أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / قراءة نقدية على ديواني الشاعر السوري محمد زعل السلوم
قراءة نقدية على ديواني الشاعر  السوري محمد زعل السلوم

قراءة نقدية على ديواني الشاعر السوري محمد زعل السلوم

لصحيفة آفاق حرة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف تم نقد ديواني الحب والتكوين وديوان اوبوا الذين طبعتهما عام ٢٠١٤

4

بقلم – محمد زعل السلوم
طبعت ديوان “عُرمة قمح” والذي كان حب وطن وانسان، لكني بعد ذلك طبعت “الحب والتكوين” والذي كتبته في يوم واحد او خلال يومين على الأكثر، أذكر ذلك اليوم بالذات عام 2009 ولكنني لم أطبعه إلا عام 2014، وقد ساعدني آنذاك صديقي خضر مجر وهو زميلي بالماجستير وشاعر أيضاً ابن سلمية عاصمة شعراء العرب. وكتب مقال ناقد حول الديوان في جريدة البعث، وكم شعرت بالغبن مما كتب فتحت عنوان “الحداثوية التي قصمت ظهر القصيدة..في الحب والتكوين” بجريدة البعث :
بين الاستسهال والاحتراف يقع الكثير من شعراء هذه الأيام في هوة القصيدة اليومية. فيكون الغرق في السردية على حساب الصورة والالتقاط الجديد. هذا ما ظهر لي في مجموعة الحب والتكوين للشاعر محمد زعل السلوم وقدم للمجموعة الأديب محمود عبد الكريم.
تبدأ الاشكالية في اسم المجموعة الذي يحمل بين طياته نفحات فلسفية تظهر فحوى السؤال ضمن القصيدة. يفتتح الشاعر مجموعته بقصيدة الأطلال يعبر من خلالها إلى جو المجموعة الواحد، وهذا ليس غريباً عندما نرى أن معظم القصائد قد كتبت خلال يومين متتاليين بحسب التاريخ الوارد أسفل كل قصيدة ما أضعف الحالة الشعرية. وتركز على السرد ضمن حقل لغوي ثابت أضعفه تكرار اللوحة دون أي مدلول جديد. يقول في قصيدته الأول : /وانتقلت إلى أبواب الفخّار/ وتحصّنت في قلعة الأمل/ لست مجرّد شعارات/ لست نبرة ولا صوت أقفال/ فأنا أسطول الذكريات/ بارجة الحب/ ومعركة العراء/. ومع هذا الاستخدام لمفردات غير شعرية يتلاشى بريق الجمال، ولكن في الوقت نفسه يلبس الشاعر بعض قصائده وشاح الرمزية ضمن طرح فلسفي، من قصيدة (الحب والتكوين) /أنا شيء من أعمال العبادة/ شيءٌ تاه بلا أثر/ في منظومة التراب/ لأعود لجمع الجذور/ وأضحي قوة السكون/ ونوعاً من التفريغ/ والمجهود الفائض/ متكاثراً كشراسة التكوين/. ولكن أمام هذه الطروحات نرى محمد السلوم يأخذنا إلى حالة جديدة دون هذا المستوى يشوبه الخاطرة الواهنة عندما اعتمد الشاعر على مفردات باهتة. يقول في قصيدة الجوال : / كم أشتاق لرنته/ كم اشتاق لحبيبة تترقب اتصالي/ كم اشتاق لتلك النغمة/ التي تهزّ كياني/ وتعيد لي انتصاراتي.
وضمن هذه الحالات السردية الطويلة تظهر لنا صور شعرية جميلة لابد من التوقف عندها. لكنه ما يلبث أن ينتزع مفرداتها حتى يقحمها في حشو لا مبرر له في قصيدة هوى : /اشتاق لباب البيت/ على مفترق الأحلام/ سأجمع الحمالين بالحارة/ وأمد كفي إلى السماء/ وأدعو من قلبي/ ألهمني اللهم الصبر/ على هواي الضائع/.
الحب والتكوين هي المجموعة الأولى للشاعر محمد زعل السلوم. وربما أراد من خلالها خلق ذاته بطريقة مختلفة عن أبناء جيله. مستخدماً لغته الخاصة التي أطاعته أحياناً، وأضاعته أحياناً أخرى.

دار بعل 2014. الغلاف الفنان رائد خليل. خضر مجر
وكان ردي على أول نقد لأول ديوان علني وفعليا الثالث، انفعالياً بعض الشيء وصدمة بالنسبة لي لأقول :
المقالة التي كتبها صديقي الشاعر خضر مجر في جريدة البعث اليوم والتي احترم فيها رأيه وهناك من النقاط التي طرحها ولابد لي من التعقيب عليها في هذه العجالة لانشغالي بالامتحانات بالماجستير
سأبدأ من النقطة الأخيرة التي طرحها وهي انه الديوان الأول المطبوع لي في الحقيقة هو المطبوع الثالث اذا اضفت الديوان المشترك الذي طبعه مركز السرفانتس الاسباني عام 2005 وديوان عرمة قمح في مطبعة مراد بالبرامكة ضمن ثلاثة دواوين وافق عليها اتحاد الكتاب العرب والقارئ الذي وافق لي على النشر كتب ملاحظة هامة حول الحب والتكوين : ” انه غني ويتميز بكثافة الصور الشعرية وينم عن زخم في الثقافة الفكرية والانسانية من حيثية الموضوعات -واركز على كلمة الموضوعات- المتنوعة التي طرحتها ذات الشاعر.”
النقطة الثانية موضوعات الحب والتكوين المطروحة متنوعة كما ذكرت آنفاً وليست على ذات الايقاع كما ذكر الصديق الشاعر خضر مجر وفلكها يدور بين التحرر والانعتاق من الذات والبحث عن الحرية الروحية والصراع بين الوعي واللاوعي والانا الشاعرة والهو الغرائزية والبحث عن الكمال سواء عبر ثنائية المرأة -الوطن أو ثنائية المرأة -الرجل أو ثنائية الوطن-المشروع أو عبر ثنائية الحب-التكوين
عناوين القصائد الثلاثين تساعد القارئ على فهم الصور الشعرية وتقوده الى تلك العوالم المتنوعة التي قد يغوص القارئ بها أو يعيشها
ولو أن الديوان بالغ الذاتوية في كثير من الاحيان مما قد يثير الغموض والتساؤلات لدى القارئ وهذا مايفسر عسر الفهم لبعض الكلمات والصور في بعض الأحيان لدى بعض القراء حتى أن احد قرائي للديوان ذكر لي بأنه اصيب بالارهاق النفسي وهذا بالفعل ما اريده ان يصل الى القارئ وهكذا اعرف ان قارئي تشرب تماما مشاعري حينما اكون مرهقا ومحبطا بذات الوقت وهذا يعني انه كان مرهق ومحبط وهناك من عاش كافة اللحظات واستمتع وتلذذ بكل كلمة وصورة شعرية مطروحة وهذا ايضا ما اريده من القارئ ان يصل اليه بمعنى ان ترى اللوحة الشعرية ان كنت سعيدا او حزين بمعنى ان قصائدي هي مرآة نفسية لحالة قارئي مثل اللوحة التشكيلية بالضبط وهذا لا يعني انني اختبر المتلقي لكلماتي وانما غوص ذاتوي لدى المتلقي
بالنسبة لذكر الوشاح الرمزي في قصيدة اطلال فانا ذكرت هيلانة التي سببت حرب طروادة وهيلانة الاخرى التي صنعت الحضارة الهيلينستية التي نعرفها عبر تاريخنا القديم بمعنى الانا الاعلى والهو وعطيل الذي ارتكب جريمة قتل ديدمونة بالمسرح الشكسبيري وهذا العذاب والوجدان والالم الداخلي في الغرائز البشرية التي وصفتها بالتكاثر كشراسة التكوين وكأنني هنا اعود بتعبير القرآن الكريم الماء المهين الذي خلق منه الانسان وهذه التأوهات البشرية بين الانا الاعلى اي الانا المثقفة والعقل البشري الذي يميزنا عن بقية الكائنات والهو اي الغرائز التي تحولني من ديناصور الى قزم اي الديناصور القزم.
النقطة حول الكتابة الواهنة في بعض القصائد ومفهوم الحشو والسرد برأيي أتمنى على الصديق الشاعر خضر مجر اعادة القراءة للقصيدة الواحدة وقد نشرت العديد من قصائد هذا الديوان قبل عدة سنوات بالكثير من مواقع النقد العربية ويمكنني نقل كافة الآراء حول كل قصيدة لدي
مفهوم الحداثوية التي قصمت ظهر القصيدة كعنوان لم يصب شاعرنا في تحديد الحداثوية ذاتها ولا مفهوم السرد بالضبط حتى اتمكن من الرد عليه وانما تحدث بالعموميات التي تدور في فلك هذين المفهومين
واحب ان اختم بمقطع من قصيدة للشاعر البرازيلي مانويل بانديرا 1886 – 1968والذي له قصيدة صغيرة جميلة نقلها إلى العربية خليل كلفت ومنها . . ” . . إذا أردت أن تحس بسعادة الحب، انسَ روحك، فالروح هي التي تدمر الحب . في الله وحده يمكنها أن تجد الراحة، وليس في روح أخرى..”.
محمد زعل السلوم
22 حزيران 2014

لكن كاتب مقدمة ديواني الأديب ومعلم اللغة العربية وزميلي بالأنروا وبالطبع صديقي محمود عبد الكريم، انتبه إلى انزعاجي من نقد صديقي الشاعر خضر مجر ليقول :
“المطلع على مقالة خضر مجر يجد أنه لم يجانب الصواب في ماذهب إليه فهو يطمح إلى تكثيف الصورة الشعرية وإلى انتقاء المفردات المناسبة لغرضها وإلى جعل القصيدة دفقة شعورية تنساب رقراقة معبرة عن ساعة إبداعها وكأنها تصدر دون تكلف في الحالة فهو ضد الغزارة الشعرية وهذا عين الصواب ﻷن الحالة النفسية تسيطر على ذات المبدع فترة ليست بالقصيرة وهنا لانستطيع إنكار مواطن الجمال في ديوان محمد زعل السلوم وعلى شاعرنا أن يتقبل كل مايقال عن ديوانه بعد أن أصبح ملكا للقارئ سواء أعجبه أم لا وأن يعمل على تطوير أدواته فمانقبله منه اليوم لن نرضى به فيمابعد أليست الحكمة هي ضالتنا وننشدها من أي مصدر وأن نسعى دوما نحو الكمال ولكن هيهات أن نبلغ شيئا منه ومجرد الحديث عن الديوان هذا دليل أنه أثر بشكل أو آخر في متلقيه دون أن يمر مرور الكرام ولنعلم لولا النقد لظل المبدع في برجه العاجي لا يسمع إلا صدى كلماته وليعلم كل من يبدع أن الشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبه مع كل الحب لمن أبدع أو نقد أو وقف مستمعا.”
ولكن مقدمته كانت مقنعة لمن يرغب الغوص في الحب والتكوين فنشرت وقتها شكري وامتناني لصديقي محمود عبد الكريم على مقدمته للديوان التي يقول فيها :
في عالم لم يعد فيه للشعر إلا بقية باقية لازال يكتب الشعر وما الشعر إلا محاولة لخروج الروح من خرائب الألم إلى الأمل وقد يتحامل علينا بعض الناس في أن نسميه شعراً لأنه لم يلبس لبوس الشعر ولكن مادام يحمل شعوراً فله ذلك .
أليس الشعر العظيم برأي ناقدنا الكبير يوسف سامي اليوسف في كتابه ما الشعر العظيم؟ ( هو الذي يبلغ أعماقك بفورية مسترسلة وهو الذي يتحدث عن الوجدان والألم البشري)
وكلمات شاعرنا محمد زعل السلوم ليست ببعيدة عن مثل هذا الكلام وربما لا تحيد عنه كثيراً

-أنا أشيع أوراقي
-واختلافي وتباغضي المنسي
-أمام سليقة الحب السليمة
– لتناثر أوراقي
– وكأنّها أزهار
– وأقلامي كأنها فراشات
– في لحظة الانعتاق تلك
لهذا نجد شاعرنا قد لاذ بالكلمة أوليست الكلمة هي مركب نُحمّلُهُ آلامنا وآمالنا وهمومنا وانكساراتنا ونخترق بها الزمان والمكان.
أوليست الكلمة هي درعنا الذي نقاوم به مصاعب الحياة ونلجأ إليها وهي دواء لأرواحنا نبث فيها فرحنا وحزننا وقد تكون سمّاً مؤلماً قاتلاً
وأعترف بأن الشاعر محمد السلوم قد شدني وأخذني بما يحمل من حس مرهف شاعر مسكون بما في الطبيعة من نبض دافئ، جميل شعر يترجم ذات المبدع بشفافية وصدق. ولا أظن صديقنا الشاعر يكتب لأجل الكتابة بل لأنّ القصيدة هي أنفاسه وأحلامه وآماله وحتى خيباته ولاننسى أن من المرارة مايتدفق من الحرف صرخة ألم ومع الشروق يتلوّن الحرف بزهرة أمل
!!!-كيف أطوي وحشة الأيام؟
-تتلظّى نصالي بالهَجر
-وعذابات الحب الميداني
-وأنا سيد المجانين
-أنا الفاني إلى الحياة
-والفاني إلى الموت
ونلمح نفساً مثقفة هاجسها تلوين الحياة بألوان زاهية فيطالعنا عنوان ديوانه ( الحب والتكوين) فهل أراد أن يقول لنا أن الحب هو سمة أصيلة في النفس البشرية جُبِلَ عليها منذ تكوينه وأنه أساس لبناء هذا الكون واعماره ، وهذا يذكرنا بقول ايليا أبو ماضي :
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا لولا شعور الناس كانوا كالدمى
أحبب فيغدو الكوخ كوناً نيّراً أبغض فيغدو الكون سجناً مظلما
ونرى شاعرنا يحرك فينا تساؤلات وجودية ثم يتركنا مرات حائرين تاركاً الباب مفتوحاً على مصرعيه لتهيم الروح في وجد وقد شفت
-كيف أزيح ذاتي عن ذاتها
-كيف تفجرت مخالبي
-كيف تبدلتُ لميّت
وتارة أخرى يحرك أشجاننا بنفحته الصوفية فهو مازال على أعتاب محبوبته متلذّذاً بألمه رغم اشتداد تباريح الهوى
ولايغيب عنا أن الصوفي يبحث عن الحقيقة والعلوّ في ذاته وروحه والرومنسي يبحث عنهما في الطبيعة والأشياء الخارجية
-وأنا بقيتُ فوقَ متنِ سفينتي
-أتطلّع للمحيط
-وآلامي بحجمه
-أقف باعتزاز
-أنّي عشتُ حباً ذات يوم
-عشت آلامه
-وتقلّباته
-وعدت إلى نفسي وحدي
-أتطلّع إلى ضريحه في السماء
ولا تخلو نصوصه من بلاغة رغم بساطة الكلمات وسهولتها وكما عرّف ابن المقفع البلاغة ( إنها تلك التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنّه يحسن مثلها )
وهنا ألوم شاعرنا إن كان يحق لمثلي أن يلوم أن اغراقه في الرمزية في بعض المواضيع جعل المعنى صعب المنال على القارئ العادي وهنا ابتعد الشعر عن أن يكون خبزاً للفقراء
– أنا شيءٌ من أعمال العبادة
– شيءٌ تاهَ بلا أثر
– في منطومة التراب
– لأعود لجمع الجذور
– وأضحي بقوة السكون
– ونوعاً من التفريغ
– والمجهود الفائض
– متكاثراً كشراسة التكوين
وللأسطورة نصيب واسع بين كلماته تدلّ على اطلاع واسع في الآداب الأخرى وقد وظّفها شاعرنا بشكل جيد وربما لاذ إلى أحضانها خوفاً أو هرباً من واقع أليم
-تبارحني ذكريات جلجامش وطروادة
-يبارحني عطيل وجريمته
-وهو الضحية
-أواهُ هيلانة عودي
وفي النهاية – وإن أسهبت في حديثي – أرجو الله أن يكون هذا العمل أول الغيث ثم ينهمر وأن يحفظك ويمدك بمداد من عنده
واغفر لي تفاصحي فأنت شاعر ولا يحق لنا إلا الانحناء أمام خلود الشعراء ونحن الزائلون
دمشق الجريحة
25/3/2014
الفقير إلى رحمة ربه
محمود عبد الكريم

وبعد طباعتي لديواني الثاني “أوبوا” والذي كان اسمه الريم والحب حتى لحظة الطباعة هاجمتني الروائية الفلسطينية ديمة داوودي وأثنت علي بذات الوقت على طباعتي لديواني “الحب والتكوين” و”أوبوا” لتنشر بجريدة البعث :
الروائية والصحفية ديما الداوودي في مقالها بجريدة البعث اليوم الثلاثاء 27 اب 2014 عن مجموعتين شعريتين لي هما الحب والتكوين واوبوا والمقال كامل كما هو في دراستها النقدية للعملين الادبيين واعيد نشر المقال كون صفحة جريدة البعث لم تفتح لدى بعض الاصدقاء واليكم المقال مع العنوان
في مجموعتيه “الحب والتكوين” و “أوبوا” الشاعر محمد زعل السلوم بتلات ورود قطفت قبل تفتحها
أمام مجموعتين شعريتين صدرتا معاً، لا يمكنني إلا أن أتساءل ما السبب؟ وما هو المخزون بين ضفافهما من أسلوب ولغة وحداثة؟ لا يمكن إلا أن أطرح السؤال: لماذا قد يقدم الشاعر أو الكاتب على استصدار مجموعتين شعريتين في آن واحد؟ أهو الشرط الواجب على المتقدم للانتساب إلى اتحاد الكتاب العرب؟ بوجود مجموعتين من الجنس الأدبي نفسه؟ أم هي محاولة مجاراة السرعة التي تسلب أيامنا وحياتنا؟..
ماذا لو لم تكن هاتان المجموعتان صالحتين للنشر في نظر المتلقي؟ ماذا لو أنهما عجينة أفكار لم تنضج بعد؟ وقد زجت في الأسواق وعلى رفوف المكتبات؟ أيعقل أن تكون مجرد بتلات ورود لم يسمح الكاتب لها بالتفتح وقام بتجفيفها قبيل تبرعمها كما فعل الشاعر محمد زعل السلوم في مجموعتيه “أوبوا” و”الحب والتكوين” الصادرتين عن دار بعل للعام الحالي.
بين مجموعتي الشاعر الصادرتين في آن واحد نلاحظ الفرق الشاسع في الأسلوب، حيث إن أقدمهما في تاريخ كتابتها هي الأكثر ملامسة للواقع الشعري ومتطلباته من صورة وبلاغة ولغة وتراكيب، فيما تفتقد المجموعة الثانية الحب والتكوين هذه المعادلات، حيث إن الشاعر قد تعمد كتابتها مواكباً لسرعة البرق كما يبدو لتنجز المجموعة كاملة كما يحدد التاريخ الذي يصر الكاتب على كتابته خلال أيام ثلاثة؟ أي شعر يمكن أن ينجز مجموعة شعرية متماسكة في ثلاثة أيام؟ وأي قريحة للشاعر جعلته يقترف ذلك الفعل ليترك قصائده أرغفة خبز لم يكتمل نضوجها ويعرضها للبيع تماماً كبتلات ورود لم يكتمل تفتحها، فما المجموعة إلا رسائل حب منثورة وموجهة لقارئتها مواكبة بعض الحداثة ليجعل إحداهما معنونة بـ”الجوال” مضيفاً إليها الكثير من الحشو الزائد ما أعطى النصوص الترهل وضيقاً غير مبرر في فضاء الشعر وذلك واضح في قصيدة يقول فيها: (دمعت عيناي وروحي، ومنطقة الجبين، سليقة الحب السليمة) ويعاود زج الأسطورة في ما لم يفد النص مستعيناً بـ”أفروديت” التي لم تعط النص ما ابتغاه الشاعر، ومن الملفت للنظر أن الشاعر كان مستعجلاً في ترتيب قصائده ومستسهلاً في خياراتها ليتركها مرتبة حسب التسلسل (الألف بائي) لا حسب جمالية القصيدة.
ومع مقدمة مقتبسة من كلمات الناقد الكبير يوسف سامي اليوسف بقلم محمود عبد الكريم، لا بد للنص أن يجاري مقتبسات المقدمة التي تحدثت عن الشعر العظيم بسطورها: (هو الذي يبلغ أعماقك بفورية مسترسلة وهو الذي يتحدث عن الوجدان والألم البشري) فما مبرر التسرع في طباعة مجموعة شعرية يغريك عنوانها لتنتهي من قراءتها خلال ساعة دون أن يعلق بذاكرتك سوى قصيدة واحدة عنوانها (ضوء)، يقول فيها: (قافلتي المجنونة تنحت جانباً، واستقالت ورمتني، قررت إقالتي معها، مع إني أرغب بالاستمرار، ضوء، يتسربل إلى وجهي المغبر، ليعيد الدفء إلى وجنتي، في صحرائي ورمالي المتعبة، من رياح وعواصف النجوم، في حوارية مكاني المهدم، وحواسي المستنفدة، لكل روائح الياسمين، وجولتي المنعدمة، وولادتي المبصرة، منذ عام، وبعد عام، لم أبتسم، لم أبتسم، وشعاب الحزن، وتشرذمات الضوء، بعد الطوفان، ومثوى الضوء، خلال مئة عام، بقي على جبهتي المظلمة، ليرسم علامة ووسام، حب ضاع.)
في حين وردت في المجموعة بعض الصور والتراكيب التي لا تخلو من الشاعرية وتوصيف عوز حالة الحب اللامنتهية عند الشاعر، ما جعله قتيل بوح من فيض حبه أربك قصائده وأثقلها لكنه نجا منه في قصيدته (حرب) حين قال: خيمتي أنسجها بجدائل الحب، كما وقع الشاعر في هذه المجموعة في أكثر من مطب أولها: اندفاعه نحو غير المألوف من الكلمات كـ (نشوئيتنا وتشرذم) وثانيها: التكرار، حيث أصر على استخدام صيغة الفعل المضارع لتأكيد الحدث لكنه كان يصلح لأن يكون في قصة أكثر منه شعراً ما أضعف إيقاعية النص ومنها اعتذر امضي، ابحث، أهذي، هذه الأنا المفروضة على النص أوضحت استسهال الشاعر في انتقائه لمفرداته وتراكيبه لينجز المجموعة خلال أيام ثلاثة تبرر ما ورد فيها من أخطاء لغوية وغياب لعلامات التنوين.
وبالرغم من سلبيات المجموعة المستحدثة إلا أن الشاعر تمكن من التقاط بعض الصور بعين الخبير وهذا ما كان يجب أن يحافظ عليه في مجموعته كاملة ليوازي المجموعة الأقدم في تاريخ طباعتها والتي طبعت عام 2005 وحملت عنوان “أوبوا”، و”الأوبوا” هي آلة موسيقية قد برع الشاعر في اختيارها عنواناً لمجموعته الشعرية التي يبدو أنه قد استمهل لطباعتها ولم يسابق شبح السرعة، حيث إن مجموعته “أوبوا” حملت بعضاً من انفعالاته التي يبدو أنه يكتب متأثراً بها، فكانت أكثر جمالاً وملامسة للشعر الحقيقي بعيداً عن الحشو الزائد والكلام المصفوف، وهذا واضح من عنوانها وعناوين قصائدها (استثنائية، امنحيني، يامن تزرعين الورود، والقلب عند وردة شامية).
يتمتع الشاعر بقدر من الرقة في أوبوا فيكلم الورود ويناشد السماوات كطفل فيقول في قصيدته امنحيني: (امنحيني.. أنا الفقير لفراقك.. الغني بهواك.. ليبزغ فجري من جديد.. امنحيني.. فأنت سفينة البحر.. تمخرين عباب الشمس.. وخيوط جدائل النرجس.. امنحيني .. الأمان في رونقك)…
وهذا ما يطرح سؤالاً للشاعر محمد زعل السلوم: كيف له من بعد أن تمكن من العزف بشفافية على “أوبوا” أن يترك القصائد خريفية العمر قبل أوانها في الحب والتكوين؟!.
ديمه داوودي
ولكن صديقتي الدكتورة الجزائرية بالأدب العربي سعدية ياسين تتحدث عن قصيدة الحب والتكوين التي افتتح فيها ديواني لتقول في نقدها عنها :
للشعر سلطته و سطوته حين يمزج بين عمق المعاني و عذوبة الأيقاع الشعري فتتحول مداراته الى سماء شاسعة تلمع فيها ذات المبدع و هذا ما كشف عنه هذا النص الشعري حين مزج الشاعر بين ذاته و بين الارض و التراب من خلال عنوان الديوان ” الحب و التكوين ” و كأنه يعلن عن بدايات جديدة غير البداية التي نعرفها بدابة تتجاوز النص من خلال توظيف الرمز في قوله لأعود لجميع الجذور و كأنه يقتح باب التاريخ على مصرعيه و يخرجه من سكونه حين ضحى هو بالسكون ليخبرنا من يكون ليتحول من مجرد ذات شاعرة الى صوت يختصر قئات ان لم نقل مدارات من الزمن الصامت ” لان جسدي حبس أنفاسه و تبلل بعصارة التكوين ” كما أن المكان لا أهمية له كيف لا و هو يتمايل ليلغي بذلك الحدود الفاصلة بين الارض و الجسد ” الجدران تتمايل ألما مثلي”…ربما هذا النص لم يلخص ذات فحسب ولا فئة وهنة بقدر ما لخص زمنا رافض لواقع هش فكان الرمز في الانبعاث من خلال الحب و من خلال التكوين المادي من خلال الشعر و المعنوي من خلال الذات الشاعرة …شكرا أستاذ زعل لما أبدعت أناملك و دمت للقلم عنوانا.
أما ديوان “أوبوا” فقد كتبت لي مقدمته المرشدة النفسية والتربوية والشاعرة الفلسطينية (هبة الأطرش) لتقول :
في أشعار أوبوا وهو اسم الآلة الموسيقية التي تعود لعصر الباروك، تجسيد صارخ لألفة الروح للحب .. ولعشق تلك الغزالة “الريم” مناجاة تنبع من خلجات القلب وتصب فيه.. حيث يعيش بنا شاعرها نيران الحب وشغفه …لحظات التمامه على المحبوب .. ولحظات الفقدان
ومابين الوصل والهجر تصعد صداحة بالبلاغة وعمق المعنى أحاسيس الغيرة والشوق…الحنين واللوعة..اليأس السخط..الألم و..سكينة لحظة الارتواء.
تلامس المجموعة الشعرية ” أوبوا” اقدس المشاعر الانسانية ، تلك المشاعر الواضحة بوجودها والمعقدة في تفسيرها تعقيد قدسيتها..
ترحل بالخاطر في غيابات مواسمه وتنسكب غنية فواحة بخلاصة المعنى وعبيره ، حيث تأخذنا صفحات اوبوا لتسير بنا في قلم شاعرها بين قوافي عواطفه ومنحنيات كلماته … ولتتصيد من بحار الضياع في جوّ الحب اصدق المعاني التي تحياها التجربة الانسانية في غماره.. تأخذنا بلغة تداعب روعة اللفظ وانسياب الخيال في المعنى وعيش الحلم بالخاطر..
استطاع شاعرنا أن يفعل ذلك ولهذا كانت “اوبوا”.
هبة الأطرش
8/4/2014

عن محمد فتحي

- كاتب وروائي وقاص سوري.. - تولد ١٩٦٤. بصرى الشام/ درعا. الأعمال المطبوعة: - رواية دوامة الأوغاد. - رواية الطريق الى الزعتري. - رواية فوق الأرض. - كتاب شاهد على العتمة. - كتاب مقالات ملفقة. مجموعة أقاصيص(بتوقيت بُصرى) الكتب المخطوطة: ١٨ كتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: