أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق القصة القصيرة / العجوز /بقلم: د ميسون حنا  
العجوز /بقلم: د ميسون حنا   

العجوز /بقلم: د ميسون حنا  

 جلس العجوز على عتبة بيته يرقب غروب الشمس، كان كلما حان وقت الغروب يفعل هذا تخليدا لذكرى زوجته الراحلة، عندما كانا يجلسان معا ويحتسيان كوبين من الشاي أمام الشمس الآفلة ، رحلت زوجته بعد أن سحبها الموت عنوة من بين يديه، وأبقاه وحيدا يجتر الذكريات ، إلا أنه يرفض الرضوخ للواقع، ولا يزال يصر أنها موجودة … هي في الحقيقة لم تغادر حياته ، ولكنه كان يمعن في استحضارها ، حيث أنه عندما يجلس ليتناول طعامه يهيء له خياله أنها لا تشاركه الطعام لأنها مشغولة في شأن من شؤون المنزل ، ويلومها على أنها لم تنسق عملها لتمنح نفسها وقتا تشاركه فيه الطعام ، أو احتساء الشاي ، أو لعبة الباصرة مثلا ، ومع ذلك يلين ويغفر إهمالها إياه وينتظر .

أما اليوم في هذا المساء طال جلوسه على العتبة، غربت الشمس. ، وزحف الليل وهو ينتظر … انتصف الليل وهو قابع في مكانه ، صمم ألا يدخل البيت ليهجع للنوم إلا إذا افتقدته وأتت لتمسك بيده ويغادران معا إلى مخدعهما الذي هجره مذ رحيلها ، حيث أصبح ينام في غرفة المعيشة ، ويفتح التلفاز ليكون سميره ، هو في الحقيقة لا يغلقه ، وغالبا لم يكن يصغي لما يبثه. من برامج ، إلا أنه يستأنس بصوته . فهو بعد غياب زوجته لا يجد من يبادله الحديث ، فكان هذا التلفاز يقوم بالمهمة … لكنه صنم يردد عبارات جوفاء ، يتحدث ولا ينصت لمجالسه، ولا يبادله الحديث ، فهو يفرض عليه ثرثرته ، ومع ذلك كان يرضى بهذه الثرثرة .

اليوم هو رافض لكل شيء ، رافض أن يقر ويعترف بموت زوجته ، بل هو مصر أنها أهملته ، ولكن لأنها نائمة في الداخل ، ولا تأبه به وهو ينتظرها في جلسته أمام البيت ، ويستغرب أن الليل قد انتصف والبرد يزحف وهي متلفعة  بالأغطية ، تغط في النوم ، صرخ يناديها ، زمجر وشتم ، وعندما لم يجد صدى لصراخه وقف كالمجنون ، واقتحم غرفة نومهما المهجورة ، نظر إلى الوسادة، وانقض عليها في الحال ، أخذ يمزقها ، أمعن في إتلافها ، تناثر الريش على الأرض . أخيرا همدت قوته ، وجلس قربها ينعف الريش في الهواء ويبكي ، ثم نهض ومسح دموعه . ولملم الريش في ناحية وقال في سره : غدا. تجمعها أم جمال وتصلح ما أتلفته ، هي حتما ستغفر طيشي ، ثم انسحب إلى غرفة المعيشة وفتح التلفاز ، واستلقى لينام .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

3 تعليقات

  1. لا اعلم لما دمعت عيني وانا اقرأ هذه القصة.. انها مملوءة باحساس غريب لمستني بعمق وشعرت به وتخيلته… انك كاتبة الاحساس العميق بلغة راقية. الى الامام واستمري منحنا مثل هكذا درر تدخل الى القلب مباشرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: