من رواية: ” ليت شهدا…! “

لقد تعوّدت أن تُقابل كلّ تجاوزاته بالصّمت، حتّى يعود إلى رشده، فتغفر له زلّاته، ولا تكاد تستمرّ الحياة بينهما هادئة حتّى تتفرقع من جديد… أيقنت أنّ صمتها الّذي لا تتقن غيره، لم يكن الحلّ الملائم أبدا وما عاد يُجدي، فالفتق يزداد اتساعا مع كلّ خلاف وما أكثر ما اختلفا، حتّى كأنّهما ما اجتمعا إلّا ليختلفا!

تنهّدت تنهيدة حرّى من أعماقها وهمست لنفسها كمن تُعاتبها: ” آه، لو كنت أعلم أنّ هذا مآل العشق، ما كنتُ عشقتُ ولا ناضلتُ… ألا تبّا لي وللعشق ولكلّ العاشقين! ”
العاشرة ليلا ولمّا يعد، وقد بدأ النّعاس يغلبها! ” أين تراه ذهب؟! أتنام دون أن تنتظر عودته؟! أتؤجّل المواجهة إلى الغد؟! ولكن، ماذا لو لم يعد اللّيلة إلى البيت؟! أين تراه سيقضّي ليلته؟! ”
بدأت الهواجس والرّيب تتقاذفها يمينا وشمالا. ” هذه أوّل مرّة يغادر البيت ولا يعود إليه! أَوَصل به العبث والاستهتار إلى هذا المدى؟! أهو يثأر لنفسه وينتقم منّي لأنّي رفضتُ أن أتبعه إلى الرّيف في قيظ الصيف؟! تالله لن أذهب وليشرب من البحر! إن لم يعد الليلة، غدا أغيّر مفاتيح البيت وليغادره نهائيّا… ! ”
كان الغضب قد استبدّ بها حتّى جُنَّ جنونها وما عادت تدرك ماذا تفعل مع اشتداد الصّداع وتردّد السّؤال المركزيّ عليها في إلحاح يقرعها قرعا شرسا: أين تراه سيقضّي ليلته ولا قريب عنده هنا؟!
تعاظمت حيرتها، بمَ ستُجيب ابنيها غدا، عندما يسألانها عنه؟! أتقول لهما: إنّه قد غادر البيت إلى حيث لا تدري؟! وإن سألاها عن السّبب ولا سبب ظاهر لديهما، ألم يخرجوا في نزهة رائقة وكانوا بأفضل حال؟! أيّ ورطة أوقعها فيها! وإن طال غيابه، بمَ ستُجيب كلّ السّائلين عنه، بل كيف ستلقاه بالمعهد بين الزّملاء، أتتجاهله أم تتظاهر كأنّ لا شيء قد حدث؟! ولكن، من قال إنّه سيأتي إلى المعهد؟ هي تعرف جنونه وخاصّة إذا غضب، وتعرف ألّا حدود لنزواته وأنّه لا يخشى أقصى العواقب وأقساها… ولكن ما الّذي جعله يغضب إلى هذا الحدّ؟! ليست هذه المرّة الأولى الّتي ترفض فيها مرافقته إلى الرّيف! أيكون قد افتعل هذا الموقف افتعالا ليفجّر أركان البيت الّذي لم يعد سَكَنا يطيب فيه العيش؟! بدأت الشكوك تسيطر عليها: أتكون له خليلة أو صاحبة يأوي إليها؟! أتكون هي المغفّلة المخدوعة طيلة هذه السّنوات الأخيرة، فما من زوج ينقلب حاله رأسا على عقب إلّا بوجود امرأة أخرى في حياته لحست عقله واستحوذت على قلبه… أهذه نهايتي معك، يا… بدر، يا وغد؟! وبدأت نيران الغيرة تضطرم، فلم تُبق على عهدٍ أو ميثاق. وبدأت رماح القهر والغضب والثأر تصوّب هنا وهناك فما تركت مكانا في جسد الحبيب العدوّ إلّا أصابته فأدمته!
وفي غمرة هذا الغضب الصاخب، لم تجد بدّا من أن تُهاتفه، فقد تجده متلبّسا بجريمته، فتمحو شكوكها باليقين! لا أحد يردّ رغم محاولاتها المتعدّدة! أيكون نائما بين أحضانها ولا يريد أن يزعجه أحد؟؟؟ لكن، من عساها تكون؟ ! خمّنت وقدّرت وراجعت كلّ سلوكه مع صديقاتها وزميلاتها وقريباتها، فما اهتدت! جلّهنّ متزوّجات والآنسات حييّات محترمات!
ضاقت بحيرتها ذرعا… ذهبت إلى مكتبه تبحث عن أثر يُدينه! كلّ شيء في مكانه، حتّى محفظته وأوراق التّلاميذ والكتب المدرسيّة! فتّشت محفظته لأوّل مرّة بيدين مرتجفتين، لا شيء فيها غير كتب وأوراق وأقلام! أعادتها إلى مكانها وعادت من حيث أتت تجرّ أثقال ألم ضروس وخيبة مريرة. فتحت التلفاز دون رغبة. لا شيء راق لها. عادت إلى المكتب تستنجد بالحاسوب، فما وجدت له أثرا… ازدادت حيرتها وتعاظمت شكوكها ودقّات السّاعة تقرع رأسها قرعا مربكا. أظلمت القاعة وفتحت التّلفاز من جديد وتقرفصت على الحشيّة أرضا وقد آلت على نفسها أن تنتظره اللّيلة حتّى الصّباح! أقسمت بأغلظ الأيمان ألّا تغفر له هذه المرّة، ولتكن النّهاية؛ فقد نفد صبرها وما عادت تحتمل..

صفيّة ﭬم / تونس

تصدر رواية: ليت شهدا، قريبا بتونس

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: