أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق القصة القصيرة / الشيطان في مهمة/ القاص السعودي فيصل الشهري
الشيطان في مهمة/ القاص السعودي فيصل الشهري

الشيطان في مهمة/ القاص السعودي فيصل الشهري

لصحيفة فة آفاق حرة:

__________________

 

🔴⚫

الشيطان في مهمة

القاص – فيصل الشهري

 

تأخر الشيطان على غير عادته هذه المره، لعله ما زال يحضر خطته لهذا اليوم، الهدوء يتمدد بكامل كبريائه في المنزل، أمي تدخن الأرجيلة في غرفة نومها، وأبي يطل من الشرفة التي أعتدنا نشر الملابس بها، نصف عارٍ يكاد دخان سيجارته يغيب ملامحه، أنا وحدي يقبض عليَّ الصمت، ولا منكهات تطيب لمزاجي غير البكاء، مزاجي ههههه ، ما رأيكم أن أحدثكم عن مزاجي قليلاً، ريثما تعود النار ويستعيد الشيطان عافيته؟
جميل انتقلت للسطر التالي، هذه موافقة ورغبة جيدة للإنصات، حسناً سأجعله يتحدث بدلاً من أن أتقوله ما ليس فيه:
” اممممم لاشيء، بل كل شيء بياض وعتمه، فراغٌ وامتلاء، عدم ووجود، أنا صراع الثنائيات، صفحة فارغة إلا من بياضها، بياضٌ صامت تغزوه شبكة من الخطوط السوداء، أشبه بلوحة لبيت موندريان، تطربني الأوجاع وأرقص لوقعها كغطاء أبريق الشاي عند الغليان.
هل كان لجباهكم أو أيديكم أو أرجلكم تجربة بالجروح؟، أنا التخثر الذي يعلو ذلك الجرح ويحبس الدم والقيح داخله”

صراخ الشرفة يعيد بيتنا إلى مكانته، يبدو أن الشيطان وضع إحدى قدميه في الشرفة، أمي تسابقني الخطى، الشرفة أصغر من أن تحتملنا، أمي تلتصق بجسد أبي وبفضل قامتها الفارعة تستطيع أن تضع رأسها على كتفه بكل سهولة، أما أنا وبما أنني فتاة خلقت للاختباء بصعوبة وجدت لرأسي منفذًا تحت إبط أبي من الجهة الأخرى، أبي يقسم بأنه كان يمارس تلذذه بسيجارته، ويتلمظ قصائدًا لا يمكن أن يخذلها، ويعلك نِتفاً من أغانٍ هي الأخرى لا يمكن إن يصيبها بالخيبة ويقدمها لهذه “اليقطينة” هكذا وصفها، “أقسم لكم أنني لم أأبه بها أو حتى أعيرها أي اهتمام” يتحدث بصيغة الجمع ولكن كلامه ووجهه وتبريره لأمي فقط، فأمي لا تقبل أن يخونها مع النساء اللاتي يعرفنها ، وتغض الطرف عن تلك المجهولات اللواتي بلا عنوان، الجارة في الأسفل تكاد تستنفد خزينتها من الشتائم وتصر أنه تحرش بها،
“أبي تحكي وتطربني
سواليفك مطر عمري
ربيعي ضحكة ازهاره”
– كان يغازلني بها.

يتدخل فم أبي:
عفوًا سيدتي أين أنتِ من الربيع، أين لطافة الكلام التي يمكن أن يسوقها فمك المملح.

تصبح مستعره، يتعالى صوتها أكثر، الكلمات تتسابق في فمها، تستدرك ما نسيته من قبائح لتنطقها، نفسها يكاد ينقطع وفمها مشغولاً بتهشيم أبي، -للنساء شجاعة كلب في النباح المتواصل .. أعترف- تستنهض زوجها الذي تغيبه خلفها:
أريد حقي، أحمني منه.
يهز رأسه بوجهٍ بلا ملامح، ودون أن يحرك شفتيه يمسك يدها ويستميت في إقناعها بأن تتوقف وتدخل إلى غرفتها، وحين استجابتها لزوجها وسارت معه، تذكرت آخر أسلحتها، استدارت وبصقت نحونا، حينها تولت أمي مهمة الرد، أزاحت أبي وتقدمت، – سرعان ما تبادر لذهني مقولة جدتي التي تستودعها أذن أبي دائماً: أضرب النساء بالنساء، وأبي يبتسم دون رد – تنحني أمي للأسفل وتضحي بحذائي القديم المتروك في زاوية الشرفة، ترسلها في وجه الجارة ولكنها تخطئ هدفها وتصيب جبهة الزوج.

الحقيقة أنني لا أستطيع تبرئة ساحة أبي الواسعة، فقلبه فندقي وروحه مرحابه، فهو رجل والرجال كما يعلم كثيرًا منكم يعشقن تذوق الأشياء الجديدة، لكني في ذات الوقت أعلم أن ذائقته فارهة الجمال، هل أصبتكم بالحيرة بعض الشيء حيال أبي؟ لا بأس تذوقوا قليلاً من مرارتي فحيرتي ليست جديدة بشأن أبي، فلا أعلم أصلاً هل أتعامل معه بمبدأ الحب واللسان اللاهث بذكره، أم بمبدأ الخوف وتحسس مواضع ضرباته في جسدي، هل أكرهه؟ هل يجوز أن أقولها؟

ليست سوى نصف ساعة حتى طُرِق الباب، مرسول العمدة:
“يطلب منك العمدة الحضور إلى المباهلة أنت وجارك غدًا بعد صلاة الجمعة في ساحة الحي”

“المباهلة .. المباهلة” يكررها أبي وهو يلطم يدًا بأخرى، وأمي تعض على أرجيلتها وبصوت مكتوم “الملاعنة … الملاعنة” تصرف … تصرف أرجوك.

تصلني هسهسة أبي، وهو يجوب الممر أمام غرفتي، يهاتف صديقه في الجوال بحثاً عن مخرج:
– لا أستطيع .. إنها دميمة تفوح منها رائحة الحلبة. (كنت أود أن أقول لأبي وماذا عن الخل الذي يصنع في إبطك؟)
– ….
ليتني أعلم ماذا يقول له صديقه على الطرف الآخر … يعود صوته:
– سأحاول.

انتهت صلاة الجمعة، أطفأ أبي سيجارته، تلطمنا بالسواد، ساقنا إلى الساحة، بينما سبقتنا الجارة تقود زوجها.
تحلق الجمع من حولنا ما بين مستغفر وشاتم، وآخر يروي الأرض ببصاقه، أصابع لا أخلاق لها تتوجه نحونا، وأبي يمرر يده إلى جيبه، وعيني تراقب ماذا الذي يخبئه لنا أبي؟ لا شيء … يخرج سيجارة ويضعها في فمه دون أن يشعلها، وقفنا وجهً لوجه ضد جارتنا وزوجها، ومذ وصولنا والجارة لم تحيد ببصرها عن أبي، وقبل أن يتحدث العمدة، أطلقت لسانها:
“إنه سوء فهم مني، ونحن نسحب شكوانا، وأرجو أن يسامحني جاري العزيز”.
“لا بأس مسموحة سيدتي”.

عن محمد المقداد

كاتب وروائي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: