بدأت تلتهم الطريق… كانت الساعة تشارف على السادسة مساءً عندما وصلنا إلى إحدى الاستراحات في بلدة القطرانة … وهناك بدأت أولى المشاكل حيث تعطلت الحافلة وانتظرنا إلى ما بعد منتصف الليل حتى وصلتنا الحافلة الجديدة التي سنواصل بها رحلتنا إلى الله…. كنت قد راهنت أبا يونس على أن ثلثي من كان معنا ليس متجها إلى الله بل لغايات أخرى وبعضهم لن يكمل معنا الرحلة بل سيضربون لنا موعداً لكي نعيدهم معنا فاستجاب لرهاني… وما أن وصلت الحافلة الجديدة حتى بدأت مع أبو يونس نوقظ من كان نائما وننادي من ترك الموقع ونبحث عن آخرين… ساعة من الزمن او ما يقارب ذلك حتى اجتمع الناس وصعد أبو يونس خلف مقود الحافلة وأنا لجانبه… كنت باستثناء شقيقتي اصغر من في الحافلة … التي بدأت تلتهم الدرب بلا رحمة، يا الله ما أعظم ما وهبتنا ، وهبتنا العلم ولولاه لما كان هذا الاختراع الذي يختصر الوقت ويبتلع المسافات … طلبت من السائق أن يفتح باب الحافلة لأنظر إلى السماء … رفض بشدة وقال بلسانه الثقيل الدنيا ليل ” والليل اسود .. شو بدك تشوف … قليل من الوقت ونصل الحدود وتشوف السما مثل ما بدك وتعد نجوم مثل ما  بدك وتتذكر حبيبك وتشوفه وين ما بدك ” التزمت الصمت وبررت رفضه ورحت أتأمل الرحلة منذ أن انطلقت حتى تلك اللحظة … فقط أريد أن اصل إلى ارض الله…. بيت الله … أريد أن أتعرف عليه … أريد أن أراه … لم أر من الطريق شيئاً إلا ما كان يسمح لي به نور الحافلة .

معان … نحن الآن في معان … وهنا لا بد للذاكرة أن تقف  لا بل أن تعود إلى الوراء كثيرا إلى تاريخ زاهر مازالت ملامحه واضحة جلية تسقط كل الأقنعة عمن يدعون أن هذه الأرض ما كانت إلا مع تأسيس الأمارة كيف ؟ وهنا كانت الدولة الأقوى في تاريخ المنطقة … هنا المكان الآمن لكل الخائفين منذ فجر التاريخ حتى يومنا … هنا عاصمة الصحراء … هنا تأسست وقامت دولة العرب الأولى … هنا كان النظام الذي يسير عليه كل أفراد المجتمع هنا كانت دولة الأنباط التي أهدت العالم الفن الحقيقي والدائم . من هنا خرجت الجيوش التي طهرت الأرض من عسكر روما … هنا توحدت قبائل المنطقة في نظام شامل … هنا ولد الحارث الأول والثاني والثالث والرابع … إلى هنا لجأت ابنة الفرعون لتحتمي من خوفها وأُسس لها قصر ما زال يسمى باسمها “قصر البنت ” هنا كان مستودع الذهب والفضة لكل الدول المجاورة إذا هنا كان الأمان … ومن هذه المنطقة مر رسول رسول الله حام رسالته لهرقل عظيم الروم  حيث كان لاعتراضه من قبل الغساسنة واستشهاده عل ايديهم السبب في موقعة مؤتة الخالدة حيث منها بزغ نور الدولة الأهم عبر القرون الآتية  وهنا تأسست مملكتي الحديثة … وهنا كانت تزرع بذرة الجيش العربي الذي أنا الآن احد منتسبيه وأُفاخر الدنيا بانتسابي إليه هنا التاريخ ومن هنا عاد الراعي ليؤسس دولة أعداء الإنسانية ، أعداء الله ورسله … وفي ديرتي كانت العدالة وكان شعيب … لماذا تنهال الذاكرة وينساب التاريخ بهذه السرعة في ذاكرتي؟ فقط لأنني وصلت معان … معان حاضرة الصحراء وسيف يحمي خاصرة المدنية … معان أم التاريخ حاضنة الثورة العربية التي لو قُدر لها أن ينجح هدفها لكانت امتنا على غير ما هي عليه الآن … معان تقترن برم والعقبة … ترتبط بمدين والأغوار … معان وثيقة الصلة بالكرك ومؤتة والطفيلة … مدين وسدوم وحشبون ومادبا  وأورشليم، كلهن شقائق لمعان .

احتسي فنجانا من الشاي وأشعل سيجارة لعلي افر من ذاكرتي التي ازدحمت بالعناوين ، عناوين كثيرة أخرها من هنا والطفيلة، من تجمع البادية ، بادية الغر الميامين .. المُحلقين ببداوتهم إلى ذرى المجد  ،  هنا صدر البيان الأول الذي رُفض به وعد بلفور ومن هنا كان ينطلق جيش الثوار لتحريرِ فلسطين ومن هنا كانت تصدر الأسلحة والذخائر للمقاومة الفلسطينية , معان أه يا أم المدن وأم التاريخ … يا أم الرجال الذين ما حنثوا عهدا ولا سكتوا عل ضيم .

بقيتُ على هذه الحال شارد الذهن ، ابتسم حينا… واسقط في فخ الدمعة حينا آخر ، حتى أخرجني أبو يونس من عالم التاريخ وأدخلني بوابة الواقع بقوله:  محمد نحن الآن في المدورة ، هيا لنتمم المعاملات للركاب وننجزها ، لنتابع مسيرنا نحو الديار المقدسة ، تركته  وكأني لم أسمعه وسرت باتجاه الشرق … لا ادري عما أبحث ، كل ما أراه في الهزيع الأخير من الليل هو رمال أحسها تغوص في باطن قدمي لا بل تحتضن قدمي وكأني اعلم بأنها تعرف إنني من أبناء طينتها ولكني لا اعرفها لم اشعر ببرودة الرمل او الصحراء كما تعلمنا ، ولكني كنت أحس والرمل يحتضن قدمي بأن دفء العالم يلفني ، دفء العالم انطلق من هنا .

أحلام ورؤى تكثفت أمام ناظري  وسؤال فاجأني أين حكومتنا من هذه الأرض ؟ كيف نسيتها ؟ وبإمكانها أن تحولها إلى جنة غناء ، ولم يوقظني من أحلامي ومن جلد السؤال لنفسي إلا نداء أبو يونس وصراخ أمي التي تنادي وكأنها لن تراني بعد هذه اللحظة … اقل من عشر دقائق ووصلت إليهم وفاجأني أبو يونس بكلمات لا ادري من أين أتى بها … يا بني نحن في طريق طويل و لا يلزمنا مجانين لأنهم قد يعطلوننا عن مسيرنا ويقتلون الوقت بأشياء مجنونة … نظرت إليه مبتسما وكان رد أمي  قد سبقني لأنها لا تحتاج إلى تحضير كلمات كما احتاج … لا تحتاج إلى قاموس تبحث فيه عن كلمة لترد بها وتوصل ما تريد قوله .. قالت : وهل لذة العيش إلا للمجانين … ليتنا كلنا نحمل ما يحمل من جنون … أبدا لا يضيع منه الوقت إلا في البحث والتأمل ومع ذلك فهو في مدرسته لا يصنف مع المتفوقين لا ولا يقترب منهم همه الحصول على علامة النجاح ليرضيني ويرضي أبيه “هيك خلقه ربه شو نسوي إحنا ” وهنا حلت المشكلة الثانية ، حيث لم يُسمح لحافلتنا بالمغادرة إلا بعد أن يثبت على تأشيرات الدخول رقم الحافلة الجديدة ” يعني وقت طويل للمكوث في هذه الأرض … وقت لا يقل عن عشر ساعات ذهابا وإيابا يعني الليل القادم سيكون وقت مغادرتنا هذه الرمال المجبولة بكل القيم الإنسانية التي خلق منها الإنسان الأردني … عشر ساعات وقت ليس بالقصير أستطيع أن اسرق نصفه واغرق في بحر من الأحلام التي قد أكتشف فيها ما لم اكتشفه في صحوي ، ذهبت إلى المسجد .. تمددت على أرضيته ، أشعلت سيجارة ما قبل النوم، فاحتج احد الملتحين ، حرام عليك يا بني هذا مكان طاهر ، حرام أن تدنسه بالدخان … نظرت إليه مبتسماً ، يا سيدي أي حرام هذا الذي تتحدثون عنه ؟ إذا فوجود الرجال والنساء في مكان واحد اكبر إثما من دخان سيجارتي أليس كذلك ؟!!  الاستماع والاستمتاع بضحكات الصبايا في المسجد أكثر حرمة مما افعل !!! فلندع الحديث بهذا وليقضي كل منا حاجته … وسلمت عيوني لملك النوم .

لم استيقظ من نومي إلا على صوت أمي يداعبني انهض يا بني حضر أبو يونس وأنجزت المعاملات وسنغادر بعد قليل ، الكل في الحافلة الآن نهضت .. واتجهت للحافلة ، وما هي إلا لحظات حتى غادرنا آخر نقطة من الأرض الحبيبة والتي لا تساويها ارض حتى لو كانت الأرض المقدسة .

انطلقنا وما هي إلا دقائق معدودة حتى وصلنا  ” حالة عمار ” ونحن في طريقنا إليها بدأ الخوف يتسلل إلى نفسي ، لان رحلتنا هذه كانت في وقت حرج للغاية فالعلاقة السياسية بين بلدي والعربية السعودية متوترة ، نظراً للموقف من الحرب على العراق والتي اتخذ فيه بلدي موقفا مغيرا لكل أشقائه العرب ، نعم الخوف يتسلل إليّ ،  هانحن وصلنا لنقطة التفتيش الجمركي وهنا كانت المفاجئة لم أتوقع أن نعامل بكل هذا اللطف .. نعم عوملنا بكل دفء ومحبة وكنت اشد الناس فرحا بهذه المعاملة ولم يكن شيء لينغص عليّ فرحتي إلا ذلك السؤال الذي غرس في قلبي من احد الموظفين الخبثاء في المركز الحدودي حين قال أنت من جيش صدام حسين ؟ ” وكانت إجابتي بعد أن تلونت الدنيا بعيني … إننا في الأردن الوحيدون الذين نحمل شعار الجيش العربي … فأنا لا انضوي تحت راية جيش صدام او غيره من الناس او القادة ، ولكنني انضوي تحت راية الجيش المصطفوي الذي يقوده حفيد المصطفى .. ونحن جيش الحق العربي أينما اعتقادنا ، وبعد ذلك العراك الكلامي حضر مسئول من الدائرة يسأل عن سر الصراخ والإشكالية فأخبرته بما حصل ، وكانت ردة فعله بالنسبة لي مفاجئة حقيقية ، حيث نهر الموظف وأخبره بأنني أولا ضيف الرحمن، وثانياً أنا شقيق ومواطن عربي لا علاقة له بالسياسة وبما يحدث خارجا عن إرادتنا نحن المواطنين ، اعتذر مني وقد امتلأ القلب فرحاً برده وإحقاق الحق ‘ ودعنا ، صعدنا إلى حافلتنا وسرنا باتجاه الجنوب ، وأخذت الحافلة تلتهم الطريق من جديد ،غابات من النخيل  … طريق مستقيم وطويل والمباني الشاهقة أخذت تلوح أنوارها في الأفق … ونحن نقترب منها رويدا رويدا ، أنا والسائق نحتسي الشاي وسيجارة “المارلبورو ” تفوح رائحتها سألته أبو يونس ما اسم المنطقة التي سنصلها ؟ فأجابني إنها تبوك ، عادت الذاكرة إلى التعب من جديد ما الذي تحمله تبوك من معاني في المخيلة  ؟ وهنا أخذتني ذاكرتي في رحلة يزيد عمرها عن ألف واربعماية عام حين ثارت الأرض بكل شواهدها ضد الروم فهزمتهم قبل أن تصلهم سيوف الله … أي شيء تعنيه تبوك … أي سماء هي التي تظل تبوك … وأي ارض تقلها .. أي بحر يتشرف بمجاورتها …. أي لحظات هي التي قادتني إليها …. إذا ليكن تأجيل رحلتي إلى المدينة ولأبقى هنا استطلع معالمها وأغوص في تاريخها … لأتعرف على ما يحمله ابن تبوك من ارث إنساني وما علمته أمه الأرض الحرة … أردت كتابة ملاحظاتي عن تلك المدينة الثائرة المدينة الحرة فضاعت مني الحروف وأنا الذي كنت قبل لحظات مشتعل بهاجس الكتابة عن هذه الأرض ، عن هذا النخيل الذي يطاول السماء شموخا وعزة   صغرت الكلمات أمام سموها وبهائها ، إذا بأي شيء أعبر عما يحتويني من مشاعر أكبر بكثير مما يمكن أن يعبر عنه مخزوني من مفردات ، أين أنا منك يا تبوك ، يا أرض النخيل وابنة السمو  … ما أجمل حدائقها وهي تعكس نور الله ونور المصابيح، فتزداد أرضها بهاء وجمالا، يسيطر عليّ الشوق لهذا التراب الثائر … هذا هو التراب الذي ما زال يزهو بنصره على جيوش الروم القادمة من أرض الشام … لتقتلع نبتة دين الله … فكان للأرض جولتها وكانت كلمتها التي حسمت الأمر … إنها حَمية الأرض …. إنها الأرض التي إن شعرت بالظلم تحولت نيرانا تلتهم المعتدي …. طلبت من السائق أن تكون استراحتنا القادمة في تبوك …. فقال بشرط أن لا يتكرر جنونك في المدورة …. حسنا : فقط لنستريح في تبوك ، وحقيقة كان الجنون يستعد للانطلاق …. أعد اللحظات للوصول إلى تلك الديار . في الثانية صباحا كان موعد وصولنا للمدينة التي أحببتها منذ رأت عيني نورها من مسافات بعيدة . اهدأ أيها العقل قليلا فلست بالعارف لهذه البلدة التي لم تطأها قدماك حتى هذه اللحظة … إهدائي أيتها الدهشة فلم تتوقف الحافلة بعد اهدأ أيها الشوق  أيها الجنون قليلا فما هي إلا لحظات حتى تتعرف على هذه الأرض … الكل نيام في الحافلة  الآي وأبو يونس وأنوار المدينة وصوت الأرض الذي سمعته يناديني ألا أهلاً بالمشتاق … هي ذات الأرض … وهو النخيل عينه … تبوك هذه المدينة الساحرة بمبانيها الشاهقة التي توفرت لها الإمكانيات فطاولت أكبر مدن العالم جمالاً وسموا.. تنظيمها نظافة شوارعها هدوئها أضاف بهاءً على بهائها . اتخذت لأمي وشقيقتي مكاناً في الاستراحة وطلبت لهم الوجبة التي يريدون ، وأطلقت لنفسي العنان ، إلى أين تقودني خطاي ؟ لا أدري  لأني لا أعرف أين أنا أكثر من إنني في تبوك … معالم المدينة متشابهة والليل فيها واحد .. القمر… كل أشيائها متشابهة وهذا مصدر جمالها . أنظر إلى النخيل الذي يطاول السماء بهاءً وأتلمس سيقانه أُحاول هز جذع نخلة عساه يتساقط عليّ رطباً جنيا، ولما لم أستطع أن أهزه حاولت العودة إلى موقع حافلتنا والقلب قد ارتاح قليلا ، ولكن ما يثير المشاعر هو الوقت الذي يمر بسرعة غريبة ،  أريد قليلا من الوقت لمزيد من الاكتشاف . وما هي إلا ثواني حتى سمعت صوتا يناديني ،  إلا يا فلان تقدم … سرت باتجاه الصوت وإذا بها سيارة للشرطة … خفت قليلا ولكني احتملت خوفي وسرت إليهم … صباح الخير … صباح النور .. أنت ضائع … لا بل أنا تائه … من أين أتيت من الأردن … لا ليس هذا ما قصدته أين تقطن هنا … أنا لا اقطن هنا،  ولكني خرجت من الاستراحة ، وعند محاولة عودتي فقدت اتجاهي ولم استطع العودة، آخر ما أذكره هو الدوار لأن كل الأشياء في هذه المدينة متشابهة ” شنهو لعاد تحسبها عمان ” أخشى من عاقبة إسماعهم ما يتردد بداخلي بعد ما سمعته من كلمات ، وهل من مدينة على وجه البسيطة تشبه عمان .

يسعفني احدهم من سوط كلماته بقوله:تعال يا أخي سأرافقك لموقع حافـلتــك  ســرت معــه وهـو يــــردد ” البارحة العين ما نامت يعرض لها النوم ومعيا ” أوصلني للموقع … ولما نظرت للحافلة وإذا بالجميع نيام … صعدت إلى أعلاها وجلست أتأمل هذا السحر وهذا الجمال الإلهي وزادها الباري بأن منحها الماء والخضراء … آآه كم تمنيت أن لا يعثر علي ذلك الشرطي وأن أبقى في ضياعي ولكنه حظي السيئ أبى أن يتركني سابحاً في ضياعي متمتعاً بلحظات التيه لأكتشف هذه المدينة أكثر … لأغوص فيها أكثر لأجوبها من أقصاها إلى أقصاها لعلي اكتشفها فاكتشف نفسي … النفس تراودني على البقاء … وشيطاني يقودني بلا إرادة مني إلى أرض العامرية .

وفي لحظات التأمل تلك يجلد القلب سؤال توجهت به  لنفسي أولاً ولله جلت قدرته ثانيا ( هل عاد جند روما من جديد ؟ هل دنسوا هذه الأرض كما دنسوا حفر الباطن وما حوله من مدن أبية ؟) …  لماذا يا رب لم تكرر تلك المعجزة وتبقي على عذرية هذه الأرض ؟… لما لم تمنحها القدرة على الثورة كما منحتها في عصر نبيك وحبيبك ؟ ما الذي اختلف ؟ فهي نفس الأرض وهو نفس البحر ونفس النخيل لمَ لمْ تلقٍ يا رب الرعب في صدور هذه الجراذين القادمة من الغرب ؟ .

يعود قريني بجنونه ليعيدني لليلى ومجنونها العذري الذي قضى في سبيلها …  تلك الرائعة تناديني وفي نفسي هاجس يقول لي اهدأ فأنت في طريق التوبة في طريقك لله … نعم ولكن أي توبة تمنعني من التمعن قدر المستطاع في تاريخ هذه الأرض وأبنائها . أي توبة هذه التي تمنعني من نبش الذاكرة لاستخراج ما علق فيها أو ما تبقى فيها عن هذا التراب المؤدي إلى العراق التي رحلت إليها العامرية ومرضت فيها وتمنى ابن الملوح أن يصل إليها ويكون الطبيب المداويا .

يقولون ليلى في العراق مريضة          يا ليتني كنت الطبيب المداويا

ولكن كم من الصحراء سنقطع حتى نصل تلك الديار الغضية التي ما زال يفوح منها عطر ليلى … وينبت نحيب قيس زهوراً من الياسمين .. او أشجاراً من النخيل الشامخ كروح قيس وقلب ليلى … كم من الرمال ستثور لتقتل سرعة الحافلة قبل أن نصل تيماء … كم من الوقت سيموت وأنا انتظر الوصول عساني اعثر على بقايا من أثرها … أو قطعة من شال كان يغطي رأسها …. لا بد من العودة لأبي يونس ومعاودة سؤاله … اتجهت إليه بنظري وناديته … فقاطعني وكانت إجابته بمنتهى الخبث  عندما نصل سأخبرك … اصنع لنا الشاي وناولني قطعة من الخبز … لماذا السؤال ؟ … وماذا لك فيها ؟… هل نجمتك تاهت فيها وتريد البحث عنها ؟  شعرت بأنه يجب عليّ أن استخف به ، لا يا سيدي ولكنك قلت بأنك أتيت إلى هنا أكثر من مرة فأردت أن أرى اثر خطوك فيها … فهو لا يعلم أن القلوب من هنا شهقت بالحب وهنا ودعته وهنا أيضا تبحث عنه .. هنا مكان ولادة القلوب النقية التي تحتمل كل المصاعب لأجل من تحب … تحب الحياة برغم قسوتها فقط لان فيها الحبيب … هنا تاريخ حياة خالدة لا تفني ولا تزول  حتى وان كانت قصيرة ، كيف لا ؟ وهنا كان مصيف ليلى وأهلها .

وسارت الحافلة .. الأرض تطوى تحت عجلاتها وبالرغم من ذلك كنت أراها واقفة لا تتحرك ..سيجارتي لا تنطفئ .. أمي تناديني من على بعد  مقعدين او ثلاثة التفت إليها .. أرح جسدك بني هذا اليوم الثالث لك لم تعرف طعم النوم … أن لجسدك عليك حق … القهوة الشاي والسجائر كلها ستؤدي لمقتلك .. توكلي على الله يا أمي ، لن أموت إلا بعد أن أكمل دورة العمر المقررة من رب الكون ، هذه الأرض …هذه الرمال وهذا الطريق الطويل تسرق النوم من عيوني وتشعرني بالمتعة الحقيقة والسعادة الغامرة … التاريخ يا أمي يبقي القلب مستيقظاً …أي تاريخ يا بني كلها أيام وترحل ولا يذكر شيء بعد الرحيل … لا يا أمي فعلى امتداد هذه الصحراء كان تاريخ الإنسانية الحقيقي … هنا يا أمي ولد النقاء والصفاء والحب … من هنا مرت ليلى . أخي أبا يونس إذا ما وصلنا تيماء او اقتربنا منها فأخبرني … لماذا … فقط أخبرني … دون أن أخبرك اعلم إذا ما توقفنا للاستراحة فلن تكون وقفتنا إلا عند مسجد تيماء فهي ليست بالبعيدة من هنا ساعة من الزمن او ساعة ونصف حتى نصلها يعني ما يقدر بصنع إبريق من الشاي بالزعتر وشربه وكوب من القهوة حتى نكون قد استهلاكنا فترة الساعة او أكثر بقليل . حسنا فلن أسألك  بعد ذلك عن شيء . صنعت إبريقاً من الشاي ورحنا نشرب نادتني أمي بقولها “يطلع لي أن أشارككم في هذا الإبريق” لأنك يا بني طردت النوم من عيني … آه لو اعرف بماذا تفكر … فمنذ زمن طويل لم تأتك لحظات الجنون التي تعيشها الآن … حقا قد افتقدناها … لأنها وحدها من تهبك القدرة على التحدي ألا يمكنك يابني أن تنقل عدواها لبقية اهلك عساهم أن ينالوا درسا في مدرسة الحياة … اضحك…  لكِ هذا يا أمي سأعطيهم من ريقي ،  أبو يونس هانحن قد وصلنا إلى تيماء ابحث عن نجمتك التائهة ….  حاول إصلاح ذاكرتك المثقوبة كما تريد  وليكن بمعلومك إننا سنغادرها بعد صلاة الفجر مباشرة لنكون في المدينة المنورة عند آذان الجمعة …. حسنا … كلهم ذهبوا إلى المسجد الآي …  رحت أتأمل تلك الرمال( وتترأى لي ليلى بشعرها الليلي اللون وعباءتها السوداء الشفافة وعيونها الواسعة … كنت أحس أنها ما زالت هنا في هذا المكان او ذاك تنتظر قدوم المحبوب … اسمعها تناديه إلا يا ابن عمي … يا كل القلب طال انتظاري لقدومك … احرقني الشوق لرؤياك )…  يوقظني من ذلك الجنون لسع الجوع …  … أحس بأني قادر على التهام كل ما أعثر عليه من طعام … حملت شيئا من أوراقي وقلما يكاد يلفظ ما تبقى به من مداد … جلست إلى إحدى الطاولات والتي سميت مجازا طاولة وبدأت بالكتابة والتساؤل لماذا لم تقم ليلى في هذه الديار الأنيقة ؟ … لما اتجهت للعراق ؟  أهو فرار أهلها بها من حبها ؟  وهل لبعد الديار أن ينسي الخل خليله ؟. كان إلى جانبي شخص عرفت بعد وقت قصير من جلوسي بأنه يمني … وأنا الذي سألته عندما لمحت الخنجر المعقوف يتوسط بطنه ويعلوه حزام عريض من القماش الأخضر … اعتقدت في البداية انه عُماني … قال لي بعد أن اعتذر عن تطفله علي  ما الذي تكتبه ؟  لا شيء فقط أدون ملاحظاتي وما تسعفني به الذاكرة من معلومات ومشاهداتي وانطباعي عن كل منطقة ادخلها حسب تأثيرها علي … قال ماذا يعني … لا شيء فقط العمر يمر سريعا … غدا تنتهي هذه الرحلة … وعندما أتذكرها في المستقبل أعود لهذه الانطباعات … عرفني على اسمه الذي لم اعد اذكره فقط كل ما اذكره عن ذلك الرجل انه كان كبير السن وأنه شاعر … قال لي بأنه معروف في بلاده … شاعر غنائي كتب الكثير من من كلمات الأغاني لعدد من المطربين في اليمن … وأسمعني شيئا من قصائده العمودية الجميلة … عندما سمعت قصائده أيقنت بأن القصيدة العمودية التي تحارب من الحداثيين وكتاب ما يُسمي قصيدة النثر تستوعب كل ما جاءت به الحداثة ، وثبت لي بالوجه القطعي والذي لا يقبل الجدال  بأن العيب ما كان أبدا في شكل القصيدة وإنما العيب في الشعراء ،   بعد أن استمعت إليه لعنت كل وزارات الثقافة في الوطن العربي والتي تبخل على بنيها بإيصال أصواتهم لأشقائهم وأصوات أشقائهم إليهم … ملعونة هي كل وسائل الإعلام ووزارتها والتي تهتم بالعري والفذلكات أكثر من اهتمامها بمثل هذا المبدع العربي والذي كنت على يقين بأن كثير من أبناء ديرتي لم يسمعوا باسمه وان سمعوا به لم يحظوا بفائدة الإطلاع على إبداعاته ، قال هي دعوة مفتوحة لك لتكون في ضيافتي باليمن … لتكتب عن البلد الذي كان سعيداً وتاريخه وستجد كل المساندة والدعم ليس مني فقط ولكن من كل أهل اليمن … من كل أبناء حمير وأحفاد بلقيس ومن كل الدوائر المختصة … من الثقافة والإعلام واتحاد الكتاب .

ولماذا كل هذا  … لا لشيء يا أخي ولكننا نحب أن نرى صورتنا كيف ترسمها عيون الأشقاء … تناولت وجبة الطعام وكانت من الآرز البرياني والدجاج وأبى ذلك الشاعر إلا إن تكون على نفقته … فاتتنا الصلاة اقصد صلاة الجماعة ولكننا صلينا سويا اليمني وأنا أمام الاستراحة … لا ادري كيف سرقني من دهشتي كيف أنساني ما كنت اعتزم القيام به وهو التجول في تلك المنطقة … قليل من الوقت وحضر المصلون وأبا يونس … جاء على خلاف عادته … غابت ابتسامته وعلا صوت صراخه … يا لله نطلع من هون … قابلته … ما بك يا أبا يونس ما الذي أصابك … قد قلت إننا سنغادر من هنا بعد صلاة الفجر ولم تحن الصلاة بعد … المحترم الشيخ لم يسمح لنا بدخول  المسجد وكأننا سندخل إلى بيت أبيه ، ملعون أبو أحسن شيخ … ( طيب أبو يونس روق ) هذا مسجد للصلاة والعبادة فقط وليس استراحة للنوم والاسترخاء … اهدأ أبا يونس ودعنا نستمتع بهذا الجو الرائع … الم تداعبك هذه النسمات وترجوك للمكوث فيها … انظر إلى النخيل ألا يشدك إلى أن تسمو لمستواه ؟!  … انظرإليه وتخيله كيف يستقبل الشمس في كل صباح وكيف يودعها ليستقبل الليل … انظر إليه وهو يداعب النجمات الساهرة مع رمال خطت فوقها ليلى … انظر إليه وهو يعانق السماء وكأنه يقلب صفحات ذكريات جمعته بمعشوقته الخالدة … وكأنه يعيد نظم القصائد التي تخلد  ليلى و مجنونها … هنا تجمعت قلوب العشاق … وهنا فرقتهم الأقدار أيضا … هنا  في هذه الديار كان مصيف العامرية … ومن هنا كان طريقها للعراق حيث اقامت واعتلّت .. هنا وقف ابن الملوح يخاطب هذا التراب ويسأله عن ليلى  .

دعنا من كلامك الفارغ وهيا لننطلق لأرض الأمن والطمأنينة لأرض الدفىء والسكينة … إلى المدينة المنورة لنصلها ونأخذ قسطا من الراحة قبل أن تحل صلاة الجمعة   .

.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: