الشاعر رضوان بن شيكار يستضيف الاديبة الفلسطينية حنان عواد في زاويته أسماء وأسئلة

أسماء وأسئلة:إعداد وتقديم رضوان بن شيكار
تقف هذه السلسلة من الحوارات كل اسبوع مع مبدع اوفنان اوفاعل في احدى المجالات الحيوية في اسئلة سريعة ومقتضبة حول انشغالاته وجديد انتاجه وبعض الجوانب المتعلقة بشخصيته وعوالمه الخاصة.
ضيفة حلقة الاسبوع الاديبة الفلسطينية حنان عواد
1. كيف تعرفين نفسك للقراء في سطرين؟
تعريف الذات مهمة تتشابك فيها الخيوط بألوانها وآفاقها،
قد يدركها الانسان عن نفسه وقد لا يدركها..
وأن يعرف ذاته بنص خاص به في رحلة زمنية،تتوقف الذات أمام حقائق هوى الروح وحلمها،ثم أمام تفاصيل الرحلة الكونية،ويشعربارتقاء الروح،
وجمالية الاطراء.
أصعب تعريف هو تعريف الذات بمكنوناتها،وتلخيص ماهوية الانسان في تدرجات عبوره الواعي كنه الحياة، بتوصيف خاص،يلقي اضاأت على المحاور الشخصية بمنظوره الخاص، والذي يتلاقى في الكثير من الأحيان مع رأي الآخرين،وقد يتعارض أحيانا.
والكاتب حين يلقي نصوص كلماته،ويتلقى تحليلات النقاد ورؤاهم،يعتبرالنص المتعلق به كنز ثقافي لا بد من الاحاطة به وابرازه في أمانة النقل،ليكون محورا هاما من محاور الرؤى المتعلقة به وبنصوصه،وحتى لو كان نقدا حادا،لان ذلك يكون اثراء للنص وكاتبه.
ومن هذا المنطلق ،أرى أصدق التعريف ما عرفني به النقاد والمفكرون.
لأنه محمول على قراأت جادة،وتحليل معمق.
لذا،وأنا أعتز بكل وصف قالوه،لأضعه بين يدي القاريء،واتساءل:
هل انا تلك الفكرة والكلمة المحلقة من ضمير النقاد،أم أنا شخصية أخرى
لم يفسر أعماقها وآفاقها.
سأقتبس ما قاله النقاد عني،وأبدا بمحمود درويش وهو يصف المرأة الفلسطينية وأنا أؤكد كلماته:
فلسطينية العينين والاسم
فلسطينية الوشم
فلسطينية الميلاد والموت.
وما عرفني به الشاعر اليمني أحمد الأشول في صحيفة “صنعاء الثورة”،والتي افرد فيها مساحات كبرى للحوار كما يلي:
عاشقة الوطن في اليمن.
وماعرفني به الشاعر العراقي المعروف صباح جاسم:الأديبة الفلسطينية د.حنان عواد عاشقة الوطن وسفيرة الانتفاضة،
اقحوانة من والى فلسطين.
وما قدمني به الدكتور الناقد نبيه القاسم:
حنان عواد وردة فلسطين الجورية…ورابعة الفلسطينية.
وما عرفتني به الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان:
اننا نقف امام شاعرة أي شاعرة،انها شاعرة موقف مسكونة بالوطن.
وما قدمه الأديب زياد مبارك في مجلة مسارب التي تصدر بالسودان:
عرفت حنان عواد بالأوساط الثقافية العربية بسفيرة الانتفاضة وعاشقة الوطن،شاعرة وكاتبة ومناضلة كتبت لقضية فلسطين شعرا ونثرا وفكرا،عرفت بمظهرها الذي تحرص على أن يكون دالا على موقفها الوطني بتوشح الكوفية الفلسطينية رمز النضال الفلسطيني.
أما ماعرفني به الروائي الوزير الباكستاني المعروف فخر زمان:
حنان عواد ستخلد في التاريخ اديبة عظيمة في شعرها الملحمي الذي لا يصنعه الا اولئك الكتاب الذين يملكون الشجاعة في مواجهة الظلم،وهي تشكل تاريخا بذاتها.
أما الشاعر منذر عامر :
حنان عواد المقدسية التي يسكن وطن ما بين عينيها.
والأديب الروائي يحيى يخلف فجاء في تقديمه:
كانت حنان مقربة من الرئيس ياسر عرفات منذ مرحلة تونس وصولا الى عودته للوطن.كان يودها ويحترمها ويفتخر بها كانسانة مناضلة ومثقفة ومقدسية،وناشطة في الحركة الوطنية،وكداعم لدور المرأة في النضال والصمود.
وكانت صوته في المحافل الدولية ،وخاصة أثناء الحصار والذي تحدثت عنه باسهاب وبلغة خاصة.
وكلما حاولت استعادة الذاكرة في الحديث عن الذات وروحانية الحدث،تستنهض الذاكرة الخصبة المتيممة بالذات في حلولها البكر،وألق وهج الروح والضمير،ومجمليات الصفات في دفق الياسمين،لأراني في توصيف الذات وتعريفها،وتصوير الحالة الاستباقية اليها،بريشة مدادها يغرق في استحضار فضاأت الروح في نقلة ترسمها صراحة الكلمة ومصداقية الروح،
واستفتاء النبض بأمواج الحنين المودعة السر،أدرك عجلة الرحيل الى المستحيل،وتطفل ساعات خادعة الى وشم الروح،لترتقي ريشة الفنان،وتعيد دورانها في دائرة الرؤيا،وألوان الانحياز لترسم ما هيتي في ارتقاء الأشواق في مطلق الوطن المعبود،وكلمة بدء في سفر تكوين فلسطين،”فلسطينية كانت ولم تزل”.
تعريفات كثيرة من أعماق كلمات الأصدقاء المبدعين،تفجر قلمي في هالات خاصة، وأنا ارسم فلسطين في روحي.
2. ماذا تقرأين الآن؟ وما هو أجمل كتاب قرأته؟
أمامي في غرفة مكتبي على الطاولة عدد من الكتب التي أقوم بقراءتها.
والقراءة ،فن العبور الى النص واستشعاره والذوبان به..كثير من الكتب لا تستطيع استكمال صفحاتها،وكثير منها تشعرك بان عبقرية الكلمة منصوصة بها،فتغلق الكون عليها وتتلمس عزلة المتصوف في مغارة نائية، الى أن تتم قراءتها.
وأنا،وبهذا النهم من القراءة،أمامي خمسة كتب أعيد قراءتها:
نجران تحت الصفر،للروائي الفلسطيني المعروف يحيى يخلف.
الأم..لمكسيم جورجي
فلسفة القدر في فكر المعتزلة
وأعمال محمود درويش
وغسان كنفاني.
ولا تستغرب أذا قلت لك بأنني أتواصل مع هذه الكتب بنفس الوقت،
أقرا لدرويش بعض الصفحات،ثم أتوقف قليلا،وأبدا بقراءة كتاب الفلسفة،ثم أتابع القراأت.
أشعر برحلة خاصة بين الكلمات،تحملني الى الكون والانسان والأشياء بروح ايحاء أخاذ،يعتقل وقتي بسلاسل من حرير،لأتنبه الى عظمة الكلمة وارتقاء الروح،وجمالية التحليق في مطلق الرسالة الابداعية بكل آفاقها.
وقراءة الكتب الفلسفية اثراء للفكر واللغة والموضوع،تعكس دلالاتها في النصوص المنتقاة التي أكتبها.
وهذه قراءة اعادة لنصوص هذه الكتب التي جذبتني وألحت علي في حضورها.،وفي كل اعادة،تظهر أمامك قضايا لم تلحظها،فتدركها وتستدرك حضورها ثانية.
وأعمال محمود درويش بشكل خاص،ثابتة على مكتبي،أراجعها كثيرا وأعيد قراءتها،لأدرك المعجزة الخالدة التي منحنا الله اياها.
أما أجمل كتاب قرأته،فهو حقيقة ديوان درويش،وهو ليس كتابا بل هو مجموعة دواوين،وعلى رأسها مديح الظل العالي.
3.متى بدات الكتابة ولماذا تكتبين؟
حين تميط الروح رداءها الحريري،باشراقة القلم في رحلة الطواف،نعبر في رحلة الموهبة والمعرفة والسحر الالهي في وحي الابداع،وذاكرة منقوشة على ايقاع الوله المنسوج في براعة الكلمة في ميلادها البكر،في لحن الطفولة حين غردت الكلمات المبدعة في الأناشيد الوطنية،وفي مقطوعات طفولية بطولية بنص الابداع البدء.
يتوحد العشق الموشى بتجليات النور،وتخزين الأشواق.
كانت الكلمة الملتزمة طريقي المتوج بدنف المعرفة،المطالعة والتحصيل العلمي،في تشابك توحدي مع معارك الحياة الساسية والانسانية،لأشدو بقوة النص المقاتل لفلسطين.
منذ الطفولة،وأنا أشعر بأن في داخلي أمواج تقفز بي وتتجاوز عمري،
تربيت في بيت واسع الثقافة،عاصرت أحداثا كبرى تركت بصماتها في قلمي.
وتعصر في روحي ثورات الحرية،ثورة الجزائر والثورة الفلسطينية،وما أضافته لروح الوعي وعمق الكلمة.
أما لماذا أكتب؟
الكتابة ليست قرارا شخصيا،وانما هي بدء موهبة،وطريق فلسفي معمق للاقتدار التصويبي للكلمات وبلاغة الرؤيا،وحين يتشكل النص بتوقيع الاسم،يصبح النص خارجا عن الملكية الشخصية،وانما هو ملك للمتلقي والجماهير،وهنا تعبر الى روح المبدع فطنة رسالة الحرية والالتزام والاصطفاء المجتمعي والنرجسية الذاتية لتصيغ اسما يكبر مع الأيام.
والنص سيد نفسه،ينطلق في محورية التفاعل والأحاسيس وصدق الانتماء،يمتطي عجلة الروح وأجنحة التحليق بايقاع خاص،يولد من خلاله عملا أدبيا راقيا.
أكتب لفلسطين،لأهلها،لأرضها،لنضالها ورجالها،للشهداء وسجناء الحرية،وسأظل أكتب اليها حتى يتحقق مجدها وانتصارها،وبعدها سأكتب لكل شيء وعن أي شيء.
وظلت مقالاتي وقصائدي بندقية مقاومة ضد الظلم،ولن تتوقف.
4. ما هي المدينة التي تسكنك ويجتاحك الحنين إلى التسكع في أزقتها وبين دروبها؟
المدينة التي تسكنني هي مدينة المدائن ألقدس.
والتي كتبت عنها قصائد كثيرة وجعلتها في كتابي ذاكرة الترف النرجسي
بطلة دائمة الحضور وعروسا للكبرياء.
لقد احتضنت القدس طفولتي جنينا،وطفلة استبشرت بعبير الحنان خطى التوجه في درب الوفاء لها،والولاء لأرضها في تألق القمر،وشابة في نقاأت النقاء في التداخل في ثنايا الوطن،وسيدة في رحلة القلم الملتزم.
أهيم بها،وارسم صورها في تجليات الفرح والعذاب،وفي أنهار الدم في دروب المقصلة،وفي خيوط الكوفية من مدينة النفي اليها،وفي قناديل الروح.
هنالك مدن أخرى تعلقت بها،وهي مدينة القاهرة وهي نص ثقافي هام،ومصدر عروبي..لي بها ذكريات الدراسة ورسالة الابداع واللقاء باعلام الفكر والأدب.
ومدينة مونتريال في كندا،والتي عشت بها اربع سنوات لتحضير الدكتوراه..هي مدينة رائعة ومزيج ثقافي بديمومة الحركة.
وكذلك أكسفورد في بريطانيا التي درست بها للدكتوراه ايضا،بعراقتها وجماليات التاريخ وابداع المعرفة.
5.هل انت راضية عن انتاجك،وما هي أعمالك المقبلة.؟
يجب قياس العمل الأدبي في الزمن الذي كتب به،كثير من الكتاب لا يرضى عن أعمال في بدايتها،وكثير منهم يبدا بنص قوي يستقر في ذهن المتلقي.
وأنا قبل ان انشر أي عمل أدبي أو سياسي،اعيد النص وأمزق أوراقا كثيرة حتى أقتنع بما أكتب.
واذا نظرت الان لبعض أعمالي من الرؤيا الحالية،تراني أود حذف أو اضافة،أو تغيير.
لا يوجد مطلق في الاعمال الأدبية،يمكن رؤيتها ومطالعتها بعدة ظروف أو أمزجة،لذا يتناقض الرأي فيها.
والكاتب لا يتوقف عند حد الرضى،بل يبحث دائما عن الابداع المميز والوصول الى قلب وعقل المتلقي.
والابداع مثل النار يقول هل من مزيد؟من العمق والدراية والبلاغة وكل ما يلزم من قواعد انجاح العمل.
أول كتاب اصدرته كان بعنوان”من دمي أكتب”،وهو مقطوعات نثرية تجسد الكفاح الفلسطيني.
وثاني كتاب بعنوان”الفارس يزف الى الوطن”،تقديم الشاعر سميح القاسم..وهو أيضا مقطوعات من الشعر النثري يجسد رحلة العبور الفلسطيني الى الحرية والنصر..وعودة فارس فلسطين والقيادة الى فلسطين.
الكتاب الرابع ديوان شعر بعنوان”اخترت الخطر”.،وهو يمثل التجربة النضالية وطريق الخطر التي يعبرها المبدع.
والكتاب الخامس دراسة نقدية لأدب غادة السمان بعنوان”قضايا عربية في أدب غادة السمان”،وقد صدر باللغتين العربية والانجليزية.
الكتاب السادس”حوار الأسلاك الشائكة”،وهي حوارات سياسية وثقافية في كبرى الصحف العربية والعالمية.
الكتاب السابع”يوميات الحصار”،وهو سيرة تحمل تفاصيل الحصار على الرئيس الشهيد ياسر عرفات والشعب الفلسطيني،وقد صدر باللغتين الانجليزية والعربية،قدم له الرئيس الفنزويلي تشافز.والكاتب الوزير الباكستاني فخر زمان.
الكتاب الثامن”ذاكرة الترف النرجسيءقناديل على نافذة العمر”،قدم له الروائي المعروف يحيى يخلف.
الكتاب التاسع”فارس الليلك يناجي رابعة..من ملحمة الرحيل والعودة”..وهو ملحمة شعرية تصور قصة الحلم الفلسطيني وعودة الفارس..قدم له الناقد الدكتور نبيه القاسم.
وتحت الطبع الان كتابان:
“المرأة رمز وقضيةءصورة المرأة في الأدب الفلسطيني المقاوم”..وهو دراسة تحليلية ونقدية.
“ليلك يعزف لحن الرحيل”…مقالات ابداعية.
6.متى ستحرقين اوراقك الابداعية وتعتزلين الكتابة؟
وكأنك هنا تذكرني ب أبو حيان التوحيدي الذي أحرق كتبه،
وبمن وقعت عليه مكتبته.
أموت اذا توقفت كلماتي لانها روح الحياة لدي..
أحيانا كثيرة،وأنت في الرحلة الصوفية الالهية،وفي اعماق التفكير والتحير وغياب الأجوبة عن الكثير من الأسئلة،تساورك النفس بحرق الأوراق وتمزيق الكتب،ثم تعود الروح لهدوئها ثانية.
النص هو قلب الأديب، هوالجنين الذي يخاف عليه،واذا فقد أو ضاع تمزقت الروح.
هنالك نصوص هامة فقدتها لانها صودرت من قبل المحتل،حاولت استعادة الروح فيها ،ولكن الأمر كان صعبا جدا.
7.ما هو العمل الذي تمنيت أن تكون كاتبته،وهل لك طقوس في الكتابة؟
قرات مئات الكتب بجماليتها،ولكنني لم اتمن ان اكون كاتبتها لانها روح الكاتب الذي أخرجها للنور.
ولكن كانت لدي امنية لو منحني الله موهبة الفن التشكيلي لاشكل لوحة الكلمات،ولوحات الفن معا.
لدي طقوس خاصة في الكتابة،وهي انني لا أكتب في حالة الحزن،لأن قلمي يتجمد بمداده الروحي،واذا أطلت لحظة الفرح أكتب لأصور الأحزان والالام.
ابدأ الكتابة الابداعية دائما في حال السكون،أي بعد منتصف الليل،وحين يهبط الوحي أو شيطان الكلمة كما يقولون،وحين تدور أمواج الروح محملة بقطيرات ندى النص في بدايته.وقد أمل أحيانا وأطوي الصفحات ثم أعود ثانية.
وقد تغيب ساعات الوحي طويلا احيانا،ويظل النص معلقا في صفحات الفضاء،الى ان يتبلور الحلول ثانية.
وحينما تأتي ساعة الحلول،ترى القلم يسير بايقاع سريع،وكأن معركة عسكرية تبدأ مناوراتها،فيولد النص بشكله التكاملي.
8.هل المبدع والمثقف دور فعلي ومؤثر في المنظومة الاجتماعية التي يعيش فيها ويتفاعل معها أم هو مجرد مغرد خارج السرب؟
ان الكلمة هي رسالة الدم ورسالة الحرية.
والأديب الملتزم لا يكتب من فراغ،وانما هو رسالة الحرية لبلده بلغة خاصة،تحمل المعاني الراقية والموقف،وهي تلقي بدلالاتها على تفاصيل الواقع السياسي والاجتماعي،كما رأينا في أدب المقاومة الفلسطيني،وما رأينا أيضا في ابداعات الكتاب في جنوب افريقيا وتركيا وأمريكا اللاتينية.
الكلمة الملتزمة ترسم الهوية،وتبشر بالمستقبل،وهي نبوءة روح المبدع في مستقبل أفضل.
والابداع سواء كان شعرا أو نثرا،هو رسم بأقلام الروح،وثورة الوجدان وعهد الانسانية،وهو ليس معلقا في الفراغ،وانما ينطلق من أعماق الروح في شذور نورانية ونيرانية الى الأحداث التي تجري في الوطن،وهو أدب معركة استحثاثي لنبض الكفاح،وهو رسم للسلاح بكل أبعادة، لياتي أدب المقاومة ليكون مدرسة فكرية رسمتها أقلام الكتاب المقاومين.
وأدب المقاومة عنوان ساحر الدلالات،متفجر بالنصوص للوطن والانسانية..
ولقد قدمت أكثر من بحث في أدب المقاومة،منها ما نشر باللغتين الانجليزية والعربية في دوريات عالمية هامة..”الفكرة الفلسطينية بين المحكم والمتشابه”،”صورة المرأة في الأدب الفلسطيني المقاوم”.
وهي تدرس بشكل معمق ماهية هذا الأدب وملامحه الابداعية،وأعلام المفكرين الذين تحدثوا عنه،أمثال الكاتب الشهيد غسان كنفاني،محمد دكروب،حسين مروة،احسان عباس،غالي شكري وآخرون.
وقد أبدع الأدباء الفلسطينيون الملتزمون في أدب المقاومة،والذي ارتقى بالقضية الفلسطينية،وسار جنبا الى جنب مع الثورة والبعد السياسي.
وامتدت المقاومة ضمن تاريخية الحدث السياسي،واعتبارية ذاكرة الفكرة المقدسة التي أطلقت روح الأقلام الفلسطينية،لتكون قناديل مضيئة،للذود عن الفكرة وحمايتها.
واذا كانت سياسة الدولة الفلسطينية المستقلة تسير ضمن سياسة الممكن،وممكن الممكن،فان الفكرة بقيت مطلقة،عظيمة،مترامية الأطراف والفضاأت.
كما قال الشاعر محمود درويش:”ما أعظم الفكرة وما أصغر الدولة.”
والأديب الفلسطيني هو حامل الفكرة والمدافع عنها.
ومن هنا تأتي أهمية الكلمة الفلسطينية المبدعة كنص مقاوم،ومن هنا،يتبلور دور الأديب كحامل للفكرة ومدافع عنها.لذا فان الابداع رسالة هامة تثري البعد الوطني والقتالي،تنادي بالحرية وتعمل لأجلها،وكم استشهد من كتاب مبدعين وهم يقاتلون من أجل القضية،ولا أبالغ اذا قلت ان معظم كتابنا عاشوا تجربة الاعتقال في مدد مختلفة.
وقد ارتقى محمود درويش بالفكر المقاوم،وأطلق عنانه من لغة الشعار،ليحمل النص في آفاق المعرفة الجدلية الانسانية،والغوص في الفكرة وتحميلها الصور الترميزية المبدعة التي تكاد في معظم الأحيان تكون نصا معجزا،وحينما تطل فلسطين في حروف القصائد والفنون اللأدبية الأخرى،وفي ايقاع النصوص،تطوف أمواج في الروح لتعتلي ناصية الثورة بابعادها المختلفة،وتلتف حول ترانيم القلب لتبقى الأعز.
هي معركة النص المبدع والموقف السياسي والذي قاد محمود درويش الى العالمية،وظلت قصائده علامات فارقة في ميزان الثورة والتحرير.
وكذلك المبدعون الآخرون.
والأديب هو رسول الحرية،في نبوءة النصر وانهاء الاحتلال.
9. ماذا يعني لك العيش في عزلة إجبارية وربما حرية أقل؟ وهل العزلة قيد أم حرية بالنسبة للكاتب؟
أن تكون فلسطينيا تعيش تحت احتلال غاشم،فانت محاط بكل جدران العزلة،ما وراء القضبان،ومنع السفر ومد الحواجز والجدران،فهل أقسى من هذه العزلة.
حينما كنت في المعتقل أدركت قيمة الحرية،ونمت في اعماقي روح التحدي ولم أستسلم،وحاولت الكتابة بأقلام مكسرة،وانطلق ذهني في آفاق ممتدة،وحررت في حروف قلبي وفكري ميثاق شرف الحرية والانتماء.
وكما قال الشاعر المصري المقاوم أمل دنقل:
آه ما أقسى الجدار
حينما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال مرة
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق.
أما العزلة الاختيارية للكاتب فهي ليست قيدا،لان المبدع يتوق الى لحظات صوفية مع نفسه بعيدا عن ضوضاء السؤال،يحلق فيها بأفكاره دون طرقات
تؤجل الابداع،ويغرق فيها بحرا،وينتج ابداعا قيما.
رغم افقي المجتمعي الواسع،فانني أتوق الى العزلة الصوفية أحيانا،لاتمام عمل في لحظات الوحي بعيدا عن الحوارات والتجاذبات المعيقة.
10. هل يعيش الوطن داخل المبدع المغترب أم يعيش هو بأحلامه داخل وطنه؟
كلا الأمرين في تداخلات الحضور.
الوطن يعيش في أعماق الانسان بشكل عام،فكيف اذا كان مبدعا؟
والحياة تكون بنبض خاص وروح خاصة تحملها الذكريات والمكان وتفاصيل حياة..
وهو أيضا يرسم أحلاما ويعيشها داخل وطنه وخارجه أيضا،ويجسد هذه الأحلام بنصوص خالدة.
11.شخصية من الماضي ترغبين لقائها ولماذا؟
شخصية أدبية فلسطينية مناضلة…الأديب الشهيد غسان كنفاني،لعظمة فكره وانتمائه ومواقفه ومستوى ابداعاته.
الزعيم جمال عبد الناصر..والذي تربينا على فكره القومي من خلال خطاباته ومواقفه ومن خلال اذاعة صوت العرب التي ضخت فينا دماء حارة.
12.ماذا كنت ستغيرين في حياتك لو اتيحت لك فرصة البدء من جديد؟
هذا سؤال افتراضي يقتضي جوابا افتراضيا أيضا،ورسما في المخيلة..
لن أغير شيئا،سأبقى في ايامي التي أحببتها،ومع عائلتي التي أكبرتها،ومع وطني الذي أتعبد اليه،ومع العروبة في نصها الحقيقي بعيدا عما يجري،وفي الانسانية في الافق العالمي،وفي فضاء الروح الموشى بالفرح.
13.ماذا يبقى حين نفقد الاشياء،الذكريات أم الفراغ؟
ولما بدأت الكتابة،شعرت بأنني أعبر عوالم شائكة ومتداخلة الحضور،وأخذ قلمي على وقع الروح والضمير،يمتد باسهاب،حتى أنني في بعض الأحيان لم أستطع ايقافه ولا مجاراته.كان يسبقني بخطاه ويشدني الى السير معه في كل دقيقة.فقد عبر بي الى الطفولة والشباب والدراسة والوطن والثقافة والجوانب الانسانية والنضالية التي طوقت روحي وطافت بها في آفاق متعددة الألوان والصور..ورغم كثافتها،فاجأتني بالحضور المكثف،حينما كان ذهني ينقل تفاصيل البوح،وكأنه يتسع كالبحر واطلالة الفجر..فسرت معه محملة بأمانة التصوير ونقل الحدث وواقعيته،مضيفة اليه الأبعاد الفنية التي تليق يالنصوص،بدأ من الاهداء الى أمداء فلسطين،والسير مع فلسطين في اعجازها البدء الذي حملته معي في نبضي الدائم،وفي رؤيا الطواف في زمن لم يأت بعد.وحينما ابتدأت التساؤلات في الكلمة الأولى وعلاقتها بمفهوم ورؤيا الشاعر،أتبعتها بالكلمة الأخيرة التي ترسم تخيل الميلاد والتوق الى الحياة،لتتبعها تساؤلات أخرى تستدعي الجواب والذي يظهر في الفصول التي تلي.
والذاكرة..والترف النرجسي،هو رؤيا الذات المعززة المدللة في سياقات متعددة ومختلفة الحضور،بدأ بالميلاد والعلاقة بالأهل،ثم توهج روح المعرفة التدرجي في أزمانه المتعددة،في المدرسة،في الجامعة،الثورة ونص الحياة الشخصي والابداعي بحضور أشخاص كثيرين احترمتهم،وأحداث عديدة سرت بها،ومواقف كثيرة كنت بطلتها محملة برسائل العشق للوطن والانسان.
تختمر في صفحات الذاكرة مواقف وبطولات هامة،ورسائل وفاء وانتماء،وترسيم حقيقي ومبدع لشخصيات لن ينساها التاريخ ولن أنساها.
وكان محورالذاكرة هو ألق الروح في رحلة الطواف في عمق حب الأنبياء الذي ربطني بالرئيس ياسر عرفات وقيادتي الفلسطينية التي أعتز بها،وأشعر كلما أعدت قراءتها ثانية،بالقدسية والسمو الملائكي،في معنى التضحية والنضال والحب المتسامي..ومعنى أن تكون كاتبا في ألق الثورة وأن تكون كلماتك سيفا مسلولا ضد الظلم وبندقية مجهزة الزناد،ومعنى أن تكون محور ثقة القيادة،ومعنى أن تحلق في آفاق العالم حاملا رسالة الكبرياء.كل هذا بالصور التعبيرية والفنية التي ترسم حضورها الزمني بعتق الصورة العملاقة،والشخصيات التي التقيتها في كل مرحلة.وتنير سطورها ذاكرة العظام الرئيس ياسر عرفات والقائد أبو جهاد وعدد غير قليل من رجال الثورة الذين أعتز بهم.
واللقاء بالشخصيات الابداعية والسياسية لا يمكن حصره،ولكنني بقدر ما أستطيع حاولت اعطاء الكل حقه في الرواية الواقعية.
ويختتم الكتاب بوشم التجربة الدرامية،وهو رؤيا فلسفية للحياة،بتوضيح مفهوم النرجس الذي ظل شجرة باسقة في عمري.
هذا شيء مما حمل كتاب “ذاكرة الترف النرجسي” وهو ابداع السماء وموهبة العاشق المبدع،وهو يصوغ كلماته بشذور الشوق والاكتحال بجمال فلسطين.
(قدسية آتية من غيوم الاسراء،مدثرة بوطن المنافي بدم الولاء المرصع بالنجوم..تسافر ثانية لحظاتها اليها،وتستعيد خلقها المتجدد).
وفي الختام،ذاكرة الترف النرجسي هو أنا في الرحلة التي ابتدأت بصرخة الميلاد،وانتهت برحيل زعيم الأمة ياسر عرفات في الرحلة الكبرى والتضحيات.
14. الى ماذا تحتاج المراة في اوطاننا لتصل الى مرحلة المساواة مع الرجل في مجتمعاتنا الذكورية بامتياز الى دهاء بلقيس ام الى جراة نوال السعداوي؟
لا تحتاج المرأة الى دهاء بلقيس ولا الى جرأة نوال السعداوي،بل تحتاج الى أن تكون هي بمكنونات المعرفة والكفاءة وحمل المسؤولية بجدارة.
أقول: السلطة بالمسؤولية والكفاءة،ومن يمتلك الكفاءة سواء كان امرأة أو رجل يستطيع التقدم والانجاز.
أنا شخصيا،لا أوافق على هذه التقسيمات التي أطلقتها الحركة النسوية العالمية،لان ديمومة الحديث عن المرأة يؤكد استلابها،ولا يعطي حلا.
والحالة الذكورية ليس في وطننا فقط،بل في العالم أجمع..وهنالك تقدم ملحوظ في وضع المرأة في وطننا بفعل التعليم،والفرص المتاحة والتحرر الاقتصادي.
وفي فلسطين،منحت المرأة فرصا هامة ساندتها قيادة الثورة الفلسطينية،وشاركت المرأة في الأبعاد النضالية والانسانية.
وأنا لا أومن أيضا بتعبير “الادب النسائي”كما أطلق عليه النقاد.فالابداع
هو الفاصل في معركة العطاء الأدبي،ووضع الابداع في هذا المفهوم،كما أورده الناقد غالي شكري وأطلق عليه “أدب النسوان” بتعليله أنه اذا قرأت عملا ابداعية لكاتبة فكأنك تقرا كل انتاج المرأة،يؤكد الاستلاب .وهذا برز بشكل ملحوظ حينما صورت المرأة الكاتبة الظلم في العلاقة الانسانية غير المتكافئة ما بين المرأة والرجل،والتي بنيت على الرؤية الدونية للمرأة خاصة في علاقتها بالرجل.
وعلينا هنا أن نتوقف طويلا لنطل على ما كتبته الكاتبات في العالم بهذا الخصوص،وما كتبته المرأة العربية والتي اختارت عناوينها ببعدها الرافض،اشارة الى الاحساس بالظلم، كما رأينا في أعمال ليلى بعلبكي،كوليت خوري،ليلى عسيران وغادة السمان في بداياتها وسحر خليفة وأخريات..وجاءت لتكون مزجا بين التجربة الشخصية والرؤيا المجتمعية برؤيا سوداوية ينخر فيها الألم.بعض الكاتبات خرجن عن هذا الاطارمثل مي زيادة وغادة السمان،وجاء القلم ليرسم حقائق ابداعية وسياسية.وكما رأى قاسم أمين بأن حرية المرأة تكمن في حرية الرجل والمجتمع.
وبناء على ما ذكر،فانني أرى أن القوانين العادلة التي تساوي المرأة في الحقوق والحريات،هي الحل الأمثل لوضع القضية في مسارها الصحيح.
أما تكرار الحديث عن المرأة ومساندتها في المحافل،ما هو الا مجاملات تبنى على قاعدة المحاولة لاثبات بعض المفكرين في مناصرتهم للمرأة..وحتى الأمم المتحدة وهي تعقدالمؤتمرات المساندة،تقع بشكل غير مباشر تحت هذا المفهوم.
المفروض أن تنتفي قضية المرأة في نصها الحالي،لتحمل الأفق العلمي التواصلي مع الآخر تحت قاعدة الاحترام والتعاون،وليس على قاعدة الرؤيا السوداوية الفاصلة بين الجنسين..وهنا تبرز أهمية الثقافة في معرفة الآخر والتعمق بالفهم المجتمعي.والتغيير لا يكون بالنص النقيض،بل يستدعي التمهيد،لان مجتمعاتنا ترتبط بتراثها بقوة.
وترى الآن المرأة الفلسطينية في مهام بناء الدولة،وفي الأجهزة الأمنية وفي الجامعات،وحتى في الحقل،تسير على خطى التكامل المجتمعي..
لترى أنه الى جانب كل امرأة عظيمة رجل عظيم.
15. صياغة الآداب لا يأتي من فراغ بل لابد من وجود محركات مكانية وزمانية، حدثينا عن كتابك (ذاكرة الترف النرجسي) كيف كتب وفي أي ظرف؟
الذاكرة تحفل في مساحات امتداد حياتية،سياسية،ثقافية وانسانية،ومحاولة استحضار احداثها المنقوشة في الذهن وفي الروح في محاولة تجريبية في بعث الرؤيا من جديد،والاطلالة على الذات بآفاقها المتعددة،وهي تجربة غير سهلة.
ابتدأت الفكرة لدي وأننا في وهج الشباب،كنت في مدرسة ابداعية دولية لمدة ثلاثة شهور،أتاحت لي الفكرة في البدء بخط مراحل هامة من حياتي وتسجيلها،وحينما تحدثت مع البروفيسور قال لي:”حرام في هذا السن أن تكتبي مذكرات”.أتممت الفصل الأول ولما انتهى البرنامج،عدت ثانية الى وطني،ولم أكمل الكتابة.وقبل سنتين عدت الى النص ثانية،استحوذ على روحي وأخذت بصياغة الأحداث الانتقائية.
لقد اطلعت على العديد من كتب السيرة الذاتية،فوجدت أن كل أديب يأخذ منحى خاصا، سواء كان سياسيا،
ابداعيا أو اجتماعيا،وشعرت بجمالية البوح في حضور روح الحدث.
16. ماجدوى هذه الكتابات الإبداعية وما علاقتها بالواقع الذي نعيشه؟ وهل يحتاج الإنسان إلى الكتابات الابداعية ليسكن الأرض؟
اذا أردنا أن نتحدث عن جدوى الأشياء،فان ذلك ينقلنا الى استفسارات أكبر وأعمق،ما جدوى الحياة اذا كانت تنتهي بالرحيل مثلا؟.
الكتابات الابداعية طاقة مخزونة في الكلمات، تطل على ذات الأديب ومجتمعه وانسانيته، وتنقل الرؤيا الخاصة به والمتعلقة بتجربة الحياة في مجتمع معين ولغة خاصة وأحداث..وهذا يضيف الى علامات التاريخ لكل أمة.
حينما كان الشعر ديوان العرب،كان يطرب له القوم ويتسابقون في التنافس على القصيدة،وحينما جاءت قصيدة المقاومة،ارتقت الى مستوى الثورة،وقادتها بنصوص خلدتها.
والابداع رمز تاريخي لكل أمة بأعلام الكلمة والفلسفة والرؤيا المنبثقة منها.
الكاتب لا يحتاج أن يسكن الأرض، لانه يسكن بها جسديا..ولكن بآفاق الرؤيا قد يسكن السماء ويعانق النجوم ويحتمي بالقمر ويسكن بنوره..
وفي رحلة العشق يسكن في قلب المعشوقة،وفي قلب كل من أحبه..
والأرض أيضا تسكنه بكل آفاقها واقعيا وفي الرمز..فالفلسطيني المبدع في المنفى ترى الأرض تسكنه في ذروة العشق،بمفاتنها وورودها وأشجارها وتاريخها،وتعيش به جنينا مشروعا يحافظ عليه..
كما نرى في هذا المقطع لمحمود درويش:
وأنت يا أماه
ووالدي واخوتي والأهل والرفاق
لعلكم أحياء
لعلكم أموات
لعلكم مثلي بلا عنوان
ما قيمة الانسان
بلا وطن
بلا علم
ودونما عنوان….
وبالطبع فلسطين هي العنوان الدائم.
وكذلك تسكنه الذكرى وتعيش بداخله وتطل عليه بوهج وألم خاص،ليبقى الوطن الفردوس المفقود هوالذاكرة الدائمة والفكرة التي لا تغيب.
يتوقف السؤال على أبواب القمم،ويستنهض القلم ليدق الأبواب الحمراء في الضباب وفي العراء،وفي رحلة الذات الغارقة في تفاصيل البوح في المساء،ثم يسري في الروح عبيرا لرحلة زمنية في فلسفة خاصة في العشق وفي ابداع الكلمة،وفي ضباب الالهام الموصول بالسماء.
وتتحرك حروف السؤال لتكون نصا استفهاميا مورقا ومؤرقا،يتوارى خلف حروف الغيب،وأقدار الوحدة التكاملية بين الانسان والكون والمعتقدات ،ثم نصوص الاجتهاد في محكمات سردية في نص معجز.
17. أجمل وأسوء ذكرى في حياتك؟
أجمل ذكرى هي أمواج الفرح بقفزات خاصة حينما كنت أتخرج بتقدير امتياز وأجلس على منصات الشرف..وحصل هذا في جميع الجامعات التي التحقت بها..في بيروت والأزهر وجامعة القدس وجامعة ماكجيل وجامعة أكسفورد.
وهو شعور يصعب وصفه،لتجد الناس حولك يحملون لك التهاني بفيض الروح،ووالديك تضيء وجوههم فخرا.
أما أسوا ذكرى:
نار الروح تلتهب،والكون يضحي صورة مغايرة،والقلب النابض بالحب تعبر اليه أمواج الحنين والقلب المعذب.
يتوقف الزمان،وتراني صورة هلامية معلقة ما بين الأرض والسماء،تطوف على أنغام الرجوع،وتنهمر الدموع،تعبر الساعات المفارقة،تدق زمن الغياب الموحش.
أتلفت حولي،السواد منسدل على أركان البيت،والصمت الموجع ينثر أمواجه في كل مكان.ذاك الوجه النوراني،والقلب المسكون حبا،والعقل بموازين الارتقاء أين هو؟
أين انت يا والدي ياسيد الرجال؟؟!
وكيف تغيب قبل أوان الياسمين؟؟!
كانت تلك اللحظات الاصعب حين فقدت والدي..
الرجل واسع الثقافة المناضل مهندس الكهرباء ورجل الأعمال،وكان الأب والصديق والرفيق والملهم والمعطاء..سبق زمانه في احترام المرأة ومنحها حريتها،وكان وداعه كارثة كبرى،صورتها بالتفصيل في كتابي ذاكرة الترف النرجسي.
أفتقدك يا والدي،بل نفتقدك
وعصافير الشدو الصباحية تفتقدك
والورود التي تنفست الحياة برعايتك
يفتقدك كل محبيك واصدقاؤك وعشيرتك
يفتقدك كل الرجال العظماء في هذا الوطن
تفتقدك القدس باطلالاتك فيها
لن تغيب،
وستبقى ملء الفؤاد
وعهدا منا أن نكون على صورتك في حمل الأمانة واتمام المسيرة.
ولا زال ألم فقد والدي يعتصر في روحي،ويصعب الشفاء.
والذكرى السيئة أيضا كانت وداع زعيم الامة الرئيس الشهيد ياسر عرفات.
ودعت الرئيس
وودعت المرحلة
بلحظ واقعها ونبضها وتجليات شخوصها
وبحور عطائها
وثورة البركان
وأنا لا زلت أعيشها حتى هذه اللحظات
وكأن الزمان توقف هناك
ووقفت معه
أودعتها في فكري وفي قلبي وفي قلمي
وعلقتها على أغصان غصين شجرة الخلود.
وداعا يا فارس فلسطين
وداعا
وداعا.
18. كلمة أخيرة او شيء ترغبين الحديث عنه ؟
أود أن اتقدم بجزيل الشكر والعرفان اليك اخي رضوان في ابداعية طرح الأسئلة التي تحملنا الى آفاق وذاكرة وذكرى بايقاع خاص،محمولة ايضا بالنبض الثقافي الذي نسجت به هذه الأسئلة المبدعة.
ان الكلمة الملتزمة حالة ابداعية تواصلية في الأفق وفي الفضاء وفي عيون السماء..لا يمكن اعتقالها مهما حاولت قوي الظلم..انها تخترق الحواجز والجدران لتصل الى فضاأت روح المتلقي.وأختتم بمقطع من قصيدة مطولة اقدمها اهداء لكم..وهي بعنوان(ايقاعات الزمن الأسود).
كيف تكتبني الأيام وأكتبها بمداد دمي
وومضات شعري،
وتفجر كلماتي على موائد الرحيل الى هناك!
لا أدري ما المركبة التي ستقلني
وما هي الطريق؟
وكيف تسير خطواتي على أرض الشباب المرحل في ضرائبه الكونية..
أذكر النسيان،
وأنسى التذكر والتفكر
أسبح في غمامات الصباح المضرج بالدم
والمساء المشتعل بنيران أحلامي المتوارية
خلف صخور الأكمات الرمادية الظلال.
تكتبني الأيام وأكتبها
قصيدة غجرية بلا ايقاع
مطرزة على مواكب الشمس الراحلة
حروفها مبعثرة في روح الصفاء الأخاذ
حين يفر الحرف من يدي
ويتساقط أوراقا خريفية
تودع شمسها وعصافيرها المغردة
كيف تكتبني الأيام وأكتبها
حينما أسمع الهدير المعطر باريج التساؤل
ودموع النهر على ضفاف غادرت
تنهمر أمطارا وقوس قزح
وألوانا مغيبة الحنين
ينتحر الأنا فينا
ويبقى الهوى وهما في افتنان اللحيظات المحرجة
في زمن مكبل في زاوية الرعب
على طرقات المدينة الحزينة
يدق بيد نحاسية على مفاتيح الزمان
ويمضي الصوت رويدا رويدا
ويقضي شهيدا
في رحلة الوداع الأخير.
يغادر الشباب اعشاش كبريائهم
تتهاوى الهزيمة تلو الهزائم
ويتجمع الربع وتكبر الولائم
صرخات المعذبين لا يسمع صداها
ولا يعرف مداها
حين يصبح الشهيد رقما
والنسيان رقما
والماضي والحاضر رقما
لا تستفيق حروفه..
ضاعت الحروف
وعجزنا عن استعادة نقاطها.
ياأمة باعت فوارسها
وأنكرت فرسها الأصيل
واستعارت صباحا مزيفا
وفارسا مزيفا
وسلاحا لا يطلق الا على وجوه الأبرياء
والعذارى في الهوى والوطن
واشداد المحن.
هذه مقطوعات من النص المطول….
كل التحية
حينما نفقد الاشياء أو الأحباب يبقى الالم موشحا في الذكرى..
الفقد فعل تعذيبي وتغريمي، ما أصعبه!يعيد وهج الروح في نص الذاكرة،ينطوي ويعود ثانية..قد يحصل فراغ كبير،ثم رويدا رويدا يتلاشى حينما تفرض الحياة نفسها ثانية.

عن رضوان بن شيكار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: