دموع من رمال / بقلم د ميسون حنا

أخرج عن صمتك يا أنا، تحدث فالحزن يتضاعف مع الصمت، أنفث سموم همك فالفقد جلل، والمصاب عظيم. سالت دموعي بصمت واستحالة، فالدموع تقول أحيانا ما يُعجز اللسان عن النطق. صخرة جاثمة على صدري ، وتلك الغصة في حنجرتي تحبس صوتي، وتمنعني من التنفيس بصرخة تشفي غليلي مما أعانيه من قهر وألم. أريد أن أختلي مع نفسي، فالمساحة في صدري أوسع لتحتضن حزني. ، وتتفهم فجيعتي، ولكني أكاد أنفجر…
تذكرت وداعته، إبتسامته، براءته، وسامته، إقباله على الدنيا التي خذلته، وتخلت عنه، وسددت سهمها إليه لتسلمه إلى أنياب موت محقق إثر مرض عضال اختاره دون غيره من الأتراب ليحل فيه، ويتغلغل في جسده، لم يكتف بمرور عابر، بل فتك به، وبدأ ينهش ويغوص، ويتعمق إلى أن لامس الروح فأقبل الموت متهللا، وأنشب أظفاره ، لماذا أيها الموت اخترت فلذة كبدي؟ كنت أخذت والدي السبعيني الذي شبع من الدنيا… آه…. لا أحد يشبع من دنياك يا رب، أدرك هذا وأستغفرك إذ لا أتمنى الموت لأبي، أنا على يقين أن فقده سيحزنني ، ولكن موت ولدي يجعل حزني مضاعفا، أستغفرك يا ربي، لك أن تختار عبيدك إلى حديقتك، فأنت تختار الأفضل، دعني أعتقد هذا لتخف وطأة ألمي . نعم اخترت ولدي الأفضل… الأفضل، اخترته لنقائه فهو لم يرتكب إثما من الآثام التي أُقحمنا عليها نحن الكبار، نعم أقول أُقحمنا عليها ولم تختر أن نكون خاطئين، فالخطيئة كما تعلم يا إلهي تحدث نتيجة ردة فعل تعرضنا له سواء كان مباشرا أم غير مباشر، نتيجة إغواء وضعته أمامنا وما أكثر إغواءاتك … نحن الفقراء أشد عرضة لنقع في الشّرَك، فالفقر قد يقود أحدهم للاختلاس، فمنهم من يختلس رغيفا يسد به رمقه، ومنهم من يختلس خزنة أموال ، كلاهما مختلس، كل جائع بطريقته، لا أبرر الذنوب، ولكني أقول أنك وضعتنا أمام اختيارات صعبة، ومغريات كثيرة، وعلينا أن نجتاز امتحانك، فينجح القليل القليل … القليل، فترفق بنا يا رب ، وتذكر أن ولدي. لم تمهله الحياة لاختباراتك ، فهو طفل بريء ، ناصع، وكان حسن السلوك وقد أحسنت تربيته، نعم أنا الخاطيء المغموس في وحل خطيئتي ربيته على الفضيلة والاستقامة، لم أشأ له مصيرا يعذبه كما أتعذب، أنا الذي اختلست مالا من الشركة التي أعمل بهاو ونُسبت التهمة إلى زميلي ولم أعترف، أوقعته بسوء فعلتي وتنصلت، ولم يُكتشف أمري، أعلم أنك وحدك الذي تعلم خوابي الأمور ولا مجال لخديعتك ، أنا أعترف لك بإثمي يا رب، ولا أطلب الرحمة لأني فعلت فعلتي جشعا، فقد كنت أعيش مستور الحال براتب متواضع، أعذرني لكنه لا يكفي لنحيا حياة مرفهة … بل كان يكفي لو رضينا بكفافنا ، فأنت أوصيتنا أن نصلي ونقول : (أعطنا خبزنا ، كفاف يومنا ) ولكني كنت أطمع بأكثر من الخبز، وكان متوفرا، ولكني دوما كنت أتطلع إلى المزيد، فالمغريات حولنا تُبهرنا بجمالها، وتسلب عقولنا ببريق أخاذ يجذبنا نحوه، فنقع في الشّرَك، شَرَك نصبته لنا لنكون خاطئين ، أستغفرك مرة أخرى، ولكنه امتحان صعب … مددت يدي … وكان انتقامك عظيما، قاسيا، يفوق قدرة احتمالي… سلبت حياة ولدي لتفجعني به ، أهي عقوبتي يا رب؟ أنت تريدني أن أقبل بها؟ ولكني أرفضها، أرفض أن يكون ولدي كبش فداء … أستغفرك يا رب، أنا المفجوع أتطاول عليك سبحانك، أعف عني… ها أنا أرضخ لمشيئتك ، أخذت ولدي وأنا رضيت، ولكن ليكن مثواه الجنة، لا تحمّله وزر إثمي فهو بريء، وأنت العليم العادل الغفار … قل لي ماذا أصنع لتكف غضبك عني؟ هل أعترف بذنبي؟ كيف أفعل هذا وقد بددت المال الذي سلبته، وزميلي يقضي عقوبته في السجن، لكني أنا الأسير بقيود خطيئتي ، ألا يكفي هذا جزاء يعذبني؟ ذهبت إلى بيته، وقدمت مساعدة لأطفاله، منحتهم الفتات من المال المسلوب الذي ابتُلي به وهو في حوزتي، ولكني لم أتخل عنه، ألا يشفع لي هذا المعروف الذي أسديته … لم أزره في سجنه، أخشى أن تفضحني نظراتي عند المواجهة، ولكني لن أتخلى عن أطفاله، سأزورهم بين فينة وأخرى ، وأقدم لهم حسنة، تشكرني زوجته فأذوب خجلا وأطآطيء رأسي، أنا الخاطيء الذي يحاول أن يكفّر عن خطيئته أكتوي بعذابي ، تعذبني نظرات الامتنان، يعذبني ضعفها وهي تنظر إلي لأطمئنها وأبرّد نار شكها وأقول لها أن زوجها بريء ولا أفعل، أشيح بوجهي عنها ولا أفعل، نعم أنا لا أنوي الاعتراف ، فانتقام الإنسان من أخيه الإنسان يكون شرسا، فتاكا، أخاف عقاب الدنيا وأنا أعلم أنك شديد العقاب يا رب، لكنك عادل فأرضى بفتكك ، أرضى بعقابك مهما كان قاسيا، لكني لا أرضى بعقاب بشري ظالم، أنا الظالم الذي ظلمت زميلي أخشى ظلم القاضي وقد أقسم أن يحكم بالعدل، ماذا أصنع؟ سأبوح لك بسري… بعد قليل سأكون جثة هامدة. وأوارى الثرى لألقاك ، وأضع نفسي بين يديك، فافعل بي ما تراه مناسبا، عاقبني، ولكن ترفق بزوجتي. وطفلتي اللتان سأهجرهما برحيلي عن دنياك، نعم هذا هو سري، سأنتحر يا ربي ، سأفعل هذا وأنا أعلم أنك تنهانا عنه ولكنها معصيتي الأخيرة التي سأقترفها ليرتاح ضميري… إذ سأترك رسالة اعتراف تبريء زميلي. من تهمة باطلة أوقعته فيها … سأفعل هذا وأموت شغفا بلقياك لأمتثل لقضائك العاد

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: