أخبار عاجلة
حمص العريان / بقلم : هاشم عبد العزيز

حمص العريان / بقلم : هاشم عبد العزيز

______________

لم أر في حياتي طفل هادئ الطبع طيب الخلق كهذا الطفل ، إنه جميل الهيئة،لا يخلو هندامه من وقار رغم تمزق ملابسه وتواضعها وكاد أن يبهت هذا الوقار صباح اليوم، عندما جاءت به أمه لتتركه عند عم أيوب كعادتها علي سبيل الأمانة ثم تذهب إلي عملها وتعود بعد الظهيرة تستلم أمانتها صاغ سليم كما كانت تكرر وتنبه وتشدد دائما علي عم ايوب
– الواد أمانة في رقبتك، أوعي يجري عند العربيات .. اوعي حد يشربه سجاير
وكان لا يجيبها عم أيوب بكلمة واحدة ،هو فقط يتنهد تنهيدة طويلة ثم ينظر مستعجبا إلي الولد الساكن جدا ولسان حاله يقول إذا تحركت موازين هذا الميزان سيتحرك ابنك أيتها المرأة القلوق.
عم أيوب رجل طيب جدا وشهم أيضا فعندما قدمت إلي هذا السوق لاتاجر في الأسماك تكاتف علي جميع التجار لكي أرحل حتي لا اشاركهم في رزقهم كما كانوا يقولون إلا عم أيوب فلقد سايسهم وأبعدهم عني ونصحني بترك التجارة في سمك البلطي والشبار والبليمي وان اتاجر في السمك الروسي وكانت النصيحة ناجعة فلا أحد يتاجر في هذا الصنف وكانت الزبائن تنسفه نسفا من أمامي بمساعدة عم أيوب وزوجته التي لا أتذكر اسمها الان فهي امرأة خمرية اللون عيناها خضراوان بدينة الجسم طويلة القامة علي عكس عم أيوب تماما فهو قصير القامة أما وجهه فهو يشبه جدا بشرة الروس الذين نصحني أن اتاجر في سمكهم ، نعود إلي طفلنا الوديع ، انصرفت الأم واخذ عم أيوب يتأمل الطفل ثم دخل في نوبة سعال طويلة ثم دس يده في جيبه وأخرج قطعة أفيون وسحب منها قطعة صغيرة علي عود كبريت ثم وضعها في فمه واغمض عينيه قليلا ثم صاح قائلا
– قرب قرب قرب ، ببلاش يا بلطي،صابح وبيتلعبط ع الطبلية

فلقد عمل الأفيون أعماله وعمر عم أيوب طاسته وأخذ يطلق النكات مع الزبائن تارة ويمدح سمكي الروسي لدي زبائني تارة أخري، كان فرش عم أيوب يتوسط فرش زوجته وفرشي، مرت حوالي ساعة وكان الطفل يجلس مرتعدا وعندما لاحظ عم أيوب ذلك فتش ملابس الولد فوجد أن بنطاله مفتوح تماما عند مؤخرته فصرخ قائلا
– يا حول الله يا ربي ، يخلفو عيال ويرموهم كده، أمهات عاوزة الحرق
فقاطعته زوجته قائلة
= مالها أمه بقي ، أمه بميت راجل الدور والباقي علي الحزين جوزها بتاع الحشيش والافيون
– ماله الأفيون بقي ، ده جميل وبيروق البال بس عندك حق أمه جدعة فعلا وبتحارب علي أكل عيشها ، مصلوبة في الصحراء زي عساكر عم نجيب سرور،
= الافيون هيموتك ويموته قريب ان شاء الله
– بتفولي عليا يا ولية ، تعالي ياض يا حمص لما اقولك نصيحة

هم حمص أن ينهض إليه ولكنه عاد وجلس مرة ثانية عندما تذكر أن بنطاله مفتوح من الخلف وعندما أدرك أيوب ذلك ، تحرك نحوه وأتي بخمار زوجته ولفه علي مؤخرة حمص بعد ان خلع عنه بنطاله وامر زوجته أن تأتي بابرة وخيط وتخيط لحمص بنطاله ، جلس حمص بجوار عم أيوب الذي تنحنح قائلا
– بمناسبة الموت بقي خد الحتة دي ، وبعد التحية يا حمص والذي منه ، هوصيك وصية تصونها زي نن العين ، ولما أموت احكي عني وقولهم أنه مصري بن مصري وأم أم اللي ماله عينين ..
واخذ ايوب يراقب رد فعل حمص الذي كان يبتسم ابتسامة لا تخلو من مكر والتمعت عينيه ثم صدمنا جميعا بكلماته التي رد بها بصوت طفولي ضعيف جدا

– ابويا مات بدري بس عاش فيا،ابويا تاره لسة مماتش ، أبويا كافح وكان عنده الكفاح غية، واللي ابوه زي ابويا يبقي متيتمش
انهي حمص كلماته ثم طفق باكيا وكأنه يعلم معاني الكلمات رغم أنه لم يتجاوز التسع سنوات ، الأمر المثير للاستغراب ليس حفظ حمص لاشعار الشاعر الراحل نجيب سرور، فقد كان أيوب مغرم بها وكان يسمعها علي شريط الكاسيت اناء الليل وأطراف النهار ولذلك حفظها حمص عن ظهر قلب ، الأمر الغريب حقا هو بكاء الولد ، فلماذا يبكي هل فعلا يعرف معاني الكلمات وتأثر بها لدرجة البكاء ويعتبر ايوب أب روحي له ، أم أنه يبكي لهجر الأب الحقيقي له ولامه، لا أدري
ركب الهم عم أيوب ومصمص شفتيه قائلا
– يا خسارتك يا ابني ، عرفت الدنيا بدري ، يارتني ما سمعتك اميات عم نجيب ولا وافقت تقعد جنبي هنا اصلا ، ثم نظر إلي قائلا
– حاكم الدنيا كلها هنا في الاميات دي يا جدع بس عاوزة اللي يحسها ويركز
– = لا أمهات ولا ابهات ، انا عاوز ابقي تافه مفهمش حاجة، وجلدي تخين محسش بحاجة
– ودي تبقي عيشة دي
=|عاوز اعيش مرتاح يا عم الإحساس
– عندك حق من ساعة ما البت ” أميرة ” رفضتك وانت شوية تبقي نكدي وشوية تبقي هايف ، بقيت مسخ يا جدع ، الإحساس والحب كانو مخليينك حي ومنور ، حرمانك منها خلاك دبلان ومطفي وميت بالحياة
= يادي كلام التليفزيون ، يا عم مطفي ايه وميت ايه هو انا لمبة ، بالعكس انا مبسوط وربنا رجع لي حقي ، أهي بارت لما عامت علي عوم أهلها لما رفضوني واهانوني عشان انا فقير الفلوس والعيلة ومقدروش غني الأصل والنفس ، ابقي قابلني لو حد خبط علي بابها بعد ما كسرت الخمسة وعشرين

– محسسني انها كسرت تابيدة في السجن ، اهو جبنا في سيرة القط

كانت ” أميرة ” تمشي بهون هوانمي عتيق وصاح أيوب مهللا
– اللهم صلي علي النبي ، في جمال كده ، في قوام كده ، اموت انا واتحصل علي التابيدة دي ، قال تابيدة قال ، بختك مايل يا دي الجدع
اقتربت “أميرة” من فرش أيوب وكانت ترتدي ملابس كأنها فتاة بندرية، جيبة قصيرة إلي حد ما تظهر أعلي قدميها قليلا وبلوزة توضح ملامح صدرها أما الرأس فغطته بايشارب بندري أيضا
لم احفل بوجودها وبادلتني نفس التجاهل ثم قالت
– بكام البلطي يا عم أيوب
= بأربعة جنيه
– مش غالي !
= الغالي يرخصلك يا ست البنات ، والله ما بكسب في الكيلو بريزة !
– محدش يغلبكم في الكلام ابدا، نغلبكم ازاي وانتو ولاد سوق
– = ارضيكي ازاي بس ، خديه ببلاش ، احنا مش ولاد سوق احنا ولاد كلب ، ما تشغلونا حراس علي داركم يا جميل ، هيبقي يوم الهنا والله
– راجل شايب بس دمك خفيف، ما تلمي جوزك يا ولية !
كانت الزوجة منهمكة في خياطة بنطال حمص وكانت تتابع الحديث بسمعها فقط واجابت دون ان تنظر قائلة
= هو كده مش هيتغير، يحب الهزار والالس ، بيضحك معاكي
– انا عارفة ، يلا سلامو عليكو ..
– شايفين لابسة ايه ، ناقص تمشي عريانة ، برضه محدش هيخبط علي بابها ، خلاص بقت عانس وبتوري الرجالة جمال جسمها !
= الظلم ظلمات يادي الجدع ، يخرب بيت سواد قلبك
هكذا قالت زوجة ايوب ومرت دقائق قليلة وسمعنا صباحا وهرجا ورأينا حلقة من الناس قد تألفت سريعا وتعالت الأصوات وشتائم أيضا وظهر بين الناس ” فوزي ” موظف الحكومة الذي يجمع الاتاوات من الباعة ويسميها “أرضية” حيث اننا نحتل حرم الطريق ويجب ان نضع ثمن هذه المخالفة القانونية في جيب فوزي طبعا
ازداد عدد الناس وظهرت أميرة ممزقة الملابس وقد تبين لنا انها وقعت فريسة لفوزي المشهور بتحرشه بالنساء ، لا يعرف فوزي شيئا سوي البلجطة والالتصاق بالنساء كلصوص الاتوبيسات،كان يصرخ باعلي صوته قائلا
– بتتبل عليا بنت الكلب وقطعت لي قميصي ، شوفو عملت فيا ايه، خربشتني من رقبتي ، شوفو اصلا كانت لابسة زي الرقاصات علشان تتعاكس ولما محدش عبرها تتبل علي أشرف الناس
وأصدر الكثير من الناس همهمات تأييد إلا سيدة عجوز كانت تغطي ” أميرة ” التي كانت غارقة في البكاء
سيطر الجبن علي الجميع فلا أحد يقدر علي قول ” بم” لفوزي خاصة الباعة فإن ارواحهم واقواتهم في يديه أما الزبائن فاغلبهم من صغار وضعاف القوم، ان الأغنياء والعائلات الكبيرة مرفهون لا يذهبون أو يرسلون ابناؤهم إلي السوق ويتسوقون من الدكاكين المجاورة لبيوتهم ، فالسوق ليس لهم أنه للفقراء والمعدمين ، تملك التعب من العجوز التي كانت تغطي أميرة فتركتها واستمر فوزي في بجاحته وكان مصرا علي ان يذهب بها لأهلها ويأخذ حقه منهم علي حد قوله وعندما تركت العجوز أميرة الشبه عارية ، هرع إليها حمص وهذه المرة الأولي التي أراه فيها يترك الفرش من تلقاء نفسه هكذا، انطلق يجري إليها وسقط الخمار الذي كان يستره دون أن يشعر بذلك ، ثم اجلسها القرفصاء واحتضنها بقوة ،وطفقا يبكيان فصرخ فوزي مخاطبا ايوب
– ما تحوش الواد بن الكلب العريان ده يا ايوب
سعل أيوب ثم قال
= توك شفت انه عريان يعني ، لما الواد حب يستر الصبية شفته عريان ، يا مفتري ، مش بن اخوك ده ، بتشوفه كل يوم مبتعطفش عليه بهدمة من هدوم عيالك او بشلن حلاوة!
– انا ماليش اخوات ، معرفش حشاشين وافيونجية

انصرف غير قليل من الناس عندما بدأت شمس الظهيرة تحرق أقفيتهم وجاءت أم حمص تسالنا عنه وعندما لمحته في أحضان أميرة شهقت وخبطت صدرها بقوة تنادي عليه وتوبخ أيوب قائلة
– مفيش أمانة بعد كده، واللي خلق الخلق مانا سايبة الواد عندك تاني
ثم نزعت ابنها من أعناق أميرة التي لم تسلم من لسان الأم وانهالت عليها بوابل من السباب والشتائم دون أن تعلم حقيقة الأمر ولم يفوتها أيضا أن تعلق علي ملابسها الفاضحة ومشيتها المضطربة الخ من هذه الاتهامات التي اتفق لأغلب الحضور أن ينهالوا بها علي الضحية الجانية في نفس الوقت
انصرفت الأم وحمص في يديها ، وانفض الجمع بقدوم أهل أميرة الذين تصالحوا مع فوزي واعتذروا له لان الحق علي ابنتهم انها ألقت بجثتها علي فوزي بملابس فاضحة وجاء اليوم التالي وكف عاشق اميات نجيب سرور عن سماعها ، أن حمص تأثر بالكلمات وعمل بها اما هو فاكتفي بعتاب المجرم ولم يقوي علي تقليد صاحب الأشعار في جرأته وشجاعته حتي لو كانت شجاعة يائس في حقيقة الأمر، ، مرت الأيام التي كثيرا ما كان ينظر فيها إلي المكان الذي كان يجلس فيه حمص وتترقرق الدموع في مقلتيه ينتظر ابنه الروحي ولكن دون فائدة ! ، أما أنا فلم أستوعب وقاحة صمتي عن ما حدث لأميرة إلا فيما بعد ولم أقدر علي تجاهل هذا الشعور وذهبت إليها مرة أخري خطيبا ولكنها رفضتني هذه المرة وسط ذهول أهلها الذين رحبوا بي هذه المرة حتي يستروا ابنتهم التي باتت سيئة السمعة في نظرهم فوق أنها عانس ، وكان هذا الرفض بمثابة القدم التي ركلتني خارج هذه البلدة التي أتيت إليها قاصدا الرزق والراحة والدفء فخرجت منها غريبا كما جئت

عن محمد صوالحة

2 تعليقان

  1. عظيم ياهاشم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*