بيــــروت ( الفصل الثالث ) من رواية المثلث المقلوب للروائي محمد ارفيفان عوادين

  قريباً من أجواء لبنان، حيثُ طلب قبطان الطائرةِ رَبْطَ الأحزِمةِ؛ استعداداً للهبوطِ في مطارِ بيروتَ الدوليّ، في تلكَ الأثناءِ كانت الشَّمسُ تُرسِل أشعّتَها الذهبيّة على أرضِ لبنان. أثناء الهُبوطِ، نَظرَ وليدُ من شباكِ الطائرة، يَجُولُ بنظراتِهِ في ربوعها الجميلةِ، والمتناثرةِ على سفوحِ الجبالِ، ومُنحنَيات الأوديةِ من علوّ ألفيّ قدم، وصولاً إلى شاطئ البحر، فلبنانُ قد تَفرَّدَ منذُ القِدَم بشَجرِالأَرْزِ البديعِ في تكوينه العجيب، في صلابته التي تهزأ بالسنينَ، لبنان تحفةٌ جماليّةٌ تنزلت من السّماء آيةً بجِبالِها الشامخةِ، وأوديتِها السحيقةِ، ونسماتِها المنعِشةِ، وينابيعِها الدّفاقةِ، وببحر موّاجٍ، وسماءٍ زرقاءَ، وعطورٍ زكيّة. إنّها عروسُ الأبيضِ المتوسّط، إنّها البحرُ، والنهرُ، والثلجُ، والربيعُ، لها سحرٌ وجمالٌ يأخذُ الألباب، فهي مهدٌ للحضارةِ، ومنبعٌ للثقافةِ، كلُّ شيءٍ فيها جميل: الأرضُ والشجرُ، والزهرُ، والبشرُ، حتى الحجرُ. ما إنْ قَاربتْ عجلاتُ الطائرةِ تُلامِسُ مَدْرجَ مطارِ بيروت, حتّى أمعَنْتُ النظرَ من نافذتِها، حيثُ تخيّلتُ نفسي أُعانِقُ مجهولاً تَربَّعَ على فؤادي قبل مشاهدته, حينها تسلّل إلى أفكاري أغاني الصبايا التراثيّةَ، في منظرٍ تتناغمُ نسماتُهُ على أغصانٍ ورديةٍ، تتدلى على هيئةِ أجراسٍ شبيهةٍ بوجه أنثى كاملة الأوصاف، أطَلَّتْ بنسائِمِها من عِتْقِ نبيذِ الكرومِ المتراميةِ الأطراف، وكأنّها فتاةٌ تتمايلُ بدلالٍ بين أنامِلها قهوةُ الصباحِ, تجني رَشْفاتُها غِناءً للنجومِ التي تتراقصُ ترديداً وفرحاً لأهازيجِها. * بدأتُ أتَرنَّمُ بأغنيةِ (عاشقةِ الجبل)، ذاتِ الصوتِ الصداح (عالضَيْعَه، يُمّه عالضَيْعَه وَدّيني، وبلا هالبيعه)،فجأةً صَحوْتُ من غفوتي، ابتعدتُ عن تفاصيلِ الماضي، حين تنادت إلى أنفاسي روائِحُ فواحةٌ من باقاتِ زهرِ الحَبقِ تعالت من ترابٍ ندي ممزوجٍ بضبابٍ نقيّ تهادت بروائَحَ أنثويةٍ، تَتكِىءُ على زَهْراتِ أُغنياتِ التَائِهين عِشْقاً على شُرُفاتِ بيروت، تَجلَّتْ وكأنها لوحةٌ جماليةٌ رُسِمَتْ ببداهةِ الرّسام العَفويّ. تناغَمتْ حولَها كافةُ الألّوانِ، تتباهى بروعةٍ نادرةٍ، وتتمايل بِدَلالٍ كأنّها تُمْعِنُ النَظرَ في حبيبٍ قادمٍ يصافِحُها بأَشواقِ المحبّةِ،. وحولَها زقزقةُ طيورِ السُنونو، تغرّدُ ألحاناً ربيعيّةً، تَجلَّتْ زينتُها فوق أغصان الصُنوبَر. هي بيروتْ .. مدينةُ العشقِ والجَمالِ، التي يرافق وجودَها شُعراءُ الوطن، هناكَ بزغ محمودْ درويش الجليلي؛ ليعانِق بيروت تفاحةَ الأرضِ (تفاحةً للبحرِ)، تحوم حولها فراشةٌ، تحملُ على روحِها وصفاً دقيقاً للمرأةِ . هَبَّت من بعيد جِبَالُ الغَمام، والضَبابْ، وأقبلتْ أندلسيَّةٌ حاضرةُ الوفاء، وحولَها شآم, حيثُ بيروتُ هي بيروتُ، لها عُشّاقُها، ترى حولَها سِراً صاغَهُ بوحُ المرأةِ الرومانسيّة، في أكتافِ مقاتل، لكنّها تبقى بيروت أغنية الرّوح المُتعَبةِ للمُغترب والمقاوِم وللشاعر. فعلى ترابِها نَبتَ الربيعُ في ثناياهُ عَبقُ الأقحوان، والباحثون عن المُتعةِ يتراكضون، ويتسامرون قُبالة أمواجِ البحرِ على كورنيشِ الروشةِ الخالد بتاريخه، يرقُبونَ على جَنَباته وداعَ شمسِها، تعانقُ سطحَ الماءِ، وهي تتماهى بكبرياءٍ تاركةً لنا لوحةً تَجريديةً تداخلتْ في شفقٍ أحمرَ عانقَ أمواجَ البحر، هي تتدافع، وتنكسر على سياط الصخور الكلسيّة. خلف ناظريَّ، تَتَلاقى غاباتُ الأرزِ الجبليةِ، تَشُدُّ المتمعِنَ إلى عَبَقِ الوجودِ، وتَنْفِلتُ في مخيلتِه أزهارٌ بلوحاتٍ فنيّةٍ، تغمرُها ألّوانٌ ورديةٌّ، تناسقَتْ إبداعاً مع عطاءِ الطبيعةِ، حيثُ البحرُ يحتضِنُ (الرّوشَة). في شكلها وتشكيلِها، وتجلياتُ الخالق في تكوينِها. * ارتحل ذهني إلى ساحلِ البحرِ، أتذكّرُ تلكَ الأسوارَ الشامخةَ، والصامدةَ، أمام الأمواج العاتية, وأساطيلِ نابليونَ تُنصَبُ خَلْفَها، مما زادَها شموخاً في عَبَقِ التاريخِ، تَنَزَّل على وجداني طيف من أهوى في هذا الجمال الربانيّ، الذي شَكَّلَتْهُ تلكَ المناظرُ الخلّابة. شلالاتٌ تتدلّى بهديرِها، تنحدرُ من عليائِها بعد أن تَحُطّ عليها شمس آذار، وثلوجُه، وألّوانٌ سبعةٌ مطرّزةٌ في كَبِدِ السَّماء، تَشُقُ ضَبابَه، إلى ذلكَ المكانِ الّذي يترقرقُ في عليائِه المجد، ومن حولهِ النوارسُ تخطفُ قُوتَها من كائنات البحرِ في أطرافِ مدينة (جونية) الساحليّة، التي يحضنها بحرٌ أبيضُ وهادىء، وتحضُنهُ جونية .. حاميةً عيونَ العذراءِ. بسلامها الشامخ، حيثُ تتراقص عيونُ الزائرينَ بأمنياتِ العودة إلى عَذْراءِ السّلام لتحقِيقِ آمالهم؛ أحاطني الوَهَجُ الحضاريّ، فجأةً.. والسيّاح من جميع الفئات في ذهاب، وإيّاب بالمركبات الكهربائيّة المُعلّقة بحبل فولاذيّ (تلفريك) بين الساحلِ والجبلِ، كأنّهن أسراب طيور مهاجرة، عادت إلى أوطانِها، تَحملُ بين ثناياها لحظاتِ السعادةِ والفرح. ما إنْ قاربت الطائرةُ على الإقلاعِ، حتّى عادت بي الذاكرةُ إلى عراقةِ الماضي, مدن التاريخِ، وأساطيلِ البحارِ الأَرزيّةِ، التي انبثقت عنها الأبجديّةُ الأولى إلى بقاع الأرض، حيث تمْخُرُ عُبابَ البحرِ منطلقة من ميناءِ صور، أساطيلُ من عَمالقِة البحر الفينيقيّ، وفي أعلى السارية شابٌ قويُّ البنيةِ يشير إلى هذا وذاك باستمراريّة التقدم وحولهُ الأمواج تتلاطم مع أسطوله؛ بقي صامداً عنيداً أيّاماً وليال، حتّى حطّ به الرِحالُ على جنباتِ الجبل الأخضر، ترجّلوا فُرادى، كلّ يتغنى بجمالِ هذه المنطقةِ التي اعتَبرَها موطئ قدم جديد للتوغّلِ، وعبورِ أوروبا بعد أن تركَ معالِمَ حضاريّةً رائعةَ البناءِ والهندسةِ، هي جنّةُ الله على الأرضِ، لكن الجَمالَ لا يكتمل، فبعد أن كانت الدّروبُ مفتوحةً أمامَه، لنشرِحضارةِ الفينيق، هاجَمَتهُ الثلوجِ من كلّ ناحية, مما أعاقَ تَقدمهُ وانتشارَهُ، مما أفْشَلَ المشروعَ، وتراجع القائِدُ البارعُ (هنيبال)، بعد أن كان النصرُ قاب قوسين أو أدنى. “هبطتْ الطائرةُ بسلام؛ لنأخذ بعد خروجنا من المطار قسطاً من الراحة”.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: