تقديم لديوان “رفيف النوارس”. بقلم: محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة:

تقديم

لديوان “رفيف النوارس

للشاعر “خلف دلف الحديثي”. العراق.

 

بقلم – محمد فتحي المقداد. سوريا.

درب الآلام ما زال يتمدّد من القدس إلى بغداد، والحروف تتراقص مذبوحة من الألم على جانبيه، تترسَّم خُطى المسيح عليه السلام. حيرة الإقدام على كتابة كلمات عن ديوان شعر؛ مغامرة محفوفة بمخاوف الفشل، ولا شكّ أن المُهمَّة شاقَّة، ومُرهقة بتطوافها المُقلق في رحاب ديوان “رفيف النوارس“.

لحظات الوقوف تحرق دواخلي بِصمْتها المَهيب، عندما تتفرّسُني عيناي “خلف الحديثي“. نخلة الأنبار الشَّامخة، تُحاكي من عليائها نخلة “مريم – عليها السَّلام” في إيلياء.

وكأنّي بأمير الشّعراء “أحمد شوقي“، ولساني يُردّد معه:

“كلَّما أنّ بالعراق جريحٌ //  لَمسَ الشَّرقُ جنبهُ في عُمانِه“.

على خطِّ الأُفقُ ألمحُ نوارس “خلف الحديثي” عائدة من “سبأ“، تصدح برفيفها على تُخوم هالة الفراشات؛ تستلفتُ أنظار”عنترة” فارس بني عبس، لتقول له: يا سيدي لم يُغادر الشّعراء.. اِطْمئنْ فإنّ “خلف” ما زال قائمًا على حِمى أنباره..!!. ونوارسه تُرتّل أنغام الحبِّ والحياة:

أدري بأنّي لا سوايَ سيبتدي // وَقتي ويعزفُ للحياةِ (الأرغنا)

خلّيكِ في ضلعي خطوطَ قصيدةٍ // سأقولُ أهواها وأهوى الميجنا“.

وللشاعر أن يحاكي اللّيل، ويُهدهد أشجانه ونشواته، ومعاقرة فكرة يطلق النار على هواجسه وربّما أحلامه وطموحاته إذا غضب لغضب محبوبته وأمته ووطنه.

ولا أرى في العنوان “رفيف النوارس” إلا خديعة لمشاعر القارئ، وتوريطه في متابعة تناقُلات الوجع والألم والقلق والحزن والخوف التراكُميَّة، هذه الأحمال ناءَ بها قلب الشاعر؛ فألقاها بذرة في ذاكرة مثقوبة، كأنّه أراد لها الضياع في مجاهيل النسيان.

برفيف مُفرحٍ.. ونوارس بيضاء نقيّة في زمن السَّواد؛ لتأتي ديارنا من جديد، وتنصبُ رايات العزّ والفَخار، حاملة أكاليل النصر على أجنحتها، وتزيل آثار القدم الهمجيّة.

وتبقى جدليّة طائر النورس والبحر قائمة في نفس حائرة، قائمة في صحراء تستجدي قطرة ماء؛ لِتَبُلّ جوف الشاعر المُتحرّق؛ لإطفاء نيرانًا نهشت دواخله، وهو يتمثّل وطنًا جريحا مُستباحًا.

وفي حملة استقصائيّة لديوان “رفيف النوارس“، في محاولة لاستدراج بعضًا من دلالات الجُمَل والتعابير، لاستنطاقها، وإثبات حالتها كما هي بلا تأويل أو تفسير؛ ليتعرّف إليها القارئ بشكل مباشر بلا واسطة، وذلك على سبيل الاستشهاد لا الحصر، ومنها:

وعلّقتني جراحي في فم الدّهر“. “مِعوَل الغدر“. “ثورة الفكر“.”يا معول الماء“. “في باب قبري.. فمي أجرى مُحاورَة” “جاسَت يدي قلقي“. “حضارة الجوع في صدري تُجرّدني“.

أدري بأن الله صاغ الأسئلة // وبأنّ موتي بعض تلك الأمثلة“. “فأباح ذاكرتي بسطر الحنظلة“. “يزرع في عيوني قنبلة“. “وتهرسني شفاه الزلزلة“. “وغايات الرماد معطلة“.”أنا جوع أوجاع“. “جرحت أكُفُّ الليل ثغر معابدي“. “أنا عائد من حرب ذاتي كلها // وبدربي حرب المآتم موغلة“.”من علم الأحزان تحمل رايتي// وتدور في دروب النوي موغلة“.” من قايض الأحزان في جوع الرُّؤى“. “في انثيال السُّكْر أغتسل“.” الريح تزرع في بستان ذاكرتي دم الفراشات“.” تريقُني في مِداد الوقت وَشْوشَتي“.

طائفة من الكلمات تجمهرت هنا، لتُشكّل رؤية مبدئيّة لهوية الديوان، وقصائده ذات الانتماء المكانيّ المهموم المفجوع بحلم وطن كان، وكأنّي أستمع للسيّاب في رائعته الخالدة “أنشودة المطر” التي سردت هموم العراق:”أكاد أسمع العراق يذْخُر الرعودْ// ويخزن البُروق في السّهول والجبالْ// حتى إذا ما فضَّ عنها ختمها لرّجالْ//لم تترك الرياح من ثمودْ//في الوادِ من أثرْ//أكاد أسمع النخيل يشربُ المطرْ//وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرينْ//يصارعون بالمجاذيف وبالقلوعْ//وفي العراق جوعْ//وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ//لتشبع الغربان والجَرادْ//وتطحن الشّوان والحجرْ//رحىً تدور في الحقول… حولها بشرْ“.

قصّة العراق حزينة يرويها شعرًا “خلف الحديثي” كما رواها “بدر شاكر السيّاب“، كما روّى الفرات ودجلة حياة العراق. هنا تذوّقتُ طعم الشعر من منبعه الثالث.

 

عمّان – الأردن

٢٤/ ١١ /٢٠٢١

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: