بَيْنَ مَطَاريْن / ( الفصل الرابع من رواية المثلث المقلوب للروائي الأردني محمد ارفيفان عوادين

بعد بُرْهَةٍ من الوقتِ, أقلعت الطائرةُ من بيروت مُحَلِّقةً بعيداً عن المطار فوقَ البحرِ الأبيض المتوسط. الأرضُ والسماءُ زرقاء. وهنا تتجلّى قدرةُ الخالِقِ، بينما نظراتي على سفن متناثرة في البحرِ كأنَّها مُرجان، فجأةًحصل ارتجاجٌ قويٌ؛ تسللَ الخوفُ للجميع، وطلبَ طاقم الطائرة من الرّكابِ رَبْطَ الأحزمةِ، وبعد دقائِقَ قليلةٍ حصلَ نفسُ الارتجاجِ، وتوالت الارتجاجات, مما اضطرّ(الكابتن) أنْ يتحدث للرّكاب؛ لِيُطَمئنَهم أن كلَّ شيءٍ سيكونُ بخيرٍ، وما هي إلا مطبّاتٌ هوائيةٌ، والرحلةُ ستكونُ بخير، لكنَّ وليد لم يقتنع بما قاله (الكابتن)، هناكَ شيءٌ خفيٌّ، وقال في نفسه: “إذا جاء القدر لا مفر”.
في خِضَمِّ المطباتِ الهوائيّةِ المتلاعبة بالطائرةِ التي أقَلتَنْا، استحضرتُ في تلكَ اللحظة مواعظَ أمّي الطيبةُ، التي كانت تضفي نصائِحَها، وتُهددني، حين ينتابُني الرّعبُ في أيّامٍ عصيبة، كانت طائرات العدوّ تقصف أحياءنا، فكانت تضمَّني إلى صدرها في صغري، وتتلمّس جسدي؛ لتمنحني الهدوء،.
وهنا تمنيتُ، أنْ يكونَ ذلكَ الصدرُ الّذي أنجبَ الحنانَ والعطاءَ يجلسُ بجانبي في هذه اللحظةِ, جاءت الطمأنينة من صوتِ المضيفةِ بردًا وسلاما على قلوب المسافرين, كلماتها ناعمةُ طيبةٌ بلسمٌ، جعلتنا نَرْكَن للهدوءِ، فشتّانَ ما بين أمّي والمضيفة.
في لحظاتِ الخوفِ والرُّعْب، رَغْمَ ذلكَ أغْلَقْتُ أذنيَّ، وبقيتُ أستحضِرُ ترانيمَ والدتي في أستارِ الهدوءِ، على بيتٍ امتلأَ بالعطفِ والحنان.
وبعد هدوءِ النفسِ، أزاح به الماضي إلى محبوبته حنان ….قصةُ عشقٍ وحنين, حينَ تراءت صورتُهُ إلى فؤادِها، وهو بين أصدقائهِ، ونظراتُها تختلسُ عَبْرَ أثيرٍ مشوبٍ بالخجلِ, يطيلُ النظرَ إليها، لاحظت نظراتهُ، وجَعلتْها تُمْعِنُ يوميّاً في طريقها إلى المدرسةِ، تتلّفت ذات اليمينِ وذات اليسارِ، عَلَّها ترى طيفَه في جوارِها،وكان ذلك عند ابتسامتها له، وكأنّها تردّ التحيةَّ إلى ذلكَ الشابِ الممشوقِ جمالاً، وتواضعاً أكثرَ من الّذين رأتهم قبله.
أمامَ المرآة، تقفُ العاشقةُ تلاعبُ شَعْرَها على كتفيها، تنسدِلُ خيوطُهُ ناعمةً تغطي جماليّاتِ الفتاةِ اليافعةِ المتدفّقةِ إلى مرحلةٍ جديدة، وضعتْ مشَابكَ الشعرِ، وتيجانًا من أوراقِ الياسمينِ، وكأنّها تتباهى بفَخرِ أنوثتها، التي نَضِجَتْ منذُ اللحظةِ التي تلاقتْ فيها عيونُ العاشقينَ, وفي إيماءةٍ جديدةٍ حملتْ بين أنامِلها مُنَظِّمَ الحواجبِ، قامت بتهذيبِ حَاجِبيْها, فكانتْ لوحةً فنّيةً على شكلِ بدرٍ أشاحَ بَومَضاتٍ حطَّت على جبينها الوَضَّاءْ، مما زَادْتهُ جمالاً على جمال، وبهاءً حين تراهُ عينا وليد.
كم كانت تتمنّى لحظة وصال في وجدانها الذي امتلأ فرحاً من عيني وليد في مظهرهِ، الدالّ على جمالِ شخصيّتهِ الفاتنة, وكلماتهِ الرقيقةِ التي تخترِقُ فؤادَها.
هكذا كانتْ تَتخيلُ رؤياهُ مع أصدقائِه، والجميعُ يُحلّق حوله كفراشةٍ قرب قنديل، فكان الجميعُ يتفاخر بصداقته وحبّهِ لهم، فكانت تتمنّى أنْ تكون من بين هذا الفريق، الذي يكنُّ له أقصى درجات الاحترامِ والتقديرِ. كيف لا..!، وهي التي كانت ترى فيهِ ما ترى، فهي الليل، وهو الشمس، في أول إطلالةِ النهار.
أَحد الأيّام .. في صباحٍ باكر، شاهدتُه مقبلاً وحيداً على غيرِ عادتِه، لا يكنفه الأصدقاء الذين كانوا يملؤون الشارع بضَحَكاتهم العاليةِ المرحةِ. وعلى الجانب الآخرِ وردةٌ تحمِلُ في يُمناها باقةَ ياسمينٍ قَطَفتْها من حديقةِ منزلِها؛ فَتَعطَّرَ برحيقِها في ابتسامةٍ أشرقتْ نوراً على مساحات الأمل، حتى وصل العِطْرُ إلى وليد, فتنفّس العِطرَ من أنامِلِها حنينًا.
اقتربَ قليلاً بخطىً خجولة، لكنَّهُ لم يمتلكْ السيطرة على عَبَقِ الياسمينِ، الّذي ملأَ صدرَه، قبل أنْ يقتربَ منها، استدار نصفَ دورةٍ بحالةٍ عَفْويةٍ، واستبدلَ مسارَهُ إلى منحىً آخرَ، خوفاً من إحراجِ زميلاتِها المتواجداتِ معها، لكنَّها كانت تُمْعِنُ النظرَ، ترْقُبُ الأجواءَ المحيطةَ بترقّب دقيقٍ.
تتمنّى أن يَدْنوَ من سور حديقتها، سارت على غير هدى، اضطربتْ، وتعثّرتْ خُطاها، وانحدرت إلى حيث لا تدري لكنَّها تمالكتْ قُواها, انتبهت إلى خُطَواتِها، واتّكأتْ على أكنافِ روحِها، التي كادت أنْ تخرج من بين أضلعها, في انتظار الموعد لفتَ انتباهَها أن مَعشوقَها وليد قدْ غَيّرَ مسارَهُ، وابتعدَ قليلاً، هالَها هذا التصرف.
ظلت حائرةً مُندهشةً بهذا التصرّفِ، الّذي جعلَها تُمْعِنُ وتفكّرُ جدياًّ بشكوك أفقدتها صوابها, إن لم تقتربْ وتحادثهُ، أسرعت بخطىً حثيثةً، حاولت الاقترابَ منه؛ لتُعيدَه إلى حديقتها، تمهلت قليلاً، وقفتْ مبهورةً حين شاهدتْهُ عائداً، قال لها: صباحُ الخير يا أجملَ الحياة، دون سابقِ إنذار، ودون تردّد،عاتبتهُ بدلع، قائلةً: كنتَ تحاولُ الابتعادَ، دون أن تحادْثني،علماً بأنّني في شوقٍ إلى هذه اللحظةِ، التي أسمع فيها كلماتِك، أنعَم وليدُ النظرَ بحنانٍ، بادلته ابتسامةً عريضةً، تراءت على وجهِه الحنون، ناولته الياسمينَ الذي فاحَ عِطرُهُ من يدهاالعابقةِ بالود، أردفت قائلةً:
لا تنسَ أن تُحدثَ هذه الورودَ التي قطفتُها، من أجْلِكَ يا عطرَ حياتي..!.
محبوبتي .. حنان: إنَّ الحبَّ الّذي أسدلتِ نغماتِه على أوتارِ قلبي قدْ تكلّم، وأصبح يقيناً مُقيماً في حياتي، فهو الزائرُ الغريبُ الّذي يأْبىَ إلاّ المكوث, ولا مجال للتخلّصِ منهُ، إلّا إذا غاب هذا الحبّ، ولفظَ أنفاسَهُ خارج القلب، مُتربّعًا في زواياهُ؛ ليصبحَ فلسفةً في جميعِ حالاته، هذا الحبُّ الّذي جَمَعَنا هو الروح والقلب والجسد فالحبِّ أبديُّ الوجود، فلا يمكن الابتعادُ عنه إلّا في حالةِ الرّحيلِ الأخير ..
“حنانُ .. ذاتَ الربيعِ الأخضرِ، وقَوامُها الرشيق بِخُطىً مرحةً حاملةً، دفاتِرَها بيمينها، وظفائر شعرها خلفَ أكتافِها، ناثرةً عِطْرَ الشبابِ على صدرِها المخفيّ خلف (مريولٍ) مدرسيِّ أخضرَ، تستترُ بجمالها”.
*
صباحُكِ الجميلُ المليءُ بمَلامِحِ الأنثى الرقيقةِ، عطريّة الهَوى، مُتكاملةٍ، كأنها الكون، وأنا نجم حائر في أيّ مدار أسير..! وإلى أي شمس أرفع بصري..!، أنتِ الشموس وأنا كوكبٌ بعيدٌ بعيد ربّما .. لم أكن كوكباً حتى, هذا كُلّهُ – يا حنان – حين تصافح الياسمين بدفءِ يديك، وحين التقيْنا أصبحتُ أصبو أن تكوني مليكتي، وعَبقَ حياتي، ووحي مستقبلي, بكِ ولكِ سأختزنُ شوقَ اللقاءِ ليبقى جمالاً وإثارةً، أحِبُّكِ أكثر من نفسي أغار عليكِ من نسماتِ الهواءِ العليلِ، وجمالُكِ الأخَّاذُ، رَغْمَ أنّكِ مازلتِ في العتبةِ الأولى من الصبا، إلّا أنَّك فتاةٌ ناضجةُ المعنى، قدْ تثيرين دهشةَ الناظِرِ إليكِ .. من أوَّلِ نَظْرة.
عادا إلى البيتِ بحذر من عيونِ المارين, خوفاً من تَدَخّلِ النّاسِ، وحتى تَكْتَمِلُ السعادةُ في قلبيهما عن كلّ دقيقةٍ وثانيةٍ أمضياها معاً؛ “فبقيتْ هذه اللحظاتُ تَجُولُ في خاطِرهِ رَغْمَ المَطبَّاتِ الهوائيةِ التي حَلّتْ بالطائرةِ، لكنّ سيرتَهما ولقاءهما، أفضى إلى إبْعادِ لحظاتِ الخوفِ عن قلبِ وليد, حين استحضرَ محبوبته حنان”.
*

اقتربت الطائرةُ من مطارِ القاهرة، حاولَ الكابتنْ الهبوطَ فَلمْ يستطعْ مما اضطرَّهُ للدوران مرةً أخرى حتى نجح بالهبوطِ, بَعدها .. خاطبَ(الكابتن) الرّكابَ: أنَّ هناكَ خللٌ في الطائرةِ, ولنْ تَتمكنَ من الطيرانِ قبْلَ ثلاثة أيّام، فَكان لزاماً عليهم قضاء مدة إصلاح الخلل في ربوع القاهرة, قام وليد بالتفاهم مع سائق أجرةٍ؛ ليوصِلَهُ لمكانٍ يَقطُنُ فيه ثلاثةُ أيامٍ على أنْ يكونَ قريباً من الأهرامات, وأبي الهول، فَرَكَنْت المركبةِ بجانب بناياتٍ جميلة, نظرَ إلى الأطفالِ وهم يلعبون؛ فسأل أحدَهم عن مكانٍ للسكن فأشارَ له إلى البناية رقم 6 بين البناياتِ، ذهبَ وليدُ لحارسِ البنايةِ الذي ساعده على استِئْجارِ شُقّةٍ في الطابقِ الثالثِ من البنايةِ، عندها تذكر وليد شراءَ بعض الحاجاتِ لَهُ من البقال نزل للحارسِ يستفسر منه عن المكان، فذهب وابتاع ما يحتاجَه لشقتهِ.
*

وبعد خروجه بأمتار، .. شاهدَ طفلةً تجلِسُ على الرصيفِ وتبكي بحرقة, كانت لا تتجاوزُ اثني عشر من العمر، فقالَ يحدث نفسه: “أنا غريبٌ عن هذا المكان”. فلا يعنيه الأمر بشيء وهَمَّ بالمسير، انتابتهُ قشعريرةٌ بجسدهِ، اهتزّت لها صحوةُ الضميرِ، وتأنيبهُ على هذه الفعلة, قال بعَطفِ الأخِ لأختهِ سائلاً:
– لماذا تبكين كلّ هذا البكاء؟.
– فأجابته بألم: أضعتُ خمسة جنيهات وأنا ذاهبة لأشتري بعضَ الأغراضِ، وأنا الآنَ حائرةٌ، كيفَ سأعودُ وأخشى من عقاب أبي”.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: