قراءة في رواية: لهذا أخفينا الموتى.

قراءة في رواية: لهذا أخفينا الموتى.
الكاتب: وائل الزهراوي.
الناشر: دار وائل للنشر والتوزيع. الأردن.
ط١، الكترونية، ٢٠١٩م.

وائل الزهراوي روائي سوري، هذا اول عمل نقرأه له.
لهذا أخفينا الموتى: رواية اقرب لان تكون شهادة ذاتية لكاتبها وائل الزهراوي عن تجربة اعتقاله وما عايشه من ظروف قاهرة ولا انسانية، ومعاناته أبان الثورة السورية التي بدأت في ٢٠١١م.
تبدأ الرواية أو الشهادة من وائل الذي يكتب بصيغة المتكلم يخبر قرّاءه عن ما حصل معه، وائل في المعتقل في أحد فروع الأمن، نفهم بعد ذلك أنه في مدينة حلب، ونفهم أيضا أن وائل احد الناشطين في التظاهر في الأيام الاولى للثورة. وائل في معتقل تحت الأرض محشورا مع أعداد كبيرة جدا غيره في غرف لا تتسع لهم، واحيانا في زنزانات أصغر، يتناوب عليهم عناصر الأمن تعذيبا وضربا كل الوقت، وليس أثناء التحقيق فقط. وائل داخل مسلخ بشري بكل معنى الكلمة، المحقق معهم يعودون اما موتى من آثار التعذيب أو بين الحياة والموت، لا أهمية لحياة المعتقلين فإن مات احدهم تحت التعذيب او اثناء التعذيب المستمر المصرح به للسجانين، يرمى في غرفة الموتى او في الممر الضيق في قبو فرع الأمن، يتعايش وائل مع استباحته وهدر انسانيته رغما عنه، المهم أن يستطيع مواصلة الحياة، عاش وائل والمعتقلين حوله اهوال عذاب لم يكن يحلم به أو يتصوره ويمكن ان يعيشها البشر، اشكال التعذيب متنوعة بجميع ادوات الضرب والشبح والدولاب والصعق الكهربائي والحرق بالشمعة، الأسوأ التعذيب التجويع والتعطيش ومعايشة المعتقلين الميتين حولهم كل الوقت. الهدف الأساسي للمعتقل أن يحافظ على حياته وعقله، ينجح القليل بذلك، الاغلب يموت بهذه الظروف او يجن ثم يموت، كثيرين يقتلوا بالتحقيق او بتعذيب السجانين المفوضين بشكل مطلق بحياة هؤلاء البشر المقرر تعذيبهم اسوأ تعذيب وأطول وقت ممكن، وان ماتوا بعد ذلك فلا مشكلة. هؤلاء المعتقلين ضحية جروح وكسور وامراض لا تعالج بل تتفاقم لتصبح اوبئة مؤلمة ومهلكة، معايشة جثث الموتى والمصابين والدود ينهش بهم، معايشة استدعاء المعتقل للتحقيق، اما ان لا يعود مطلقا، او يعود ميتا، أو يعود مهشما بين الحياة والموت، قد يستمر بالحياة وعلى الأغلب يموت بعد وقت قصير. التحقيق؛ لا تحقيق فقط مبرر لمزيد من التعذيب والقتل، لم نعرف ما هي جريمة وائل سوى أنه متظاهر مثل مئات آلاف الشباب السوري، هدف اعتقال الشباب والنساء والأطفال هنا هو تعذيبهم من ثم قتلهم، هذا ما يفهمه وائل. في المعتقل نساء كثيرات، اطفال يشاهدون الاهوال ويستغيثون ولا مجيب، عائلات كاملة أب وأم وأطفالهم، يقتل الأطفال تحت بصر الأهل وتغتصب الام وتقتل، ويقتل الأب بعد أن فقد عقله، هذه نماذج متكررة يشاهدها وائل ولا يستطيع أن يفعل شيئا بالكاد يستطيع الحفاظ على حياته. يعايش وائل كل ذلك وهو موقن انه سيموت مثل غيره في المعتقل، تهيمن عليه صورة طفلتيه وما اخبارهم وكيف يعيشون في الخارج، هم بقايا الأمل الذي يربطه بالحياة خارج المعتقل، يستدعى للتحقيق مجددا ولا جديد عنده، لكن رحلة العذاب تتجدد، يتعايش مع من حوله يذهل من قدرة البعض في هذه الظروف القاسية واللاانسانية أن يبتسم وينصح ويصبّر ويزرع الأمل، أن يتفانى في خدمة غيره من المعتقلين وان يتقدمهم لينال قسطهم من التعذيب، وهذا يعني أن يموت في أغلب الأحيان. يستدعى وائل ليبلغ أنه سيفرج عنه، لم نعلم لم اعتقل إلا تكهنات، أنه ناشط بالتظاهر، ولا لماذا اطلق صراحه يعود الى بيته وكأنه خُلق من جديد، ممتلئا رعبا من هول ما عايش. عاد لحلب التي وجد أنها انقسمت بعضها محتل من النظام كما عبر والبعض في يدي الثوار، لكنهم تحت الحصار والقصف والدمار والموت المحتمل كل الوقت، أصبحت حياة الناس جحيما بين انتظار رغيف خبز لا يأتي واطفال ادمنوا الجوع، ومحاولات العبور للشطر الآخر للحصول على خبز وبعض خضار ليكون الثمن طلقة قناص وموت جديد يتراكم في قائمة موت السوريين. يعاود الأمن اعتقال وائل، لتعود قصة الاعتقال والعذابات المصاحبة لها مجددا، ثم يفرج عنه دون ان يعرف لماذا اعتقل او افرج عنه. عاد مجددا لمعاناة حياة الحصار والتجويع والقصف والتدمير لمدينته حلب. وفي يوم يبلّغ أن الأمن يبحث عنه. يقرر الهرب يحصل على هوية مزورة ويتوجه الى الحدود التركية، وهناك يصل الى حاجز يسيطر عليه الثوار، يشعر بالحرية والسعادة، يخبرهم عن حاله، لكنهم يكذبونه ويتهمونه بأنه قد يكون مخترقا للثورة ومخبرا للنظام. يصاب بالصدمة والخيبة وتساءل إلى أين تقودنا الثورة والثوار؟. كان قبل هروبه قد زار بيت احد المعتقلين الكبار بالسن الذي اصرّ عليه بزيارة بيته. نعم كان هذا الرجل قد هرب من سورية إبان الصراع مع النظام في ثمانينات القرن الماضي، الى الغرب حيث صنع نفسه وبنى مجده الاقتصادي، لكنه بقي يحن للبلد وللحرية، عندما حصلت الثورة عاد إلى سوريا ليعتقل مجددا ثم يقتل ويدفع ثمنا متأخرا لصالح النظام.
تنتهي الرواية ووائل بعيدا عن سورية في قارة اخرى، يدوّن ماحصل معه ومع كثير من الشعب السوري، يدونه شهادة للتاريخ، ووثيقة لعل العدالة تتحقق يوما ويحاسب نظام مستبد همجي مجرم عن أفعاله كلها.
في تحليل الرواية نقول:
نحن أمام رواية مؤلمة.. مؤلمة جدا، شهادة للتاريخ، توثق أفعال النظام لذاكرة الشعوب، وانتصارا للحق وللعدالة القادمة يوما. منتصرة للشعب السوري وما قدم من تضحيات، موثقة الالم ناشرته للمعرفة والهواء النظيف وليوم ما تشرق به شمس الحرية. نعم قدم الشعب السوري اجيالا متتابعة عبر عقود من المعتقلين والشهداء والمنفيين المطالبين بالكرامة الانسانية و بالحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل. وسيستمر بذلك الى ان تنتصر ثورتنا ونسترد حقوقنا الانسانية كشعب وأفراد يستحقون الحياة والامل والمستقبل الأفضل.

بقلم .احمد العربي..
…٢/٥/٢٠١٩…

عن هشام شمسان

هشام سعيد شمسان أديب وكاتب يمني مهتم بالنقد الثقافي والأدبي ، ويكتب القصة القصيرة والشعر . له عددمن المؤلفات النقدية والسردية والشعرية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!