أخبار عاجلة
الرئيسية / أدب العزلة في زمن الكورونا / لماذا نكتب.. بقلم د. ريمان عاشور
لماذا نكتب.. بقلم د. ريمان عاشور

لماذا نكتب.. بقلم د. ريمان عاشور

لصحيفة آفاق حرة
_______________

مذ سنٍّ مبكِّرة حين كنتُ أكتب في حصَّة التعبير علمتُ أنِّي أعشق الكتابة.. حين كانت حصَّة التعبير الفضاء الوحيد الذي يمنحني أجنحة تخترق جدران الصفِّ وتعلو فوق أسوار المدرسة الشاهقة كما أسوار سجن حكم على سجنائه بالمؤبد..
كانت أحلى الأوقات حين تتخذ معلمتي مقعدها وراء الدرج بعد أن تطلب إلينا أن نكتب في أحد مواضيع ثلاثة نختار أحدها للكتابة..
وكنتُ آنذاك مطمئنة النفس لتأكدي أن لا أحد سيطلع على ما كتبته سوى الله وأنا المبدعة التي تخلق فضاءات على الورق وتمتطي خيولها وتسافر أنَّى شاءت أن تسافر..
كنتُ أرقب معلِّمتي بعد مرور الوقت الذي منحتنا إياه للكتابة وهي تصحح الدفاتر جميعها دون أن تكلِّف نفسها بالاطلاع على ما كتبناه.. أرى فقط علامة صح طويلة تتمدد على الصفحة بدمٍ بارد قبل أن تكتب بعدها كلمة(شوهد) وهي لم تشاهد سوى أناقة خطِّي حين كنت أعتني بتفاصيل رسم الحروف وتنظيم صفحتي كي تبدو شهية علَّها تلكزها ذات مرَّة فتستثير فضولها لقراءة ما كتبته..
إلا أني أمضيت عمري المدرسي وأنا أرقبُ كلمة شوهد وتوقيع معلمتي التي كانت تتقن فنَّ الصمت في حصة التعبير .. وكأنها تجعله جدارًا تحتمي وراءه من أسئلتنا البِكر خوفًا أن يخدش سؤال ملحٌّ من إحدانا أركانَ مسلماتها ومناطق المحرَّمات التي لا ينبغي الاقتراب منها كيلا نتحرر من أي قيد أحكمته الكتب المدرسية إحكامًا مطلقًا..
لذلك كنتُ أعيش لحظات سعادتي حين أستصرخ الكلمات بصمت على الورق دون أن يسمعها أحدٌ سواي.. ثمَّ يتسلل قلمي بهدوء تام إلى قيد رسغي وعقلي ويحرِّر الحروف والكلمات والشخوص العالقين وراء قداسة التاريخ والمؤرخين والكتَّاب الذين يُحظر الاقتراب من مناقشة أفكارهم.. فأبني فضاء فسيحًا يتسع لي ولآمالي وأفكاري دون أن تشعر بي حتى صديقتي القابعة حدِّي تمامًا..
اليوم..
وقفتُ أمامي أسأل:
لماذا نكتب!
لعلَّنا نكتب لنستجلي الجمال فينا ونخلِّفه للمارين كي يشيروا نحونا فنجد أنفسنا في عيونهم..
ولعلَّنا نكتب لنخلَّد ونترك آثار أقدامنا للقادمين من زمن الثلج الأبيض فيشهدوا على من مرَّ قبلهم ويهدوا السلام لأرواحنا..
ولعلنا نكتب لنضرب الأرض ونخبرها أننا ما نزال على ظهرها نتنفس..
لكن الأكيد أننا نكتب لنقول نحن ما زلنا هنا بكل ألق الحياة.. نحن هنا.
_______________
اسطنبول/ ١٧-٥ من عام الجائحة

عن محمد فتحي

- كاتب وروائي وقاص سوري.. - تولد ١٩٦٤. بصرى الشام/ درعا. الأعمال المطبوعة: - رواية دوامة الأوغاد. - رواية الطريق الى الزعتري. - رواية فوق الأرض. - كتاب شاهد على العتمة. - كتاب مقالات ملفقة. مجموعة أقاصيص(بتوقيت بُصرى) الكتب المخطوطة: ١٨ كتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: