أدب الكوارث / بقلم : ابراهيم مشارة                                                           

الطواعين والأوبئة سنة طبيعية من سنن الحياة على هذه الأرض لازمت الإنسان منذ ظهوره على هذه البسيطة إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها إن التنازع القائم بين الموت والحياة والتقدم والتخلف والخير والشر والعلم والجهل والصحة والمرض هو ما يعطي للحياة معناها وللتقدم سيرورته فالأوبئة بالرغم من فداحة وقعها هي نوع من التوازن الطبيعي  بين الحياة والموت ففي كل عصر حدثنا التاريخ عن أوبئة ضربت الأرض وحصدت أرواح الآلاف بل الملايين ومهما تطور العلم وتقدمت الحياة تظل الأوبئة ملازمة للوجود الإنساني بله والكائنات الحية وفي كل عصر يجابه العلم بتحد جديد ينفق العلماء الوقت وتنفق الدول المال بحثا عن لقاح وعلاج حتى إذا ظفرت البشرية بذلك واطمئن الناس ظهر وباء جديد وتحد جديد وتلك هي سنة الحياة على هذه الأرض.

في التاريخ القديم تحدثنا الكتب التاريخية عن طاعون جنستنيان الذي ضرب روما بين سنتي 541و542م وفتك بالآلاف ثم حدثنا التاريخ الإسلامي عن طاعون عمواس وعمواس قرية بفلسطين ظهر فيها ذالك الوباء الذي فتك بالآلآف من المسلمين منهم خيرة الصحابة كمعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح – أمين الأمة-  وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان ثم الطاعون الجارف الذي ظهر في العصر الأموي وقيل أنه فتك ب15000عروسا لكن الموت الأسود أو الطاعون الأسود كما يسمى كان الأدهى والذي ظهر في أروبا في القرن الرابع عشر وقد كان هذا الطاعون بداية الازدهار الأروبي  على الرغم من فداحة المصيبة إذ لم يبق إلا على 30 بالمئة من سكان القارة الأروبية.

لا يذكر أحد الطواعين إلا وذكر جهود الشيخ الرئيس ابن سينا في التشخيص والعلاج فقد تحدث عنها وإن كان لم يعرف السبب بدقة فلم يكن العلم ولا الطب توصلا إلى اكتشاف الميكروب أو الفيروس ولكن ابن سينا اكتشف فائدة العزل أو الحجر الصحي فكان يعزل المرضى أربعين يوما فيموت من يموت ويكتسب المناعة من يكتسب وهكذا يمنع العدوى من التفشي  ومن ابن سينا أخذ الطب الحديث بالحجر ومازالت الطريقة العلاجية اليوم تسمى الأربعينية “الكرنتين” ومما يروى أن ابن سينا امتنع عن مصافحة ومعانقة صديقه العالم البيروني فلما استفسره عن السبب قال له إن المعانقة طريق إلى العدوى ،  ومن أقوال الشيخ الرئيس الخالدة : “الوهم نصف الداء،والاطمئنان نصف الدواء والصبر بداية الشفاء “كثرت الطواعين في العصور الوسطى وكان البحارة هم  جالبوا المرض فكان يعزلون في جزر مدة أربعين يوما ومن لم تظهر عليه الأعراض يدخل المدينة.ولم تكن الطواعين تخصص بمرض بعينه فهناك الطاعون الذي تسببه الجرذان والجدري وهناك الأوبئة كالكوليرا والتفوئيد وصولا إلى الإيدز في القرن العشرين والذي يصل عدد الحاملين لفيروسه إلى الملايين ومن المفيد الذكر أن هذا الوباء  الذي يخيم السكوت عليه  ويرمى به السود في تعريض عنصري مثلما عرض باليهود في الطاعون الأسود واعتبروا من سبب المرض ومثلما يعرض بالجنس الأصفر اليوم ويعتبرون من تسبب في فيروس كوفيد19، فتك الإيدز ببعض الأعلام كالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو والشاعر الكوبي رينالدو أريناس ومن  نجوم الفن روك هودسون وأنطوني بيركينس.

ولاشك أن الحمى الإسبانيولية هي كارثة القرن العشرين ويتراوح عدد الهالكين بها 50 مليون ضحية .

ومن المؤكد أن وباء كوفيد 19 هو وباء القرن الواحد والعشرين وبالعودة إلى تصريحات بعض العلماء فإن هذا الوباء على المدى الطويل سيصيب عددا لا بأس به من سكان الأرض ولأنه يقتل في العادة 2 بالمئة فيمكن التنبؤ بضحاياه في كل بلد وإنها لبلية ما بعدها بلية ! ويبدو إن قدرنا هو أن نعيش مع الفيروس ونحتاط له بعد أن رأينا استراتيجية دول العالم هي الجنوح إلى ما يسمى بمناعة القطيع –التقليل من عدد الضحايا ما أمكن- مع ضرورة الأخذ بالاحتياطات الصحية وأهما التباعد الاجتماعي مادام اللقاح غير موجود والغلق المتواصل للمدارس والمصانع والمؤسسات غير ممكن أن يستمر إلى مالا نهاية ومن المؤكد حسب تباشير العلم وتوقعات العلماء باكتشاف اللقاح أن الطب سيتوصل إلى لقاح لهذا المرض ولكن يظل الإيدز قاصمة الظهر وما يظهر بعدها من فيروسات وأوبئة في مسار الإنسانية الطويل سوف يظل تحديا للجنس البشري على هذه الأرض وتلك هي سنة الحياة وقانون التنازع بين الصحة والمرض والحياة والموت وتلك هي قصة الجنس البشري على هذه الأرض ومن المصائب تولد المسرات ومن الأوبئة تتطور القوانين والحياة وتتزايد الكشوف والاختراعات .

كما عني الأدب بالكوارث سواء على المستوى الشخصي أو المستوى القبلي أو الوطني أو الإنساني فعلى المستوى الشخصي تظل فاجعة الملك الضليل امرئ القيس حديث المجالس الأدبية فمرض الزهري الذي فتك بالشاعر ظل خالدا في أبياته الشعرية:

وبدلت قرحا داميا بعد صحة

فيا لك نعمى قد تبدلت أبؤسا

فلو أنها نفس تموت جميعــة

ولكنها نفس تساقط أنفســـــا

ولو أن التفسير الأسطوري يرجع السم إلى حلة مسمومة أهداها القيصر للشاعر الذي لاذ به يطلب العون للثار من قتلة أبيه ولكن التفسير الصحيح هو مرض يسببه ميكروب الزهري نتيجة العلاقات الجنسية كما قرر غير واحد من مؤرخي الشاعر.

وكان الطاعون الذي عرفته مصر سببا في هلاك خمسة من أبناء الشاعر الكبير أبي ذؤيب الهذلي فخلدهم بقصيدته الذائعة:

أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّـــــــعُ

وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ

قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِبــاً

مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَـــــعُ

فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّـــــــهُ

أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا

أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً

بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِــــعُ

وفي هذه القصيدة بالذات أبيات جرت مجرى الحكم بين الناس إلى اليوم.

كما تعد فاجعة الشاعر مالك بن الريب فاجعة خالدة فهذا الشاعر الغاوي وقاطع الطريق الذي تاب وأناب ووهب روحه جنديا في سبيل الله في جيش عثمان بن عفان هلك في بلاد فارس مسموما بسم عقرب ونظم قصيدة خالدة في مرضه وآلامه قبل أن يلقى حتفه:

ألاَ لَيتَ شِعرِي هَـلْ أبيتَنّ ليلــــــــــــة

بجَنبِ الغَضَا ، أُزجي القِلاص النّواجِيا

أَلمْ تَـرَني بِـعتُ الضّـلالةَ بالهُـــــــــدى

 وَأَصْبَحْتُ فـي جيشِ ابنِ عفّان غازيا

فيا صاحبَي رحلي! دنا المَوْتُ، فَانزلا

 بـِرابِيَـةٍ ، إنّـي مُـقِيـمٌ لَيـاليِـــــــــــــــا


خُـذَاني ، فجُـرّاني بِبُرديْ إليكمــــــــــا

 فقـد كُنْتُ ، قبل اليوم ، صَعباً قِياديــا

ولم تغب الكوراث العالمية عن الشعر العربي فزلزال مسينا الإيطالية الذي ضربها عام 1908 دفع بشاعر النيل حافظ إبراهيم إلى نظم قصيدته الخالدة والتي تعاطف فيها مع المصاب الجلل ووصف أهوال الناس وحجم الكارثة :

بِّئاني إِن كُنتُما تَعلَمـــــــــانِ

ما دَهى الكَونَ أَيُّها الفَرقَدانِ

لَيسَ هَذا سُبحانَ رَبّي وَلا ذا

كَ وَلَكِن طَبيعَةُ الأَكــــــــوانِ

ما لِمَسّينَ عوجِلَت في صِباها

وَدَعاها مِنَ الرَدى داعِيــــانِ

خُسِفَت ثُمَّ أُغرِقَت ثُمَّ بــــادَت

قُضِيَ الأَمرُ كُلُّهُ في ثَوانـــــي

رُبَّ طِفلٍ قَد ساخَ في باطِنِ الأَر

ضِ يُنادي أُمّي أَبي أَدرِكاني

وَفَتاةٍ هَيفاءَ تُشوى عَلى الجَم

رِ تُعاني مِن حَرِّهِ ما تُعاني

 

وكذلك فعل الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة حين وصف في قصيدته عن هيروشيما مأساة هذه المدينة التي ضربتها أمريكا بالقنبلة الذرية  عام 1945فقتلت الأنفس وأبادت معالم الحياة في هذه المدينة المنكوبة والفرق هنا أن الكوارث السابقة كانت طبيعية غير أن هذه الكارثة سببها الإنسان باختراعاته المدمرة وأنانيته المفرطة.

كرة واحدة في” هيروشيمــــــا”

تركت كل مبانيها هشيمـــــــا

نشأ العلم ملاكا طاهـــــــــــرا

واستحال اليوم شيطانا رجيما

والأكيد أن وباء كوفيد19 سيترك بصمته على الأدب والسينما والمواعظ والتاريخ  وهانحن نشهد فصولا من ذلك في رمي الجنس الأصفر بالمعرة وفي الاحتياط من الجيران لأنهم ربما مصدر العدوى وفي التهنئة والسؤال عن الأهل بالهاتف دون زيارات  وفي غلق الساجد ودور العبادة وفي إلغاء فريضة الحج ربما  وفي بداية ظهور روايات بطلها فيروس كوفيد19 وفي مقالات عن تجربة الحجر الصحي….. وستتحدث الأجيال عن الوباء الذي ضرب الأرض عام 2020 وتلك قصة جديدة كتب لنا أن نشهد فصولها نسال الله السلامة والعافية.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!