الحكواتي- أقصوصة. بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة:

 

‏ الحكواتي
(أقصوصة)

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

الحكواتي على غير عادته توقّف فجأة عن الاسترسال في حديثه. لمح ذاك الرّجل القابع في الزاوية شبه المُعتِمة، كوجه ذاك التمثال المُنتصب في ميدان العاصمة الرّئيس، بإطلالته العُلويّة من فوق القاعدة الرُّخاميّة العالية بمشهدية نانوراميّة.
خطوط وجهه العميقة حفرها النحّات بعمق جراحات وعذابات الحكواتي مع أبطاله. عينا الرّجل ما زالتا مُصوّبتَيْن إلى فم الحكواتي. الحكواتي مُجهَدٌ من أثر معارك جسّاس والزّير، حاول إزاحة تراكُم نظرات زبائن المقهى جميعًا عن شفتيْه، تثاءب على غير عادته، وضع كفّه اليُمنى على فمه، بحركة من أصابعه، دفع بالعوائق المُتراكمة إلى جوفه.
فطن بأنّ الجميع صامتون بانتظار إكمال المشهد، وأعينهم تتركُز نظراتها في وجهه، من جديد مسح وجنتيْه وحول أنفه ومحيط فمه، وآثار تعرّق جبينه. اعتدل في جلسته، وأصلح طُربوشه الأحمر ذي الشربوشة السوداء المتناغمة بحركاتها المنفعلة بفعل اهتزاز رأسه مع نهاية كلّ عبارة حارّة إذا حمي الوطيس.
وتنحنح بصوت مسموع في أرجاء صالة المقهى، وضرب بعصاه الرّفيعة على طاولته، نظّارته ثابتة على رأس أنفه، لكنّ عيناه تنظران من خارج الإطار إلى صفحات الكتاب العتيق ذي الورق الأصفر، استأنف سرده في القسم المخصص لهذه الأمسية من السيرة الهُلاليّة، وابتدأ قوله: “يا سادة.. يا كرام…إلخ”.
تذكّر حدّة نظرات التمثال الجامدة والمُحدّقة في وجوه العابرين جميعًا بلا استثناء، استعاد تفاصيل مروره في نفس المكان؛ تلعثُم لسانه نبّه جمهور المُستمعين لشيء ما، أوخلل خفيّ على إثره اجتمعت كلّها في لحظة واحدة، شعر بثقل نظراتهم في وجهه، كان على وشك أن يصرخ فيهم: “كفى.. كفى.. أرجوكم”. أدركته صحوة نفسه في اللحظة الأخيرة، توقّف، كأنه حرّك لسانه في فمه بكلام، لم يسمعه إلا هو: “ما الذي جرى لي، كأنّني جُننتُ..!!”.
كلام زوجته حينما حدّثته في الليلة الماضية شتّت تركيزه الآن، وبدّد طاقته، وهي تحكي نقلًا عن قريبتها التي تسكنُ في الضاحية الراقية على أطراف العاصمة، في زيارة لها بمناسبة نجاح ابنتها.
كلماتها ما فتئت تقرع سمعه.. عندما قرع بعصاه الطاولة: “شاب اختفى منذ أسبوع، قيل: “أنه أشار بإصبعه الوسطى إلى وجه التمثال في ليلة باردة بامتياز، وهبوب الريح منعت الناس من الخروج إلّا للضرورة القُصوى، حتّى رجال الرّصد والمُراقبة على أطراف السّاحة الواسعة، أغلقوا عليهم باب مكتبهم، مُتحلّقين حول مدفأة المازوت، ومصّاصات المتّة في أفواههم برتشفون شرابها الدّافىء”.
حديثها الطويل عن زيارتها استغرق السّهرة كاملة، يستمع لها باهتمام، سألها: “ومن الذي أخبرهم إذًا عن الشاب؟”.
دوّامة من الصمت غيّبته تفكيرًا في متاهاتها، ولم يعِ شيئًا من إجابتها: قالوا: “هناك كاميرات مراقبة داخل عيني التمثال”.
اعتذر من زبائن المقهى، وغادر قبل انتهاء موعده عند ختام المشهد كما هو معتاد في كلّ سهرة. تأفّفٌ، وضجرٌ، وقرقرة النراجيل سيطرت، ودخانها لم يتوقّف صدوره من أفواههم.

عمّان – الأردن
9/ 11/ 2021

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: