أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات النقدية / الناقد المغربي أحمد وليد يقرأ نص ( في ظل الشوق ) ل : محمد صوالحة
الناقد المغربي أحمد وليد يقرأ نص ( في  ظل الشوق ) ل : محمد صوالحة

الناقد المغربي أحمد وليد يقرأ نص ( في ظل الشوق ) ل : محمد صوالحة

آفــــــــــأق حُــــــــــــــــــــــــــرة
وقفة مع نص للشاعر محمد صوالحة بقلم أحمد وليد

في ظل الشوق
************ بقلم : محمد صوالحة

       (1)

أنا موال قريتي
بحة نايها
صوت مآذنها
ألوذ بالليل
عسى كفاه أن تمسحا
لوثة أصابت العمر
أرهقت الروح
أفر مني إليك
أجوس الأرض
اتوضأ بورق الريحان
وزهر الدفلى
لأصلي تحت رمانة
ما أزهرت منذ رحلت
لأهدهد تينة ما زالت
تقف على الرصيف
تنتظرك
أمشي
حيث الشرق
حيث الغرب
لا أدري
علي
أمسح دمعأ للزيتونة
أغرق
ترابا يحرسها
أدنو منها وأدنو
تنهرني وتناديك

       ( 2 )
تصفع روحي كف الحنين
تنهش قلبي
أسنان الشوق
أبكي وتبكي الأرض
ونناديك
يا سر العمر
يا مفردة العمر
ومعناها
ونسأل
كيف نداوي
الوجع فينا
بدون يديك
كيف تشرق
في أيامنا شمس
في ظل غيابك

************************************************

العنوان يفرش لنا ظلا ظليلا نستريحُ تحته، ونتهيأ لجلسة تأمل نستقرئ فيها ما كُتِبٓ بين السُّطور وتحتها.
“في ظل الشوق ” جملة تأخذنا حيثُ الهدوء والسكون النفسي، فالظل دعوة مفتوحة للراحة والهدوء قد تطول أو تقصر، لكن الشوق امتداد لعذاب ولهفة وحنين.. الشوق ذاكرة المشاعر، شرفة تطل على نار الفقد وجحيم الغياب.
ونحن نستريح تحت الظل نرى كل هذا عبر شاشة فتحها لنا الشاعر محمد صوالحة من وحي خياله الذي يعْبُر الذاكرة انطلاقا من مرئيات عابرة تتراءى للشاعر وتمرق بمخيّلته بين الفينة والأخرى لتأخذنا معها في رحلة عبر الذاكرة “ذاكرة الشاعر” لقراءة مخزونها الذي يضِجّ بالغياب.
أنا موال قريتي
بحة نايها
صوت مآذنها
يرى الشاعر كينونته في تغنِّيه بالقرية “أنا موال قريتي” هي لحظة تكوينية تجمعُ بين المتناقضات فيكون الشاعر في آن واحد بحة الناي، موال القرية وصوتُ المآذن.. إنها تشكيلة المجتمع القروي الذي يتميز بالبساطة لهذا استعمل الشاعر كتعبير له عن الفرح في الموال وعن الحزن في بحة الناي وعن الإستقامة في صوت المآذن.
ابتدأ الشاعر قصيدته بأسلوب مختلف، أخضعها لمنطِقِه في أبعادٍ مٓنْطٓق فيها الأشياء بذكاء خارق، فالإنسان يولد يرافقه الفرح (موال قريتي) يتعثر بالحياة يرافقه الحزن (بحة نايها)، يفهمها يلتجىء إلى الله (صوت مآذنها)، وحدهُ الله سنٓدُهُ ومُعينُه، و وحده القادر على تبديد الحزن في نفسه، لهذا لا يجِدُ أمامه إلا الله يتقرّبُ منه بالذكر، فذكرُ الله يعطيه الإحساس بالإطمئنان والرضى يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الرعد الآية 28: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). هذا هو قلبُ المُؤمَّن لا يجِدُ الراحة والإطمئنان إلا في جلسة ذكر يختلي فيها مع خالقه يكلمه ويناجيه ويبثّه شكواهُ.. فهل شاعرنا هنا في جلسة ذكر؟
هو الشاعر محمد صوالحة يحمل الله بقلبه، فهو لا يعيشُ إلا متأمِّلًا ذاكرا، خاشعًا وإن كان بين الْجُمُوع، ها نَحْنُ نراهُ الآن يجلسُ شاردًا يُفكِّر وصوتُ الموال يعلو وبحة الناي تُرافقُ الشدوٓ في حُزنٍ ويتعالى صوتُ المآذن، كلّ هذا يختلطُ مع بعض ويأتي في مسامع الشاعر يتسرّبُ لقلبه يمتزجُ معه فيُصبِحُ هو جُزءً لا يتجزّء من هذا الخليط المُتناقض، بل ويُحس أنّه هو كلّ هذا في ذاتِ الوقت.
ليهرب بعد ذلك من نفسه ويحتمي بِظَلاَم الليل لعله يمحو من ذاكرته ما يعتمِل فيها، ولا يعود إليها ـ إلى نفسه ـ التي تُؤرِقُه ويؤرقه استرجاعه لصور الماضي فهو لا يحتاجُ النظر في صورة والده التي يضعُها دائمًا أمامه ليتذكّره فهو يسكُنُه، يعيشُ فيه، كلّ شيء يذكرُه به، لهذا يجعلُ من الليل مٓخبٓأه يختبئُ فيه من نفسه ويختفي عن الأنظار عسى ظلامه لا يُظهِرُ الدموع التي تكادُ تنزِل وعسى الليل يُنسِيه ويمسحُ عنه كل ما أصابهُ وأتعب روحه وأرهقها، فالشاعر لم يكن يَظُن أنه يوما ما سيُعاني ألم الفقد ما يُسبِّبُ له ضعفًا و وٓهنًا.
ألوذ بالليل
عسى كفاه أن تمسحا
لوثة أصابت العمر
أرهقت الروح
منذ غاب عنه والده رحمه الله، وهو يعاني، ويحاولُ ما أمكنه الفرار من ذاكرته .. يفر منه (أي الشاعر) إليه (ويقصد والده)، يبحثُ عن فراغٍ داخل نفسه فلم يَعُد يتحملُ ثقل الأشياء التي تتزاحٓمُ داخِلٓهُ، لكنّه لا يدري أنّ الفراغ باتٓ يسكُنُه، ممّا جعلٓهُ يجُوسُ في الأَرْضِ باحثًا عن شيء يغسِلُ حُزنٓه، ينظِّفُ ذاكرتٓه فيتوضّأُ بورق الريحان، بزهرِ الدفلى ويُصلِّي تحت رُمانة يكاد الحزن يقتُلُها فمنذُ رحيل والده لم تُزْهِر.. والتينة مازالت صامدة، تقف منتظرة على الرصيف.. ذكرى والده وأيامه الجميلة مازال يعيشُها بخياله فهو لا يحتاج إلى التفكير الكثير ليتذكرها، هو يسترجعها من خلالِ صور ومرئيات تتراءى له وتمُرُّ بذهنه وكأن رأسه شاشة تعرضُ فيلما طويلا يجمع أحداث كثيرة لا تنتهي ولا تقف إلا بفاصل، فالشاعر كلما شرد داخل نفسه استعرض فيلم حياته مع والده في الماضي ولا ينتبه لوجوده في الحاضر إلا إذا قاطعه أحدهم. فهو بهذا يسمح لنا برؤية كل ما يعيشه بخياله عبر شاشة ذاكرته، التي تعرض الأحداث في صور ومشاهد تجعل الشاعر لا يتذكّر الأشياء بل يراها ويُشاهدها ويسمح لنا برُؤيتها معه. وهذه الرؤية الشعرية تتوفر على عنصري الزمان والمكان، فالمكان هو القرية والزمان يُمثِّل الماضي والحاضر وقد وظف الشاعر الأفعال الماضية والمضارعة لتفي بهذا الغرض مثل : (ألوذ، تمسحا، أفر، أجوس، أتوضأ، أصلي، أهدهد، تقف، تنتظر، أمسح، أدنو، تصفع، تنهش، أبكي، تبكي، نناديك، نسأل، نداوي، تشرق، أصابت، أرهقت، أزهرت، ما زالت) فعناصر الزمان والمكان هي التي ساهمت بشكل مباشر في توليد الطاقة الحسية لدى الشاعر فحضوره النسبي في الحاضر يقابله حضوره المطلق في الماضي عبر خط الذاكرة الممتد إلى ما لا نهاية.
أفر مني إليك
أجوس الأرض
اتوضأ بورق الريحان
وزهر الدفلى
لأصلي تحت رمانة
ما أزهرت منذ رحلت
لأهدهد تينة ما زالت
تقف على الرصيف
تنتظرك
ذاك الغائب الحاضِر الذي لا يغيبُ، فهو موجود بكل شيء بالأرض، في الرمانة التي تكاد تموتُ (لأصلي تحت رمانة.. ما أزهرت منذ رحلت) في شجرة التين التي مازالت تنتظر حضوره، والزيتونة التي يمسح الشاعر دموعها.. بأسلوبه الخاص دائما يعمد محمد صوالحة إلى أنسٓنة الأشياء عبر فضاء يخول له إضفاء صفات إنسانية على الأشياء مثل الوقوف والإنتظار، فهٓدْهٓدٓ التينة وكأنها رضيع، وجعل للحنين كف، وللشوق أسنان.. وجعلها كلها لها مشاعر وأحاسيس ولها القدرة على فعل الفعل، تفعلُ ما يفعله الشاعر وتحِسُّ بما يحس.
أمشي
حيث الشرق
حيث الغرب
لا أدري
علي
أمسح دمعأ للزيتونة
أغرق
ترابا يحرسها
هنا يهيم الشاعر على نفسه يفقد وجهته، يتُوه في الأرض لا يعرف أين يستقر يقصدُ الشرق والغربٓ، يمشي ويظٓلُّ يمشي، لا يعرف لما؟ لكن ما يعرفه هو أنه عليه المشي حيثُ لا وجهة وإن أخذته قدماه للشرق والغرب فبلا إرادة منه.. يهيم بكلِّ البِقاع يأخُذُه الحنين ليستقرّ على زيتُونة يمسٓحُ دمعٓها، يسقيها بدموعه.. يُغرِقُ تُرابها، يُواسيها وتُواسيه فمُصابُهما جلٓل والفراق صعب والنسيانُ مُستحيل.
هو لا يفرّ إلا من نفسه ولا يهرُبُ إلا من مشاعره.. يمشي تخنقه الدمُوع، يحاول أن يتوارى عن الأنظار، يَخْرُج .. يبكي بحرية وحُرقة.. يسيرُ حيث تأخُذُه قدماهُ..
يحمل الشاعر أناهُ المفجوعة المتألمة ويلبسها رداء التحسُّر على أيام يدركُ بوعيه التام أنها لن تعُود و لن يعيشها ثانية ولن تُعيدٓ غائبٓه مهما مشى في الأرض هائمًا على نفسه، مهما انتظر ومهما بكى، فالدموع لا تُعيدُ الأموات والحزنُ لن يُحيي ذكراهم.
كل هذا صيغٓ بلغة استنطقت النص من جهة، ومن جهة أخرى كشفت عما وراء تلك الصور والمشاهد من أحاسيس ومشاعر ترهق الشاعر محمد صوالحة وتتزاحم داخله، فجعل الأشجار تشترك معه في الحزن بل وتنُوب عنه في البكاء والإنتظار.
أدنو منها وأدنو
تنهرني وتناديك
لتصفع روحي كف الحنين
تنهش قلبي
أسنان الشوق
شاعر يدنو من نفسه يضع يده على موضع الألم. يؤرقه الفقدُ ويرهقه الغياب، أما الشوق فنارٌ مُتّقِدة لا تنطفِئ. رغم وجوده بينٓ أهله إلا أن الشاعر بعد فراق والده يحس بالوحشٓة والغربة لهذا صور لنا المكان صامتًا ساكنًا لا حركة لكنه حيٌّ يحسّ ويشعر وهذا خلقٓ نوعا من الألفة بينه وبين الشاعر، كل شيء من حوله ينطق ويعي، ينفعل ويتأثر. وقد تفنن محمد صوالحة في بث الحياة الإنسانية في الكائنات الحية غير العاقلة، الشيء الذي أكسٓبٓ الصورة المعنوية أو الحسية ملامح الإنسان، صفاته وأفعاله. فالزيتونة عندما دَنا منها نهرته وكأننا بها إنسان حيٌّ عاقل يُفكِّر ويتكلم فصوّرٓها لنا في مشهد حي إذ نراها تنهرُ الشاعر، تتجاهٓلُه وبعدها تُنادي والدهُ فهي لا تريدُه هو (اي الشاعر) أن يمسح دموعها أو يضع يده عليها بل هي تشتاق لِيَد والده الحنونة الدافئة.
أبكي وتبكي الأرض
ونناديك
يا سر العمر
يا مفردة العمر
ومعناها
“يا سر العمر..

يا مفردة العمر ومعناها

فوالده كان سنده، معينه ومخبأ أسراره، إنه تعبير مجازي في لحظة انفعالية يوجز فيه الشاعر مشاعره، ضيقه واختناقه داخل المكان حين يجعل من الأرض تُشارِكُه البكاء والنداء، فهو بسبب حزنه يُحِسُ الدنيا مظلمة والمكان حزين “أبكي وتبكي الأرض” إنه تعبير مجازي تميّز بعمق الدلالة واعتماد صورة مشهدية تجمع بين المعنيين الذهني والحسي محقِّقا بذلك عمق المعنى التصويري في أبعاد المكان في حوار ذاتي يكشف عن عمق الـ “أنا” ويثبتُ كينونتها عبر تحفيز الذاكرة. فالمكان يساعده على التذكُّر واسترجاع كل الأحداث الماضية بكل تفاصيلها ، صورها، روائحها وعبقها.. ذاكرة لا تنسى شيئا تسترجع الماضي، وتحتفي بذكرى من مرّ من هنا وغابٓ، وكان لمروره الأثر الكبير في نفوس كل من عاشوا معه وعرفوه بحياته، في كٓدِّه وجِدّه، وحبِّه وحنانه وعمله الدؤوب، رجل أنشأ.. شيّدٓ.. زرع .. راعٓى.. ثم رحل. فالمكان بكل ما فيه الجماد، النبات والأرض يشاركون الشاعر في ألم الفقد والفراق.. مازال أثر ذاك الراحل عالقا بالمكان لا يزول ولا يُمحٓى.
معاناة الشاعر تُجرّده من نفسه ، تجعله يتحدث عن وجعه وألامه ويبحث عن وسيلة ليداويها.. هو متأكد باستحالة الدواء في غياب والده -رحمه الله- الذي جسّد وجوده، حُبِّه وحنانه في اليدين “بدون يديك” فالمكان بدون والده أصبح مقفرًا ومُظلمًا لا تشرق فيه شمس، لهذا نجد الشاعر يتساءل تساؤل استنكاري يريد من ورائه التعبير عن كون الشمس لن تشرق مادام المكان غادره صاحبه وغاب ويوجز ذلك في كلمات فيقول:
ونسأل
كيف نداوي
الوجع فينا
بدون يديك
كيف تشرق
في أيامنا شمس
في ظل غيابك
القصيدة هنا ملجأ الشاعر، سكنُهُ ومأواه. هي عالمه الإفتراضي الذي يُحقِّق من خلاله ذاته. فيه يُحسُّ أنّه حي يعيشُ حياة افتراضية يَعُود فيها لماضيه بعيدًا عن حاضره الموجعُ، هي مُتنٓفّسُه الوحيد الَتِي يلجأ له كُلَّمَا اختنقٓ وأضنٓاهُ الفراق.
“في ظل الشوق” يصبح الشاعر مجرد ظلّ وخيال لِرَجُل يُمارسُ الحياة بروتينية مثل آلة، يُكرِّر الأفعال بلا شعور ولا إحساس. هكذا يبدو الشاعر حاضرا في ماضيه غائبًا في واقعه، وكأنه يفضّل العيش في الماضي، يهرب من نفسه، يتناسى وجوده بحاضره. يخلق لنفسه عالمًا من الصور يمتزجُ فيها بخياله، يشكِّلُها هنا بقصيدته بطريقة بسيطة وسهلة غير معقدة، لا يحتاج معها القارئ لإعمال الفكر في تمثلها. وقد عٓمٓد الشاعر محمد صوالحة إلى استحضار ثنائيّة الحضور/ والغياب كأسلوب يُبرِزُ من خلاله كونه غائبٌ حاضر بواقعه، وحاضرٌ غائِبٌ بماضيه عٓبْرٓ خياله مطيّته في ترك الحاضر والعيش في الماضي مع استحضار من غاب. غيابٌ أثر فيه وأتعبه، جعله صامتًا ساكنًا يهرب من الكل ولا يتحدث إلا مع نفسه من خلال الكتابة حيث استنطٓق الموجودات وكلّمٓها. فغيابُ والده عن الدار بل عن هذا العالم كلّه جعل الشاعر يحس أن المكان كئيبٌ، فالدارٌ التي كان يحيا فِيهَا حياة سعيدة كلُّها فرح رفقة والده يحسُّ بها الآن يتيمة مثله تتألم وتتوجع بعد رحيله.
كتب الشاعر قصيدته بلغة تكاد تنطق وَجَعًا إذ برزت الثنائيات الضدية من خلال تجاذب الألفاظ فيما بينها(موال وناي # صوت المآذن _ الليل# الشمس _ ورق الريحان#زهر الدفلى _ أمشي#تقف _ الشرق#الغرب ….) لتعبر عما يكتنف الشاعر من مشاعر الحزن الظاهر في الحاضر والفرح المضمر في الماضي “ثنائية الحزن والفرح يقابلها ثنائية الموت والحياة” موتُ والده الحي “ميت بالواقع، حي بقلب الشاعر بذاكرته” وحياة الشاعر الميت “حي فيزيولوجيا في واقعه، ميت بمشاعره” فهو ماتٓ بموت والده، بعد رحيله لم يعد يشعر بالحياة.
وعي الشاعر بالمكان يؤثر عليه، فالمكان قد يكون مجرّد وعاء مادي محسوس لكن مكانته عميقة في نفسيته. فهو يشكل الألفة، السكينة والإطمئنان. فذكريات الشاعر الكثيرة التي اجمعت في المكان الذي عاش فيه مَع والده يجعله يحس مشاعر مختلطة ومتناقضة فهو يحس بالدفء والإستئناس لكن بنفس الوقت يحس الوجع والألم، برودة ونفور،وكأن المكان (البيت) ليس نفسه بعدما غاب صاحبه أصبح ،باردا، مُقفرًا ومُظلمًا.. قبلًا الشاعر كان يحس بالإرتياح والإطمئنان، كان بيت والده بالنسبة له الملجأ الذي يقصده طلبًا للحماية والإحتماء من الحياة أعبائها ومشاكلها.. كل هذا فقدٓه الآن. وقد تشكّل المكان في هذا النص وتحٓوّل في ذهن الشاعر من الظرفية المكانية “جغرافيا المكان” إلى “جغرافيا الإحساس” إحساس عميق له علاقة وطيدة بالمشاعر فهو الآن ليس مجرد مكان بل كتلة من الأحاسيس والمشاعر المختلطة معجونة بالحب والحنين والفقد.. إنه مستودع لذكريات الشاعر التي عاشها بالماضي ومازال يحياها بحاضره من خلال استحضارها. وبما أن الشاعر كانت تجمعه بوالده مشاعر حب، مودة وألفة فقد تحولت هذه المشاعر للمكان “آلبيت” والأرض التي عاش فيها والده ومات وهو يرعاها.
كل هذا مزجه الشاعر بالزمن الذي يرمز إلى الحياة، ففي الوقت الذي يتحدث فيه عن الفراق، باتٓ المكانُ مُقفرًا خاليا من صاحبه. عمّه السكون والوجوم بعد الرحيل، بعدما كان يمتلئ حيوية وحركة، ضحكات وضجيج كلّها كانت تبث فيه روح الحياة. فالماضي يعيد الشاعر لزمن الفرح والسعادة وأيضا يعيده لفجيعة الموت، والحاضر يعيشه الآن بكل مآسيه وآلامه، يعيشه حيّا فاقدا للحياة.
ودائما الزمان لا ينفصل عن المكان، فالمكان نفسه في الماضي والحاضر، لكن الزمان عند الشاعر ليس ذاك الزمن الذي يحسب بالثواني، الدقائق والساعات… بل هو زمن نفسي زمن المشاعر والأحاسيس التي يثيرها الغياب في نفسيته، زمن يستحضرُ فِيه ما يريد ويخضعه لأحاسيسه الذاتية ويفرغه من طبيعته ومدته الثابثة.. بهذا الإفراغ يُفرِغُ الشاعر نفسه من نفسِه، يُهمِلُها وينسٓاها. فهو لا يعيش اللحظة بل يعيش الماضي بكل مافيه ولا يعيش محمد صوالحة بكونه هو محمد الإبن الذي فقد والده، بل يعيش الأبٓ في إبنه، فهو لم يمُت” أقصد الأب” إنه امتداد وحضور مطلق في الإبن.
نحن الآن نلمسُ وجود الأب وحضوره الطاغي في القصيدة لكن الإبن مفقود لا يكاد يُرى إلا من خلال المكان الذي أثّر فيه وجعله يتوجعُ فأنطقهُ بدٓلًا عنه.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: