أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات النقدية / قراءة نقدية : بقلم صالح هشام ( يوم آخر للحرب ):للأديبة فوزية أوزدمير
قراءة نقدية : بقلم  صالح هشام  ( يوم آخر للحرب ):للأديبة  فوزية أوزدمير

قراءة نقدية : بقلم صالح هشام ( يوم آخر للحرب ):للأديبة فوزية أوزدمير

 

تعودت في مقالاتي النقدية أن أبدأ بما اعتبره أرضية صلبة يمكن أن تحتضن  النص الذي نكون بصدد تشريحه ،ولا أبدأ إلا بما اعتبره حجة في ميدان القصة  القصيرة ، فربما ما نبدأ به ينير أمامنا الطريق ويسهل علينا طريقة تناول النص ،وفي تناولي لنص الأستاذة فوزية أزدمير (يوم آخر للحرب ) بقول القاص الكبير (هوراسيو كيروغا) :”لا تبدأ بالكتابة دون أن تعرف أين ستذهب من أول كلمة ،في القصة القصيرة الجيدة الثلاث الأسطر الأولى هي تقريبا بمتابة الثلاث أسطر الأخيرة “. يعني هذا أن نجاح القصة يبدأ من الإستهلال ، ونجاح الاستهلال نجاح لما يصطلح على تسميته بالقفلة ، وأنا شخصيا أعتبر أن جمال النص ونجاحه يبتديء من العنوان الذي يختاره الكاتب  ، هل هو عنوان ،مثير ؟ مستفز ؟ جذاب ؟ له دلالة ؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يمكن أن تراود فكر الدارس وتشد القاريء إلى التمسك القوي بتلابيب النص ، وكما تعودنا سأنطلق في دراسة هذا النص من العنوان :

*العنوان: (يوم آخر للحرب) ،الكلمات التي قامت الكاتبة بتوظيفها في العنوان ، كلمات عادية لا بريق لها ، قد  تقرأ بنوع من عدم الانتباه أو الإندهاش ، ولكن ينكشف سرها عندما تسند لبعضها البعض، ويبدأ مفعولها يسري في ذهن القاريء كالمادة المخذرة ،(يوم آخر للحرب )، تبتديء الكاتبة من النهاية ،  إن الحرب كانت قائمة ولازالت ، وما هذا إلا يوم من أيامها ، لكن كيف سيكون هذا اليوم ، فربما يريد القاريء  أن يعرف كل ما كانت عليه هذه الحرب من خلال هذا اليوم الذي ستحكي عنه الكاتبة ،فهذا العنوان لا بد وأن يثير نوعا من التساؤل في ذهن القاريء ،فالقاريء بطبعه ميال دائما للبحث عن الغريب في النصوص ، ميال للبحث عن أسباب المتعة الفنية ، التي تثير في نفسه الغرابة والاندهاش وهذا ما سنناقشه في هذه المقالة . نجاح الأستاذة إذن متوقف على طريقة  سرد ما سيقع في هذا اليوم الآخر من الحرب  وأعتقد أن الأستاذة من وجهة نظري الخاصة قد نجحت منذ السطر الأول  من النص ، بناء على رأي هوراسي كيروغا .

*المكونات الأساسية للنص : إن الحرب من المواضيع التي  تم التطرق إليها كثيرا في النصوص الأدبية ، وهي كثيمة أدبية لم تعد تقتصر على الرجل فحسب  وإنما تناولتها النصوص الأدبية النسائية بكثرة وبنجاح لا يقل أهمية عن الرجل  ، وهذا يدل على أن المرأة جزء لا يتجزأ من الواقع العربي العام ،فالأديبة أصبحت تعالج هذه الظاهرة لأنها لم تعد تلك المرأة البعيدة عن جبهات القتال ، وتأتيها الأخبار  من بعيد كما ألفنا ذلك في قصص الحروب  ، لم يعد ذلك كما ألفناه في الحروب الكلاسيكية القديمة ، وإنما أصبحت المرأة جزءا لا يتجزأ من تعدد  الجبهات التي أضحت  في كل ركن وفي كل بيت ، وفي كل زقاق ، وربما كانت المرأة الحلقة الأضعف في هذه الدوامة الحمقاء ، لذلك لا نستغرب إذا كتبت المرأة العربية عن الحرب وأبدعت فيها ، فالأدب بصفة عامة ، معاناة وتجارب ،وعندما تكتب المرأة عن الحرب فإنها تكتب عن تجاربها الخاصة والتي ربما تكون أكثر مرارة ،في هذا النص القصير جدا والذي كنت أتمنى أن لا أصدم بقفلته لجماله ، استطاعت الأستاذة فوزية أن تضع القاريء في فوهة البركان ، لتشركه الإحساس نفسه  ، و الانفعالات نفسها ، والكاتب الجيد هو الذي يجعل القاريء يقاسمه  الهموم نفسها  . وهذا ما لاحظته في نص الأستاذة  باعتباري قارئا متفاعلا مع ما وردد من أحداث في هذا النص الجميل ، تنقل الأستاذة فوزية تلك الأحداث الناجمة عن هذه الحرب القذرة ،وما تخلفه من دمار ليس على مستوى البنايات فحسب وإنما ما تفعله من تأثير قاتل في نفس الإنسان ،خصوصا الأطفال والنساء ، الذين يكونون بمثابة القشة المستضعفة في لهيب النار ، لقد كانت الأستاذة بأسلوبها الجميل قادرة على شد انتباه القاريء لما تهدف إيصاله إليه ، فعندما تجتمع غرابة الحدث وجمال اللغة ، فعلينا أن ننتظر لوحة زاهية الألوان وإن كان موضوع اللوحة مقرف ومقزز ألا وهو الحرب اللعينة .

المقومات الأساسية :  سأنطلق في هذه المقومات من خلال الأسس التقليدية للفن السردي بصفة عامة ، سواء كان النص قصة قصيرة أو رواية أو ما شابه ذلك:

*السرد : إن هذه التقنية هي ديدن العملية الإبداعية برمتها في مجال الفنون السردية ،وهو الطريقة التي تحكى بها القصة  ، اعتمادا على مجموعة من المؤثرات التي ينهجها السارد ،  الساردة في هذا النص تأخذ بزمام الأمور : تنتج الكلام وتوزع الادوار بين هؤلاء الأبطال الذين يتحركون في ذلك المكان الضيق كما سنرى ، فالساردة إذن تستحود على الكلام في النص من بدايته الى نهايته اعتمادا في ذلك على الفعل الماضي وضمير الغائب   ، اذ لا تشارك باقي الشخوص في عملية السرد وإنما ، تديرهم يد واحدة هي يدالساردة ، والأبطال هنا يتساوون في المهام ، فليس هناك أبطال رئيسون يكون حضورهم براقا في النص وآخرون ثانوييون يساهمون فقط في تنمية الأحداث ، كل الأبطال في ها النص قش سهل لهذه الحرب الطاحنة . استعملت الأستاذة ضمير الغائب بالنسبة لجميع الشخوص باستثاء ذلك التوظيف الخجول لضمير المخاطب وضميرالمتكلم .

*المكان : إن هذا الفضاء الذي يتحرك فيه الشخوص  ضيق للغاية ،إذ لا يعدو أن يكون بيتا تقتحمه القذائف من كل حدب وصوب ، فيه يحتمي أفراد العائلة بأيديهم منها وهي تفاجئهم في كل لحظة ، ورغم أن أمكنة الحرب كثيرة متعددة ، لكن كانت الأستاذة أكثر دقة في اختيار مكانها ، فإنها  لم تختر الشوارع أوالجبهات ، وإنما ركزت على البيت الذي سيكون سكانه الحلقة الأضعف في معادلة الحرب . وربما تريد من خلال هذا المكان الأكثر قداسة أن تشرك القاريء ، المعاناة الحقيقية التي يعيشها الإنسان رغم أنه  في البيت ، فالمعروف في الأدبيات الإنسانية على مر العصور والأزمنة أن البيت رمز للاطمئنان والهدوء والاستقرار بمختلف أنواعه ، لكن أخطر ورطة  يقع فيها الإنسان هو أن يفقد الأمن والأمان في بيته ، فالمكان إذن لم يكن اختياره اعتباطيا وإنما كان اختيارا فنيا ذكيا ،  مكان مقدس ، يحرم انتهاك.

حرماته في جميع الأعراف البشرية ، لكن الحرب لا تفرق بين المحرم والمباح ، بل تخبط العشواء .

* الزمن : توأم المكان ، فلا مكان بدون زمان ولا زمان بدون مكان ، لا هذا بدون ذاك  ..

فهو اللحظة أو اللحظات التي تتنوع في النص السردي ، بتنوع الأمكنة وتنمية الأحداث ، فكل هذه المقومات مجتمعة هي التي كونت البناء الأساسي للنص .

والزمن هنا أيضاً لا يقل أهمية عن المكان من حيث وعي الأستاذة فوزية بأهمية الاختيار – الليل – بأسراره ومشاكله ورهبته ، كان زمن هذه الأحداث ، وذلك لأنّ الكاتبة كانت تهدف إلى زيادة وحشة النّص وكلّ ما هو موحش ، حتماً سيكون جذاباً للقارئ ، خالقاً للإدهاش والإعجاب ، ومن عوامل إقبال القارئ على قراءة النص .

ولعل الاختيار له أهمية خاصة بالنسبة لنجاح أيّ نص سرديّ كيفما يكون نوعه ، خصوصاً وأنّنا أصبحنا نتعامل مع قارئ من نوع ” خاص ” قارئ من الصعب نيل رضاه وإعجابه وجعله يقبل على قراءة النصوص ، في هذا الخضم الكبير من وسائل المعرفة والترفيه ، تحضرني قولة لرائد الرواية العالمية ” كارسيا ماركيز ” يقول : القبض على أرنب أسهل من القبض على قارئ ”

هذا دليل على أنّ النص الجيد هو الذي يشدّ القارئ إليه  ، ويجعله يتفاعل مع الكاتب / ة ، ويشارك بطريقة أو بأخرى في إعادة تشكيل النّص ،وصياغته .

الكاتب الجيد هو الذي يخلق القارئ الناقد المشاكس على حدٍّ سواء

المقبل على المادة بوعي وإرادة ، عند ذاك يقول الكاتب / ة :

لقد ربحت الرهان ولم تضع مجهوداتي سدى ..

وأظن أنّه من وجهة نظري الشخصية أنّ الأستاذة فوزية أوزدمير قد توفقت في ذلك .

لن أتحدث عن باقي المقومات الأخرى كالقفلة والحبكة ، فتوفرهما وإتقانهما من أسباب إقبالي على هذا النّص لأخصه بهذه الدراسة النقدية ، وإنما أتحدث عن أهم خاصيّة لا زال البعض يهملها ولا يعطيها المكانة التي تستحقها وهي ” اللغة ” .

* اللغة : يختلف الكتاب في طريقة توظيف اللغة ، وذلك تبعاً لخصوصيات الخلفية الثقافية ، والنظرة الشمولية للأشياء ..

قد نقول كل له صوته ، هذا صحيح وسليم ، لكن هناك من يبالغ في توظيف الانزياحات اللغوية ، خصوصاً إذا كانت تخضع لعامل التكلف ، فتتحول إلى عيب من عيوب الكتابة ، تخلق هذه الانزياحات بعض التشويش في ذهن القارئ ، وهناك نوع ثان يعمد إلى استعمال اللغة المباشرة المبتدلة التي لا تؤدي الوظيفة المنوطة بها ، فهي لا تخلق في نفس القارئ أيّ اندهاش – يذكر – بل يدوس على النص دون أن يقرأه ، فيكون الكاتب قد ضيع جهده هباء منثورا

الأستاذة فوزية من الطينة الثالثة التي تؤمن بأنّ الانزياح وبلاغة الغموض في النّص – عبارة عن الملح في الطعام – إذا كثرت تم العزوف عن الأكل وإذا قلت ، كان العزوف أيضاً

و ( خير الأشياء كما تقول أوسطها )

فالأستاذة توظف لغة سهلة متمنعة عن الابتدال والمباشر ، ولكنها من حين لآخر تضيف بعض التوابل التي تجعل النّص أكلة لذيذة تجلب القارئ ، كما يجلب مصدر الرحيق ” النحل ”

ولعل هذا التوسط في الاختيارات هو ما جعل هذا النّص الذي رغم قصره لا يخلو من تكثيف وإيحاء ، ولغة سردية جميلة ، رغم أنّ هول الأحداث الناتجة عن الحرب ، تستوجب انزياحاً أكثر ، وبلاغة غموض أكثر ، لكن الطبع يغلب التطبع ، والطبع خاصيّة محمودة في إبداع الأستاذة فوزية ، فهي طورت صوتها ، ولم تعد في حاجة إلى التكلف ومحاكاة الآخرين ، ختى تكتب نصا أكثر ما تنفعه

قول : ” هوراسو كيروغا ”

” قاوم المحاكاة قدر الإمكان إذا كان الباعث كبيراً جداً ، قم بالمحاكاة

تطوير صوتك الخاص ، يأخذ الكثير من الوقت والصبر ”

يعني هذا أنّ صقل الصوت الخاص لا يحتاج إلى تكلف ومحاكاة الآخرين ، وانفراد الأستاذة فوزية بأسلوبها الخاص ، ميزة حسنة تحسب لها

ما يجب الانتباه إليه هو ضرورة العناية باللغة في النّص السردي لأنها أي ” اللغة ” تكون سبباً في التكثيف وفي صنع تاريخ طويل بشكل توسعي يشبه الانجار في ذات الوقت ، كما يحلو لبعض نقاد القصة أن يسميه ، فهي إذن مساحة ضيقة محدودة ثلاثية الأبعاد وهذه ميزة للأستاذة فوزية

* خاتمة : أنّ هذا النّص رغم ما يتميز من إيجاز ، عاملته بحنكة من حيث القراءة معاملة القصة القصيرة ( الطويلة ) لكونه يتوفر على جميع عناصر الجمال ، واحترامه لجميع مقومات هذا النوع من الكتابات الإبداعيّة ، وتمنيت لو لم ينتهي النّص عند تلك الصورة الخطيرة التي كانت قفلة صادمة وجداً ، أن تخرج الجثث في عربات النفايات ، ولكن هذا هو الواقع ، بالرغم من أنّ الانزياح عن الواقع من خصائص نجاح فنّ السرد بصفة عامة ..

نتمنى للأستاذة فوزية أوزدمير النجاح في مسيرتها السردية وكلّ من سار على الدرب وصل .

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

النّص المعتمد للأديبة  فوزية أوزدمير

 

 

 

عن جودي أتاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: