خالد عواد الأحمد يحاور الكاتب السوري محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة:

 

الكاتب السوري “محمد فتحي المقداد”: الوعاء الروائي يتّسع للواقع بتفاصيله الدقيقة

حوار: خالد عواد الأحمد:

يحاول الروائي والقاص السوري “محمد فتحي المقداد” في أعماله الأدبية التي صدرت خلال السنوات الأخيرة اقتناص كل ما هو جوهري وتاريخي وامتلاك شكل إبداعي صارخ بذاتيته، وأصدر الكاتب الذي يعيش في مدينة إربد الأردنية ويعمل حلاقاً. ليكسب قوت يومه العديد من الروايات والأعمال الأدبية المنوَّعة، ومنها رواية “بين بوابتين”، و”دَعْ الأزهار تتفتَّح”، ورواية “دوامة الأوغاد” ورواية “شاهد على العتمة” التي صدرت في بغداد ورواية “الطريق إلى الزعتري”، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين إحداهما بعنوان (زوايا دائرية)، والأخرى (سراب الشاخصات)، إلى جانب كتاب نقدي حمل عنوان (مقالات مُلفَّقة).
هنا حوار أجرته مجلة “الأدباء” الإلكترونية معه :
*هل يمكن أن نترَّسم بعضَ ملامح من طفولتك الأولى، ومدى انعكاسها على تجربتك الروائية على صعيد الواقع والحلم والذاكرة؟
امتصَّ دمي لون تُربة بصرى الشام، وسُحْنتي النُّحاسيَّة الغامقة اكتسبت اسمرارها من سواد حجارة سرير بنت الملك، ومئذنة العروس، ولدت فيها سنة الصَّهاريج أيَّام العطش 1964، لأبويْن انفصلا منذ شُهوري الأولى، توزَّعت مشاعري ما بينهما، وبصرى مسرح لمدارج طفولتي، ونشأتي الأولى، وعيتُها قرية، وتركتُها مدينة أواخر 2012 في تهجير قسريّ.
اصطحبتُ ذاكرتي مشحونة بتفاصيل بُصرى، باحثًا عن ملاذٍ آمن لأطفالي في مُخيَّم الزعتريِّ. شهادتي الثانوية ما زالت مُعلَّقة هناك على جدار غُرفتي، لهيب الحزن أحرق نصف ذاكرتي؛ باحتراق مكتبتي فخر ممتلكاتي الأثمن والأسمى.
بدأت بكتابة روايتي (الطريق إلى الزعتري) قبل خروجي من بيتي بمسافة زمنيَّة، توزَّعت كتابتها على مساحة ثلاث سنوات، طُبِعَت بداية 2018، وقد سبقها كتابة رواية عن الثورة (دَعِ الأزهار تتفتّح)، وقبلهما كانت ذاكرة المكان في رواية (بين بوابتين). البُوَّابتان هما (بوَّابة الهَوَى، والبوَّابة النبطيَّة)، وبعدها ولدت رواية (تراجانا) فنتازيا تاريخيَّة متزاوجة مع الواقع. إضافة لمجموعة قصَّة قصيرة (زوايا دائريّة)، ومجموعة ق.ق.ج (سراب الشاخصات)، وأعتبرً جازمًا أن ولادتي الثانية 2015 تزامنت مع بِكْري كتاب (شاهد على العتمة)؛ عندما رأى النور في بغداد، ثمّ تكررّت ولادتي الثالثة بصدور روايتي (دوَّامة الأوغاد) العام 2016، ومع صُدور كتابي (مقالات مُلفَّقة)؛ ليكون مُختلفًا متمايزًا عن الرواية والقصة.

الواقع ووعاء الرواية
*اخْترتَ لروايتك (الطريق إلى الزعتري) حيِّزاً مكانيَّا: هو قرية (مَوْج)، ما سبب اختياركّ لها كَبُنيَة مكانيَّة في الرِّواية، وما علاقتُك بهذه القرية.
للخروج من دائرة التَّشخيص، ولأنني أعتبرُ أن كِفاية الحدث أعظم من جُزئيَّات التسميات، ابتعادًا عن توقُّعات الخلافات والمهاترات، ترسّخ لديّ فكرة الهروب إلى رمزيّة الاسم، باختيار كلمة (مَوْج) دلالة على كلِّ ما حدث في سوريَّة من جُنوبها إلى شمالِها، ومن شرقها إلى غربها، وتولدّتْ فلسفة الكلمة: من توتُّر البحر الدَّائم النابض بحياة دائمة.
*في عالمكَ الروائيِّ تنقُلُ لنا اليوميِّ، والآني برؤية جديدة وإحساسٍ بِكْرٍ.. كيف يمكن للتفاصيل الدقيقة، والآنية برأيك أن تكتسبَ ديمومة خاصَّة إذا كانت قابلة لتأويل الواقع وتقييمه؟.
الوعاء الروائي يتّسع للواقع بتفاصيله الدقيقة، وقادر على تجسيده إلى مادَّة مقروءة تتناقلها الألسن مُتناولة لها بالقراءة، والنقد والحكم عليها أو لها. وما كُتِب سيُقرَأ لاحقًا إن لم يُنتَبه له حاضرًا، ومن هذا المعنى؛ فيكون قد اكتسبَ صفة الخُلود، عندما تتناقله الأجيال القادمة. وعلى رأي أحد الشعراء حينما سئل عن الفنِّ الروائيِّ، قال: “بأن الرواية هي انتقام الشعوب من حكامها”، حينما انتقلت لتسجيل حياة البسطاء الذين لا صوت لهم؛ فكانت صوتهم، وصورتهم الصَّادقة بلا رُتوشات وتزويقات.

الرقيب بالمرصاد :
*تُركِّز في روايتكَ (الطريق إلى الزعتري) على البُعد الإنسانيِّ، وقصص البُسطاء والمُهمَّشين في ظلِّ الحرب؛ مما يجعل القارئ مُتعاطفًّا مع أحداثها، ما علاقتُكَ بهذه الشُّخوص، وهل هي واقعيَّة أم من نسج الخيال؟.
مؤكّد أن نسج الرواية جاءت مزيجًا دراميًّا من الواقع والخيال الأدبيِّ، مما أتاح لي هامشًا واسعًا مُريحًا لحركة شخوص الرواية، وتعدديٍّة الأصوات في طيّات السّرد.

* لا زالت الأعمال الأدبية وبخاصة الرواية منها دون المستوى المأمول في توثيق إرهاصات الحرب في سوريا هل أنت مع هذا الرأي وما الأسباب برأيك ؟.
لا شكَّ ببطء هذا المسار لظروف خارجة عن إرادة الكتّاب الروائيِّين، ضيقُ العيش، وحياةُ القلق والخوف من المجهول في داخل سوريَّة وخارجها، الأمر الذي منَعَ انطلاق آفاق الكتابة والإبداع، مع ذلك رأيتُ العديد من الأعمال التي وُلدِت من رَحِم الحرب، وهناك أسماء جديدة لامعة استطابت الحياة في مناخ الحريَّة؛ فأبدعت.

*إلى أيِّ حدّ تشغَلُكَ مسألة الحريَّة في الإبداع، وإلى أيّ مدَى تُمارس حريَّتكَ الخاصَّة على الورق الأبيض، بعد أن تخلَّصتَ من إسار الرَّقيب؟
لا أستطيع أن أفكّر ما دام الرَّقيب يقفُ بالمرصاد لكلماتي؛ فالتحرُّر من إساره وقيوده؛ أطلق العَنَان لرُؤايَ لترتفعَ في سقف التفكير؛ فراحت تتلمّس حدود الكون من كافّة اتّجاهاته. بياضُ الورقِ خلاصٌ من سوادٍ قاتمٍ يُحيطُني مُحاولًا تكبيلي، والحَجْرُ على أفكاري؛ لتجييرها إلى أمر مُغايرٍ لقناعاتي.

الطريق إلى الوطن.. أجمل من الوطن
*يحضرُ المكان بحميميَّته الآسرة في العديد من أعمالك، وبخاصة “بُصرى الشَّام” رغم ابتعادك القسريِّ عنها لسنوات.. ما سِرُّ هذا الارتباط الحميميِّ بهذه المدينة وما الذي تُعنيه لكَ كإنسانٍ، وأديب سوريٍّ؟.
لا شك أن المكان عزيز على قلوبنا جميعاً بما جرى فيه من أحداث، والحَدَث هو ما أكسب قيمة عُليَا للمكان الجامد، وبما بقي من ذكريات فيه”. وبُصرى الشَّام التي شهدَتْ وِلادتي، ويَفاعتي، ومراتِعَ طفولتي هي الكون بأجمعه.. وصورتُها أزهى صورة في ذهني، وهي مُلهِمَتي بآفاقٍ واسعة، وبما أدرِكُ من صور الحياة المُختزَنة في ذهني، والأماكن تاليًا ترتحل معنا وفينا وإن غادرناها. وفي البُعد تزداد ألقًا وسمُوًّا في أرواحنا، وزُهُوًّا في قلوبنا، وعلى رأي الشاعر محمود درويش: (الطريق إلى الوطن.. أجمل من الوطن).

فوق الأرض… تحت الأرض:
* لك رواية عن الحرب السورية بعنوان ” فوق الأرض” تتناولُ فكرةَ السِّلميَّة، ونبذ العنف، والعنف المُضَادِّ، وحمل السلاح. حدِّثْنا عن الفكرة التي تُريد إيصالها من هذا العمل الروائيِّ.
لاشكَّ أنَّ العُنفَ، والعُنف المُضادِّ تسبّب في مأساة كبيرة تأثّرت بها كلّ الشّرائح الاجتماعيّةِ، والإثنيّات الدينيّة والقوميّة، وخلق حالات فظيعة من التهجير القسريّ انتشرت على مختلف بقاع الدّنيا، والظلم السياسيّ الذي تعرّضت له معظم فئات المجتمع السوريّ على كلّ الأصعدة؛ ساهم في تشتيت شمل المنظومة الاجتماعيّة إلى فئات مُتناحرة ما بين تأييد ومعارضة، وظهرت مصطلحات جديد ناتجة عن الحرب التي امتّدت لسنوات ناهزت العشر ولا تزال. وروايتي ” فوق الأرض” التي كُتِبَت بأسلوب حداثيٍّ، تُحاول مقاربة هذا الواقع مُبتعدةً قدَرَ الإمكان عن النقل المُباشَر للحدث المُنبَثِق من الواقع، مُقدِّمًا الفكرة فيها من خلال الاشتغال على المونولوجات الداخليّة للأبطال.

*ماهي دلالات عنوان رواية فوق الأرض وإلامَ يرمز؟.
في الحقيقة استوحيتُ هذا العنوان من خلال مهنتي كحلاق؛ فذات يوم كنتُ أسأل زبونًا يجلس على كُرسيِّ الحلاقة لقصّ شعره: عن حاله، فأجاب: (فوق الأرض)، ولم تَكَد الكلمة تُلامس سمعي؛ حتَّى سارعتُ إلى تدوينها في دفتري الخاصِّ، وهذه الحادثة الصغيرة جعلتني أتفوَّقُ على نفسي في البحث عن هذه الكلمة لمدة سنة كاملة، ولم أجدها، وجاءتني بطريق الصُّدفة البَحْتَة دون تخطيط منّي أو تعب. وبعد ذلك انفتحت بذهني آفاق عمل روائيٍّ، تكلَّل باكتماله بعد عامين من هذه الحادثة، وقبل أيَّام تعرضت لسُؤال من صديق: (وهل كنتم تحت الأرض، والآن أصبحتُم فوق الأرض..؟) وللأسف في حالة شعبنا السُّوريّ، الآن تساوى عندنا إن كنَّا فوق الأرض أو تحتها، صار الأمر سِيَّان، كوننا أخذنا نصيبنا الكافي من الظُّلم والسِّجن والقمع والتهجير”. وشخصيَّات روايتي ” فوق الأرض” هي خليط من الواقع والخيال، والخيال بجملته يستند إلى كثير من الواقع، وهو مخرجٌ مُريح للكاتب الروائيِّ من دائرة الخلافات الشخصيّة حول شخص ما، ربَّما لا يعجبه ما كتبه الروائيِّ، خاصّة إذا اعتبر ذلك إهانة شخصيِّة؛ فيقع المحذور منه بإعاقة مسيرة الكتابة. والرواية بمجملها ركّزت على مُخرجات الثورة السوريّة، بعدما اتّضحت الصّورة تمامًا.

بتوقيت بصرى
*بالتوازي مع مشروعك الروائيِّ أصدرت منذ عامين مجموعة قصصية بعنوان “بتوقيت بُصرى”، وهي عبارة عن اِلْتقاطات حياتيّة من واقع المجتمع السوريّ المرير فيما قبل 2011. حدِّثْنا عن عوالم هذه المجموعة القصصيَّة، والخيْط النِّاظم لها.
ترصدُ أقاصيص “بتوقيت بصرى” التي جاءت بلا عناوين حالات كثيرة من الظُّلم، والتظالم فيما بين أبناء الأسرة الواحدة، وأبناء العمومة، والجيران، وأهل القرية المفترض بهم أن يتناصحوا، ويُناصِروا بعضهم بعضًا بِرَدِّ الظُّلم عن المظلوم، وتأجيج الصّراع الاجتماعيّ على أشُدِّه؛ لتفتيت المنظومة الاجتماعيّة، وتعهير قِيَمها الدينيَّة والأخلاقيّة، ووضعها في مطحنة لا تُبقي ولا تذر، والكتاب عبارة عن مجموعة أقصوصات؛ تعود بالقارىء زمنيًّا بأثر رجعيٍّ إلى سابق أيّامنا المُتميّزة بقبضة أمنيَّة قاسية، لا تتردّد بإحصاء الأنفاس على النَّاس جميعًا بلا تفريق. وتشابه الحال في بلدنا ما بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، المُتّسم بالخوف والرّعب على جميع الأصعدة. والمُفارقة أنَّ معظم أبطال قِصَصي بتوقيت بصرى من المُخبرين والجواسيس الذي باعوا ضمائرهم، ولم يكن لهم رادع، ولم يلتفتوا لأواصر الدم والقربى، مقابل مصالحهم الشخصيّة الضيّقة، وعلى كثرة هؤلاء فلا مصالح مكتسبة لهم، إلا أن يكونوا أعوانًا وأزلامًا وعصًا، ومخالب للمُتحكِّمين بمصير البلاد والعباد، إضافة لبعض الخواطر، والتَّساؤلات التي ما زال أثرها راسبًا مُؤلمًا في مُخيّلتي، وللأجيال القادمة كامل الحقِّ أن تعرف الكثير عن دقائق حياتنا، وضيق فُسحتها المحرومة من الحريّات العامّة.

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. فاز بجائزة (محمد إقبال حرب) للرواية العربية لعام 2021م. الروايات المطبوعة هي تشكيل لرباعية الثورة السورية. -(دوامة الأوغاد/الطريق إلى الزعتري/فوق الأرض/خلف الباب). ورواية (خيمة في قصر بعبدا)، المخطوطات: رواية (بين بوابتين) ورواية (تراجانا) ورواية (دع الأزهار تتفتح). رواية (بنسيون الشارع الخلفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!