كش ملك / بقلم: أميمة راجح ( اليمن )

ارتفعت سخونة الكرسي الحديدي المجلس عليه للحد الذي لا يحتمل، وكذا سلاسل القيود الثقيلة حول أطرافي، حاولت التجلد ولكن جلدي سُلخ، وتهدلت شفتاي الجافتين، وشعرت بعطش شديد وناديت بصوت ضعيف:
‘يا عسكري ياعسكري’.
لعله يرحمني بقليل من الماء أو يعيدني لغرفة المتمردين المظلمة والمتعفنة أتاقسمها مع الأفاعي خير من هذا الجحيم.
وتلاشى صوتي مع صوت الفسيل* وهو يقول: “هنا صنعاء اذاعة الأحرار اذاعة الثوار اذاعة الشعب اذاعة الجمهورية اليمنية العربية.”

وقطعا كلماته لم تخرج للهواء الطلق بل لقلبي، سحرها فك قيود العبودية وأخفى الكرسي اللعين وناره المشتعلة بي وأشرقت القلعة الرمادية على غير العادة، وطيرتني بهجة السحر عاليا فرأيت حجة الشامخة تبتسم أخيرا.

عدت بانتباهي للراديو تاركا نشوتي الغامرة جانبا خائفا أن يغلقه أحدهم قبل أن يحتلني اليقين حتى آخر وريد، لكن وياللعجب! الراديو استمر بسحره الخلاب وكرر على مسمعي بل على الظلم الذي كسر ظهري الجمهورية الجمهورية الثورة الثورة فالعساكر منشغلون بأمر ما -لم يثر فضولي وقتها- وحالفني الحظ لتزف لي الحياة على غفلة من سجاني.

فجأة اقترب مني صبي في الرابعة عشره -ابن أحد الشيوخ- فك قيدي مرتجفا وهمس: لنهرب إنها فرصتنا فلن يشعروا بنا في هذه الفوضى.

كنا بعض نساء بيت الإمام وخادمتهن يصرخن ويولون مما أربك العساكر، وسيطر الذعر حتى على المساجين والرهائن فالصبي محق والكرة في ملعبنا.

فتحت باب القلعة الخشبي الثقيل وقلت: اخرج.
حرك رأسه مستفسرا فقلت:لازال لدي مهمة هنا.
خرج مسرعا لا يأبه بالمنحدر الشديد خارج باب القلعة وعيناه تفيضان بدموع الشوق فعشر سنوات كاملة قضاها بقلعة القاهرة كرهينة يضمن بها الإمام ولاء قبيلته كانت كافية لتعلمه بأن العبودية المرادف الحقيقي الوحيد للموت.

توجهت نحو القصر وصرخت بصوت عالي: توقفن عن النحيب لن يمسكن أحد بسوء أنتن بوجهي وحمايتي حتى تعدن لأهلكن سالمات فلا ذنب لكن فيما يجري.

وأشرت للعساكر الفرحون مثلي تماما – وربما أكثر- وطلبت ان يحموهن بصوت مرتفع.
وأجابوا جميعهم: “فوق الرأس والعين” .
توقف العويل وتلاشى الضجيج شيئا فشيئا وحل صمت مهيب على القلعة إلا من سحر اذاعة الأحرار.

تجولت بباحة القلعة الواسعة تأملت المسجد والمدرسة وغرف النوبات والممر السري واكتشفت للتو كم هي جميلة هذه القاهرة، لعيون الأحرار ضوء ينير جنبات المكان،
لوحت لأشجار الرمان والجواف والفركس* وألقيت بعض الحجارة على البرك المنتشرة كطفل يجرب مشاهدة الرقص على الماء بسعادة بالغة.
في طريقي لصنعاء الثائرة تلفت كثيرا أودع حجة وقلعتها تطل عليها من جميع الجهات كأنما كانت أم ترفد جنباتها بالحنان، وعرفت ماذلك الشيء الذي ينقص مدينة حرة منذ نشأتها الأولى، إنها المعرفة هكذا فكرت وشقت ابتسامة نصر وجهي الهزيل فالثورة ستمنحنا المعرفة أفرادا ومدن وبهذا لن يجلس على ذلك الكرسي أحد، ولن تصبح القيود ثقيلة أيضا، في النظرة الأخيرة لاح لي آخر مافعلته داخل القلعة.
وقفت أمام الفصر وقلت بصوت عال: من المسئولة بالداخل؟
وفي الحال وصلني صوت امرأة شديد الصرامة : سيقتلكم سيدي البدر جميعكم يا جهلة.
كان الحقد لون تلك الجملة الوحيد.

قلت لها: اذا إلتقيتم مجددا بلغيه تحيتي فأنتِ دون شك تعرفينني وقولي له الثائر في قلعة القاهرة يقول لك ‘كش ملك….. اللعبة انتهت’

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!