أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق المقالة / لماذا يضعف الرأي العام أوقات الأزمات -بقلم الباحث- محمد زعل السلوم
لماذا يضعف الرأي العام أوقات الأزمات -بقلم الباحث- محمد زعل السلوم

لماذا يضعف الرأي العام أوقات الأزمات -بقلم الباحث- محمد زعل السلوم

لصحيفة آفاق حرة
______________


لماذا الرأي العام يضعف أوقات الأزمات ؟

بقلم الباحث – محمد زعل السلوم

في ثلاثينيات القرن الماضي وفي فترة مابين الحربين العالميتين، عاشت المجتمعات الأوروبية عصر الرعب إثر تزايدت احتمالات اندلاع حرب عالمية ثانية، وظهرت عوامل تشير بأن الطبقات الوسطى أظهرت ضعف غير صحي ونوع من السلبية تجاه الحدث الكارثي المتوقع، ويصف الباحثون هذا الجيل أي مابين الحربين العالميتين بالجيل المنعزل والأقل صرامة بل والذي أمكن التلاعب به بسهولة بعد عقود من نشأة مجتمعات جديدة حول المدن وبروليتارية متنامية ومتناغمة مع الإعلام وثقافة الاستهلاك.
انتشرت ثقافة الخوف في هذه المجتمعات بسهولة وكانت الشعوب غارقة في دوامة الرعب والمآسي المستمرة، فالإنكليز عاشوا في تلك الفترة مع تأثيرت حريق منطاد هاندنبرغ والمسلسل الاذاعي الناجح “حروب العالم” لأورسون ويلز.
تقاطعت أخبار الصحف والبث الإذاعي المتكرر في خلق صورة قاتمة نتيجة سرد أحداث مروعة يسمعها الجمهور طوال اليوم ويمضغها بامتعاض مما زاد معاناتهم وسلبيتهم.
لكن ما هي العوامل التي أدت لضعف الرأي العام ولازالت ذاتها في يومنا هذا ؟

1-ولادة الرأي العام
يعود أصل الرأي العام كفكرة إلى العصور الكلاسيكية في أثينا وروما، وقد تجدد في عصر الأنوار، وتم تشكيله كما نفهمه اليوم منذ ليبرالية القرن التاسع عشر، لكن هناك فترة رهيبة انقطع خلالها هذا التطور، وهي عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين.
خلال هذه الفترة تم التشكيك في عقلانية السلوك الاجتماعي وصحة قدرته الافتراضية على إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم حينذاك، ويشكك الصحفي والتر ليبمان (1922_) في كتابه (الرأي العام) في النظرية الليبرالية للرأي العام، ويؤكد على دورها الانفعالي المندفع واستجابتها الدائمة للمحفزات التي تسببها الأحداث المحيطة بها.
يتحدث ليبمان عن “قطيع مرتبك” في إشارته لرأي عام يفتقر للشخصية ويوجهه فقط القادة الذين يملكون كاريزما ويطلقون أكثر الشعارات تأثيراً على الجمهور، اذ يلجؤون لطرح النظريات الغريزية اعتماداً على العامل العاطفي لتفسير رد فعل المجتمع ضمن هذه السيناريوهات النقدية…

2-نظرية الإبرة تحت الجلد “الرصاصة السحرية”:
كانت هيمنة وسائل الإعلام مطلقة خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات ولا سيما تأثيرها الهائل في رسائلها التي تضمنتها.
تخلص نظرية الإبرة تحت الجلد أو الرصاصة السحرية، إلى أنه في حال اغتراب الجماهير، يكون التلاعب بسيطاً نسبياً من خلال هذه الوسائط، بحيث تخترق رسالتها الرأي العام بشكل مباشر دون الحاجة لوسائط أخرى، يبدو أننا اليوم أمام نظرية غاية التسطيح لفهم واقعنا المعقد برمته. ولكن هناك بعض أوجه التشابه، والتي يمكننا مع مقارنة معينة معادلتها بما يحصل اليوم.

3-تشبه عصرنا الحالي :
إضفاء الخوف هو بالتأكيد أداة لتحكم السلطة، كما يذكرنا الوضع الحالي بالأزمات الصحية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية خلال فترة ما بين الحربين، ليس بسبب تشابه الزمنين أو بسبب الأحداث التي أدت إليه، إنما هذه المقارنة أو التشابه من حيث مناخ عدم الاستقرار، وعدم اليقين الذي يميز كلتا الحالتين أو بالأحرى هذين الزمنين سواء فترة ما بين الحربين العالميتين أو زمننا الحالي الذي نعيشه.
وفي كلتا الحالتين فالحلقة الأضعف هي الرأي العام الذي يبدو متراجعاً دون تأثير، مع مستوى عالي من التوتر يشوبه بروز المشاعر السلبية على السطح.

4-تشتت مصادر المعلومات :
خلال السنوات الأخيرة، تم التشكيك بمصداقية المصادر والرسائل التي تحملها، وقد طفى على السطح سيادة الآراء، فشبكات التواصل الاجتماعي التي حلت محل وسائل الإعلام كمصدر رئيسي للمعلومات، أصبحت ذات أولوية والزاد الرئيسي للمواطنين، فباتت تنتشر وتعيد انتاج المعلومات بسرعة فائقة، إضافة للبيانات والمعلومات التي تسير مع تغير مشهد الأحداث كل لحظة.
وفي منتصف كل هذه الدوامة من المعلومات يقف الرأي العام المكتوف الأيدي والمحاط بأدوات وقنوات يمكن من خلالها تكوين رؤيته للعالم. ليصبح هذا الرأي العام أكثر انكشافاً من أي وقت مضى، ولكن مع الحاجة الملحة لرفع مستوى الدعم وبناء اليقين، فهي أرض خصبة ومثالية لتكاثر المواقف اللاعقلانية والهزات العنيفة.

5-المكان المثالي للمعلومات المضللة :
لابد من الحذر من الجو العام الحالي الناجم عن القلق والتململ الفكري، فهو النظام المثالي لانتشار الأكاذيب والأخبار المضللة، إضافة للترفيه، ونعيش لحظة تاريخية ناضجة تحت تأثير التلاعب الجماعي، والثقة العاطفية التي لا تتزعزع تجاه السموم المبثوثة.
فنحن خاضعين لسلسلة من المعلومات المضللة التي تؤثر على تحريضنا العاطفي وتستغل عجزنا، فالدعاية اليوم ليست سياسية فقط، لكنها تخترقنا بكثافة وتتخلل مسام جلدنا بشكل كثيف ومكشوف، فيما نبقى عاجزين عن معرفة مقدار تأثيرها علينا.
_________________
دمشق

عن محمد فتحي

- كاتب وروائي وقاص سوري.. - تولد ١٩٦٤. بصرى الشام/ درعا. الأعمال المطبوعة: - رواية دوامة الأوغاد. - رواية الطريق الى الزعتري. - رواية فوق الأرض. - كتاب شاهد على العتمة. - كتاب مقالات ملفقة. مجموعة أقاصيص(بتوقيت بُصرى) الكتب المخطوطة: ١٨ كتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: