أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق القصة القصيرة / الهجرة السريَّة إلى الأشياء/ سهام العبودي – الرياض

الهجرة السريَّة إلى الأشياء/ سهام العبودي – الرياض

عندما قصصت هدب كلِّ سجاجيد المنزل أيقنت بأنـَّني قد بلغت من الأمر الحضيض!

كان الأمر – في البدء – ينتهي بي منحنيًا فوق طرف السجادة: أهذِّب هدبها المتطاير الشعِث، أمدُّ يدي وأسحب الخيوط المنطوية إلى الداخل، أو تلك النافرة إلى الأعلى بسبب حركة الأقدام فوقها، أتأكَّد من استوائها فوق البلاط، ثمَّ أنظر نظرة أخيرة، أتنفَّس عميقًا، ويخيَّل إليَّ – حينئذٍ – أنـَّني أجسُّ بعينيَّ نفسًا صاعدًا من بين نقوش السجَّادة، تزهو الألوان أكثر، وتتمدَّد بتلات الورد، وتزدهر الأشكال الهندسيَّة. كنت على يقين بأنَّ السجَّادة تكره عدم استواء غرَّتيها، وبأنها تسعد حين أعيد تهذيبهما، لكنَّ الأمر كان مضنيًا بالنسبة إليَّ؛ فسكَّان البيت في حالة حراكٍ دائم، ولا أكاد أهذِّب أطراف سجَّادة حتى تدهسها قدم، ويتبعثر استواء الغرَّة التي أتخيَّل أنَّ السجَّادة تزهو بها زهوًا لا يراه أحدٌ غيري.  بعد وقتٍ صرت أشعر أنَّ كلَّ ما أقوم به مجرَّد عبث، وأنَّ حلاًّ نهائيًّا وحاسمًا هو ما سيطفئ جنوني الغريب بأطراف السجاجيد!

-متى ابتدأت هذه التخيُّلات؟

-ما أذكره هو أنــَّها بدأت تراودني بعد حلم ثقيل، كنت قد أزلت إحدى شموع ثريا تزيِّن سقف غرفة الجلوس، كانت الشموع خمسًا، انطفأت إحداها، فصعدت على سلمٍ قصير، وحللتها، كانت الشمعة قد اسودَّت، فأودعتها سلَّة المهملات، وركَّبت شمعة جديدة. رأيت في منامي الشموع الأربع الباقية  تبكي ضوءًا، كان الضوء ينهمر منها إلى الأسفل مثل الشلاَّل، وكان فيض الضياء يملأ البيت، يتسلَّل بين قطع الأثاث، ويعلو أكثر…، وأكثر، حتى وصل إلى فتحتي أنفي، أحسست بالاختناق، ورحت أرفس برجليَّ في خضمٍّ من الضوء الثقيل، استيقظت لاهثــًا، وغاطسًا في عَرَقي، هبطت سريعًا إلى الغرفة، ونزعت عن الثريَّا كلَّ شموعها، واستبدلت بها شموعًا جديدة: شموعًا بلا ماضٍ، شموعًا لا تؤلمها ذاكرة سابقة، بعدها صرت أحسُّ بأنَّ الأشياء حولي تتكلَّم، تصدر صوتـًا، أو تتحرَّك حركة طفيفة، فتخبرني بهذه الطريقة أو تلك أنها متضايقة من أشياء نفعلها بها، أو راغبة في فعل أمور لا تؤاتيها بسبب عوائق هندسيَّة، وإنشائيَّة.

أغرب أفكاري عن هذه الإشارات الخفيَّة للأشياء كانت حول كرات الشعر التي تتجمَّع في الزوايا، أو تحت قطع الأثاث؛ حين تسحب الخادمة هذه الكرات من مكامنها بالمكنسة الكهربائيَّة أفكِّر في الجهد المضني الذي بذلته الشعرات كي تجمِّع نفسها في شكلٍ هندسي، أفكِّر كيف أنَّ هذا الجهد قد ذهب سدى، ويخيَّل إليَّ – حينئذٍ – أنـَّني أسمع نحيبًا خافتـًا ينبعث من جوف المكنسة المظلم.

ليست الشعرات ميْتة على كلِّ حال!

لا أتصوَّر أن تتكوَّر عشرات الشعرات دون قصد، كان الشكل الكرويُّ هو الحلُّ الذي ابتكرته الشعرات كي تتغلب على ضعفها الوجودي، والتصاقها فرادى بالثياب بسبب الشحنات الكهربائيَّة، إنـَّها حين تلتف وتحتضن بعضها فهي تفعل هذا كي تطرد وحشتها، كي تتقوَّى ببنات جنسها فتكتمل كرةً مثاليَّة من شعور مختلفة: سوداء وبنيَّة وشائبة، ناعمة وخشنة، تدفع نفسها إلى الزوايا وتستكين، فلا تعود منفلتة في مهبِّ الحركة، والريح. قل لي أنت: هل رأيت كيف يلتفُّ الشعر على بعضه ليكوِّن كومة مثاليَّة مستديرة؟ هل تتصوَّر أنَّ كائنـًا يمكنه إنجاز شيء متقن كهذا دون أن يكون لديه حسٌّ ورغبة وقصد.. وحياة؟

-…

لست أقول: إنَّ هذه الخيالات كانت بلا فائدة؛ في بيتنا لا يمكن أن تسمع صرير باب واحد، لن تجد مفتاحًا يتلكَّأ في قلب القفل: كنت أتكفَّل بمعالجة كلِّ مفصَّلات الأبواب، وثقوب الأقفال، وكنت استلذُّ بانسياب زيت التشحيم فوقها، كانت تسرُّبه بين طبقات المعدن، والألفة التي يحدثها بين قطعه المحتكَّة هو لذَّتي الخفيَّة، هو يقيني بأنَّ صرير الباب لن يعود ليصرخ في سمعي، لن يؤذيني الشعور بمفاصل الباب، وآلامه التي يبعثها العابرون من خلاله.

لم أصل إلى مرحلة إبادة هدب السجاجيد فجأة، كانت هناك مقدِّمات، كانت إراحة الأشياء من حولي قد أوصلتني إلى فكرة التخليص، فكرة الحلول النهائيَّة، فكرة أنَّ الحياة في مرحلة ما هي عذاب صرف، وأن هذا العذاب ينقضي فقط حين تنقضي الحياة نفسها.

حين لا يسعني أن أنجز للأشياء حالتها المثالية التي أتصوَّرها فإنـَّني أهبها سكينتها الأبديَّة: أسكت صوتها الخفي، أمارس هذا كثيرًا مع الأكواب والأطباق المشروخة: أخلِّصها من نزيفها، وأُنهي ألمها الداخلي: أهبها موتـًا رحيمًا… أحطِّمها، فأنا في النهاية مكلَّفٌ – لسبب لا أعرفه – بحياة الأشياء:  ملتزمٌ أن يكون كلُّ شيء مثاليًّا، أو لا يكون، أنا موبوء بفكرة أن أقضي على مشاعر الألم والوحدة والوحشة والنقص التي تكتنف الأشياء من حولي، أو أن أسلمها إلى فردوسها الأبدي، وآخرتها الموعودة التي تناديها.

-…!

-حسنـًا… لست أتنصَّل الآن من المسؤولية تجاه الأشياء، لستَ تسمع في صوتي خبوَّ محبَّة الرفق بها، لكنـَّني تعبت… أنا هنا لأنـَّني تعبت من هذا الإحساس، من فكرة أنَّ الكون ينطوي على عددٍ لا يحصى من الأشياء التي تتألم وحدها في مخابئها السريَّة، في صمتها البعيد، أفكِّر – أحيانـًا – في العدد الهائل من المقاعد: ملايين المقاعد الصامدة في وضع القرفصاء الذي انتخبها النجَّار له، أفكِّر في الحذاء الذي أدسُّ رجلي في فمه عشرات المرَّات، في زرِّ القميص وهو يلج مضايق العروات…، أفكِّر في محنة وجود الأشياء: ألاَّ يوجد الشيء لنفسه، أن يكون تحت التصرُّف المضادِّ للرغبة، المسبِّب للألم!

-لا يحمل شخصٌ هذه الرهافة النادرة لولا أنـَّه متأذٍ بشكلٍ لا يمكن التعبير عنه!

لنكن منطقيين الآن هذه ليست آلام الأشياء أو صرخاتها؛ إنـَّها صرخاتك المخبوءة فيك لا أعرف لم؟! ربما بدافع لياقة المظهر، بدافع الخوف من أن تقع الصرخة في فراغ برود من يسمعها، الخوف من ألاَّ يسمعك أحد، لا أعرف أسبابك، لكنـَّك مرتاحٌ إلى فكرة أن يوجد ما يصرخ ويئن نيابة عنك، شيء يدفعه ما تظنُّ أنـَّه وحشةٌ إلى عناق ليست يداك طرفًا فيه، أنت تعوِّل على شعور مستعار، تنفي آلامك إلى مدائن الأشياء، لكن الأشياء ستبقى منفى! المنفى ليس وطنًا أصيلاً، ولذا أنت لم تشف، آلامك تطاردك كما يطارد منفيُّ وطنه، ستوجعك المطاردة، ولن يمنحك الشيء سبيل النجاء، بل سيوجعك أكثر، سينتقم من هذا الذي تلبسه إياه، سيستميت في استعادة شعور البلادة، وموت الحسِّ المريح!

لن تشفى من ألم الأشياء حتى تشفى أنت من ألمك!

– …

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: