غريق / بقلم : محمد الفضلي ( اليمن )

لم أغرق مرةً في الحب وأطير عاليًا، ولم أفرط في الشوقِ، أو ربما أجن لفراقِ أحدهم، ولا أرى في الحب ملاذا.. قط

غالبًا ما أكون متشبثٌ بالحزن وغالبًا شبحاً يتسلل في الأزقة المظلمة، لا أدري من أين بدأت وأين النهاية، غالبًا

ما أكون قاسيًا، وأحيانًا متوحشاً، وربما طائرٍ غريبُ الأطوار لا يميل للعاطفة أبدًا، كادح لم يحقق لذاتهِ شيء، وأصبح من البروليتاريا. مرةً يتحدث لنفسه، ومرةً يتسكع شوارع المدينة الموحشة وَيَهْزِمهُ الخوف وهو يفكرُ في لا شيء، أعود أتحسس نفسي وأجدها وحيده وكأنني هبطت للأرض للتو!

أحدث نفسي ما الذي جرى بك بابني؟!!

‏تحرر من خوفك وانهض.. لا تُهزم وانظر هناك حيثُ يد الله تلوح إليك فاذهب!

تحسس نفسك وانظر لقلبك ولا تسمع لروحك التي أصبحت تغدو لئيمة وخائفة، وانتصر لعاطفتك واتبع شعاع قلبك أينما يذهب، واعشق وافعل كما قال: تميم البرغوثي

– تذكر أنك لست أقل من جدك أحادي الخلية..

وابحث عن أول جميلةِ

أو عشرة جميلات إن شئت

في الشارع أو في البال

واعشق.

– المجد كل المجد لصديقي ضياف البراق حين قال مرةً في مقال له: المجد للحب لأنه شرف الإنسان ومعنى وجوده وأملُهُ المُتجدِّد عندما يتملّكك الحبُّ العظيم، تتفجّر فيك ينابيعُ الحريةِ وتتغلغل في جميع أعماقك، وتنبت لك أجنحةٌ من الحقيقة والجنون، فتصير الألوان كلها ألوانك، والمعاني كلها معانيك، يصل شعاع نبضك إلى كل الثقوب المُظلِمَة ويصير اسمك هو كل الأسماء. أنت، في حالة الحب هذه، لا تعود ثقيل الظل أو قصير النفَس والنظر.

الحب يكتب القصيدة والكره يبني المعبد أو السجن. الأخير يصنع القيد والأول يحطّمه وهذه مهمته. الحب فوق المعبد وأكبر منه وخارج جدرانه ينمو. الحب يزرع الحياةَ والكره يزرع اللغم وينسفه. الحب ثورتك العميقة المستمرة على أوهامك وأخطائك التي لا تستطيع معها أن تسابقَ الزمن وترتقي إلى الحقيقة. ما زلتُ أعتقد أن الفلسفةَ هي حيرة الحب وانفعالاته ذات النزعة التساؤلية.

الحب هو طريقةٌ خاصة للكشفِ عن العالم المفقود، للتعاملِ مع الأشياء التي تنكسر باللمس، اِنْبِثَاقه من الداخلِ العميقِ تُضِيءُ وجهَ الزمن الدامسِ.

حَقًّا يا صديقي لم أعد محبطًا ووجدت إشارةالخلاص توقفتُ في زاوية ما لإرواء الظمأ الذي لم أجده طول سنوات عمري وتذهب سنين المرارة بطرقة بابك في الصباح الباكر بِقُبْلَة مغسولة بالمطر ترويك من شفتيها المبللتين لتورثك الكثير من القوة وتُنسيك مرارة الحياة تفقد إحساسك بالزمان والمكان تُنسيك بأنك إنسان ومعنى وجودك وتمنحك الاستقرار والهدوء والطمأنينة.

ووجدتُ الحياة، ومعنى وجودي بها، وفجرتُ ينابيع الحرية من أعماق قلبي، تحررتُ من خوفِ ومن تلك الثقوب المظلمة والموحشة، ووجدتُ شيئًا من الامتلاء بالقوة وبدأت عاطفتي ترجع شيئًا فشيئًا!!

وكأنني ولدت للتو!.

‏تذكرت مرةً قرأت لمحمد ديوان (المثقّف النبي) وهو يقول: نهدُكِ يا امرأة الفتنة المتطاولة، حيث السماء تدنو وتقترب كلما تجليتِ أمامي، أطفو عليه، أتلمس الأبدية بين نهديكِ، أتجسس على أخبار السماء، تنكشف الحجاب بينكَ وبين مجاهيل الحياة كلما لانستُْ أصابعكِ المُنحدرة.. دعيني أتذوق الملوحة بين نهديك؛ كي أطرد مرارة الحياة من فمي..

طويلة هذه الحرب يا امرأة، ليتها قصيرة كالمسافة بين نهديك، كلما جَزَّتْ المسافة بينهن؛ عبرت الصراط منتصراً، يعود المحاربون إلى أمهاتهم، يذهب التوتر عني، تزول البلادة عن القتلة، تستيقظ أرواح الموتى، ويستعيد المرء في حضرتك نباهته.

جوار الصومعة تتنزل السكينة على قلب شاب وحيد ويذهب الأرق، يبصر الطريق نحو دروب الهداية وينام.

سأنام الآن، عند تلك المنحدرات الدافئة، جوار التلال الندية، سأنام وقد هدأت الحرب، سأنام ممتلئًا بأسرار الحياة وبكِ.. أيتها السر الأعظم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: