قراءة في رواية: ٣٦ ساعة في خان شيخون. بقلم”أحمد العربي

لصحيفة آفاق حرة:

 

قراءة في رواية: ٣٦ ساعة في خان شيخون.

الكاتب: محمد عبد السلام طكو.

الناشر: الكاتب نفسه – عمّان الاردن.

ط١، ب د ف، ٢٠٢٠م.

بقلم- أحمد العربي. سوريا

 

محمد عبد السلام طكو كاتب سوري من ريف إدلب، منتمٍ للثورة السورية، له كتابات شعرية وقصصية عديدة.

٣٦ ساعة في خان شيخون رواية تعتمد أسلوب الكتابة بصيغة المتكلّم على لسان الشخصية المحورية فيها أحمد.

تبدأ الرواية عندما يصل أحمد الشاب الدمشقي إلى بلدة خان شيخون في محافظة إدلب، يبدو أنه هارب من مناطق سيطرة النظام. إلى مناطق سيطرة الثوار. وصل إلى البلدة وجدها شبه مدمرة، الناس المتبقون فيها قلائل، الأنقاض والحفر ودويّ الصواريخ والقنابل، والطائرات الحربيّة والمروحيّة ترمي قنابلها والبراميل المتفجرة وتدمّر المزيد من أبنية البلدة وتقتل المزيد من أهلها. وصل أحمد إلى مسجد شبه مدمر واستلقى به يرتاح من تعب طريق طويل. جاء إلى الجامع أحد الشباب من أهل البلدة، وجد أحمد، إنّه من شباب الدفاع المدني أصحاب الخوذ البيضاء، حدّثه عن البلدة وعمله وأسرته: زوجته المعلمة وابنته الصغيرة “سوريا”. كما حدّثه أحمد عن نفسه بأنّه من دمشق وأنّ عائلته قد تشتّت خلال الثورة السورية ووقوع الشعب السوري ضحية القتل والاعتقال والسجن، وتدمير كثير من البلدات والمدن السورية. وأنّ أمّه غادرت إلى الأردن بحثًا عن أمان افتقدته في دمشق. وأنّ أخويه قد هربا بالبحر الى أوروبا فغرق أحدهم ووصل الآخر إلى ألمانيا. أمّا هو فقد قرّر أن يستمر بالعيش في دمشق دون أن يكون له أي علاقة لا مع  النظام وجيشه وأمنه وشبيحته، ولا مع الناشطين الثوريين. قرر أن يؤْثر السلامة، لكنّ النظام في مناطق سيطرته لم يعد يقبل أنْ يكون أحد على الحياد وأخذ يضيّق على الناس والشباب، لذلك قرر أحمد الهروب من دمشق إلى مناطق الثوار في إدلب.

رحب به خالد وأكرمه وأطعمه وقدّم له سبل العيش على بساطتها، أشعرَ خالدٌ أحمدَ  بالأمان وأنّه بين أهله، واقترح عليه أنْ يعمل مع فريقه في الدفاع المدني، ويؤمن لقمة عيشه. قبل أحمد ذلك وبدأ العمل مع خالد وفريقه، في الإسعاف ورفع الأنقاض وإنقاذ الناس بعد كل قصف وسقوط للبراميل المتفجرة.

لم يدم الحال هكذا طويلًا، فقد تبيّن أنّ أحمدَ مرسلٌ من قبل النظام كمخبرٍ في مناطق الثوار. حيث اتصل به الضابط المسؤول عنه ليطلب منه تحديد مواقع الكثافة السكانية في البلدة؛ الأمر الذي رفضه أحمد وقطع الاتصال. لكن خالد سمع المكالمة وعرف أنّ أحمد مخبرٌ ويجب محاسبته عن خيانته. اعترف أحمد بأنه مرسل من النظام، وراح يقصّ على خالد حكايته من البداية بعد أنّ توسّل.

أحمد من دمشق لم يكن يحب النظام، كما أنّه لم يكن منتميًا للثورة التي حصلت في ربيع ٢٠١١م. كان رماديًّا، من أصحاب نظرية ليس لي أي علاقة. قرر أن يعتزل أي عمل يؤدي لأي شبهة من جهة النظام. حيث بقي يعيش في دمشق حيث سيطرة النظام. أمّه هربت إلى الأردن، وأخواه هربا بالبحر إلى اوروبا أحدهم غرق والآخر يعيش غربة ووحشة في ألمانيا.

داهمت منزله دورية أمنية واعتقلته. لم يستطع الاعتراض، كالوه بالضرب والشتائم له منذ اللحظة الأولى حتى وصوله إلى أحد الأفرع الأمنية الكثيرة في دمشق. زجّ به في زنزانة أشبه بـ مرحاض قذر وعومل بقسوة ثم نقل ليكون مع آخرين في مهجع وبعد ذلك أخذ للتحقيق، حيث واجهه ضابط وعناصر بالضرب والشتم. مطالبين إياه بتزويدهم بأسماء المخربين الذين يعمل معهم، ومع أيّ دولة معادية يعمل. لم يكن أمام احمد إلا الإنكار، فهو بريء من كلّ التهم. لكن المحقق وزبانيته لم يقبلوا بإنكاره. قاموا بتعذيبه بالشبْح والصلب على الحائط والتعليق (بالكبل) والضرب والصفع واستعمال الأدوات الحادة وحتى صعقه بالكهرباء. استمر ذلك لأسابيع، وأحمد يزداد حاله سوءًا ويزداد التعذيب قوة وقسوة. وهم يطالبون بتقديم معلومات هو لا يمتلكها. لقد شاهد القتل العلني لكثير من المعتقلين، قطع الأعضاء والصلب واغتصاب النساء وتعذيبهنّ.

وصل أحمد الى مرحلة اليأس المطلق واستجاب للضابط المسؤول انه سيعترف، ولكن لم يعرف ماذا سيقول. خف التعذيب وأعيد التحقيق معه، وقدّم ذات الإفادة بأنّه لا يملك أي معلومة لكنّه مستعد أن يخدم النظام بأيّ أمر مهما كان وبأي شكل. وهنا بدأ الضابط بتأهيل أحمد ليكون أحد أدوات اختراقه للثورة والثوار، لقد كان كل ما حصل معه مقدمة لذلك.

لقد تم التحدث معه وآخرين مثله ليخترقوا قوى “الإرهابيين وعملاء الصهاينة والاستعمار” على حد تعبير المسؤولين الأمنيين. في تسمية الثوار. وبدؤوا تأهيلهم بدورات مختلفة. اولها واهمها إرهابهم. لقد حضروا فيديوهات اعتقال وقتل وتعذيب أسوأ مما عاشوه. ضمن رسالة مبطنة هذا نحن وتعرفون ما مصيركم إن لم تلتزموا بالمهام الموكلة لكم. ثم دورات تأهيل سياسي وعبادة الأسد الاب والابن وحفظ أقوالهم وترديدها ومناقشتها. حتى المحاضرات السياسية والأناشيد أيضًا، ضمن عملية غسيل دماغ مدروس. ثم تأهيل ديني حيث أحضرت لهم كتب دينيّة محددة ومشايخ محاضرين، ومواظبة على الصلاة، كتب فقه وحديث وحفظ بعض أجزاء القرآن، وكتب عن الفصائل المسلحة وأفكارها واختلافاتها. تحفيظ وحوار ومناقشات وجدل وتقوية ملكة الفهم والتفاهم والدراية حول كل ذلك. ثمّ بعد ذلك أحضر لهم ممثل مشهور من مناصري النظام. أعطاهم محاضرات عن التمثيل وعلّمهم كيف يتقنون أدوارهم وقاموا ببعض المسرحيات المحاكية للواقع: الفصائل والتفاعل والصراع والجدل بينها. كما عاشوا ضمن أجواء من البطش والبحبوحة وحتى بعض المتع الجنسية المسروقة من المعتقلات اغتصابًا وامتهانًا وهدرًا، تعامل معهم بشكل قاسٍ مرّة وليّن مرة أخرى. أعطوهم الإحساس بأنّهم تحت السيطرة وأنّهم ضحية حضور كلي للنظام وكأنهم آلهة على الأرض.

وعند انتهاء التأهيل تم تخدير أحمد ورميه في بيته ليلًا ومعه هاتف يصله من خلاله أوامر الضابط المسؤول عنه، يأمره بما يجب أن يفعل. علم أنّ أحد الذين كانوا معه في دورة التأهيل أصبح قائد فصيل محسوب على الثوار، وكان له دور كبير في الصراع الداخلي بين الفصائل. وتزايد الفصائل المتطرفة دينيًّا والنازعة لأعمال إرهابية، والبعض أصبح يمتهن السرقة والنهب والخطف والتعفيش والتعدّي والقيام بأعمال تفجير واغتيالات وكلّها محسوبة أنها من فصائل الثورة السورية.

تحرّك أحمد وفق توجيهات مشغله إلى مناطق سيطرة الثوار ، حيث وصل مورك في ريف حماه، ومنها إلى خان شيخون في محافظة إدلب. واستقبله خالد وساعده وعمل ضمن فريق من الإسعاف المدني إلى أن اتصل به الضابط المسؤول وطلب منه أن يحدد المناطق ذات الكثافة السكانية. ورفض ذلك وقرر ان يقطع علاقته به، وأنّه لن يخون عذاباته ولا تضحيات الناس ولن يكون عبدًا يخدم النظام الذي يقتل الشعب كل الوقت. لكن اكتشاف خالد له وتهديده بقتله واعترافه له بما حصل معه. جعل خالد يرأف بحاله ويقرر إبعاده من البلدة وليذهب حيث يشاء. وبعيد خروجه من البلدة بقليل تحلّق طائرات النظام فوقها وتلقي براميل متفجرة تحوي غازات كيماوية سامة. تلقيها على خان شيخون حيث يموت الكثير من أهلها ومنهم خالد وزوجته. وتبقى ابنتهم الطفلة سوريا التي يسلمها خالد إلى أحمد امانة ليحافظ عليها.

يحافظ أحمد على سوريا ابنة خالد ويقرر أن يستمر معها بالعيش داخل سوريا مقاومًا العدوان والهجرة وتفريغ سوريا من أهلها.

هنا تنتهي الرواية.

في التعقيب عليها نقول:

إنّنا أمام رواية متميّزة بموضوعها الذي تتحدّث عنه، وهو اختراق النظام الثورة السورية من داخلها. عبر عمليات تأهيل وتدريب علمي ممنهّج أدّت فعلًا لعمل تخريبي في الثورة السورية. جعل ظهور القاعدة وداعش وغيرهم من المتطرفين في سوريا بخاصة في مناطق الثورة أمرًا حتميًّا. استخدمه النظام ليؤكّد كذبته  بأن ما يحصل في سوريا ما هو إلا أعمال إرهابيّة وليس ثورة. وأدى ذلك لاستدعاء التحالف الدولي للقضاء على داعش. وضربت الثورة، ودعمت الب ك ك  الكردية وال ب ي د الإرهابيين، ليتحركوا في دعواهم الانفصالية، وصمت العالم عن النظام. وكان كل ذلك خشبة خلاص له.

نعم ثورتنا وقعت ضحية عدم نضج الثوار وتخطيط النظام لكسرها ودعم حلفائه له الروس والايرانيين. والصهاينة والامريكان كل يعمل لمصلحته. وبقي الشعب السوري الضحية واليتيم صاحب الحق المهدور ارواحه وأمواله وكرامته وحقوقه…

 

 

 

 

 

 

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. فاز بجائزة (محمد إقبال حرب) للرواية العربية لعام 2021م. الروايات المطبوعة هي تشكيل لرباعية الثورة السورية. -(دوامة الأوغاد/الطريق إلى الزعتري/فوق الأرض/خلف الباب). ورواية (خيمة في قصر بعبدا)، المخطوطات: رواية (بين بوابتين) ورواية (تراجانا) ورواية (دع الأزهار تتفتح). رواية (بنسيون الشارع الخلفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!