قرءاة في ديوان الشاعر (و لليمام ما يشاء من مدى )للشاعر مختار عوض بقلم الناقد الشاعر عبد البر علواني

قراءة في ديوان الشاعر مختار عوض، ولليمام ما يشاء من مدى

مختار عوض

ولليمام ما يشاء من مدى

جمعتني به القصيدة أعمق مما جمعتني به الجغرافيا والتاريخ،فما زلت أختزن في ذاكرتي من وهج لقاءاتنا:بكاء القصائد الملسوعة بالعشق،لهاث الشاي المتصاعد من رئة البراد،تراتيل الكأس الخزفي وهي راكعة على الشفاة،صوت ماكينة الحياكة وهي تعزف سيمفونية الكدح،والكفاح،مازلت أختزن كل ذلك من وهج اللقاءات الحميمية على امتداد عمرينا.
لم أفهم كيف اعتقلته الرياضيات بين أقواس معادلاتها عمرا بأكمله،فهو لايرى الحياة إلا بعيون شاعر،وكأنما الشعر بالنسبة له حساب شعوري،يعدم الأرقام بالشوق،ويحصي ذلك العدم.
حينما أتحدث عن (مختار عوض) لابد أن أفتح كراسة الوعي الشعري على قصيدته التي اتخذها عنوانا لديوانه(ولليمام مايشاء من مدى)
عنوان الديوان ينبئ عن رغبة في التحليق والطيران الحر في ربوع الوطن،فالشاعر أكثر الناس حساسية للتحليق،فهو مثل الطائر يعشقه.
والطائر له جذور تراثية قديمة منحته في كثير من الأحيان درجة التقديس وألبسته ثياب الحكمة والورع،وروح الخصوبة والحياة الدائمة،فهو يشاطر الإنسان أحزانه وأحلامه وآلامه، فاعتماد مختار عوض على الرمزية التقليدية تنبع من أسطورة الهديل التي تقول:
“بأن أبا الحمام صاده جارح من جوارح الطير في عهد نوح عليه السلام ،فصار صوت الحمام حتى اليوم إلا بكاء عليه(الهديل) ومن هنا أطلق العرب على صوت الحمام واليمام هديلا.
فاليمام عند مختار عوض حمل دلالة جديدة للحرية والانعتاق من أسر القهر،فيماماته تستعصي على التدجين،عصية مثل الوطن الباحث عن الحرية ،يقول مختار:
وطني عصي
ليس يصلحه الشجار والانقسام
وطني شموس لا تنام
وطني قصائد صاهلة
وطني يمثله اليمام

هو لايريد شيئا من الوطن،غير الحياة الكريمة،فيقول:

فخذوا الولاية والعطايا والهدايا
وأنا كفيل باليمام

يصرخ في طرقات الوحشة والبرية راجيا من الشباب/اليمام
اخرج إلى الدنيا الفسيحة يا يمام
واصعد إلى قرب السحاب لكي تطل على الشوارع؛لتسجل أنات الثكالى والمحرومين،إنه يحث على مطاردة الفاسدين في كل موقع ومؤسسة نخر السوس والإهمال مفاصلها
….
سجل معاناة الحيارى وانكسار المعوذين
اكتب كثيرا عن حياة البائسين المخجلة
واسأل تلاميذ المدارس عن تخلفهم
….
اكتب تواريخ الفضائح والفساد

مختار عوض يمثل ضمير أمة تأبى الظلم،ويأبى التنازل والتخاذل عن القضايا الوطنية،فهو ينتمي للوطن ميراثا وتاريخا ولغة

وطني أبي
لا تخوفه الحماقة أو رصاص البندقية
وطني بريء
كيف تسجنه الزنازن في صراعات غبية
وطني تدنى من تدني المخرجين
ومن تردي المسرحية.

هذا هو الشعر والشاعر،وتلك هي القصيدة السكين لشاعر قادر على احتلاب الفجر من ثدي الظلام.

عن نوار الشاطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!