الموروث البشري في التدين/يقلم د سمير محمد ايوب

حُواةُ الموروث وبَكَشُ الثلاث ورقات
– مقاربة نقديه ( 15 )
التَّغَير السريع ، في عالم المعرفة المُرَكَّبَةِ وأدواتها المعقدة ، هوالحقيقة الأبرز ، ذات التأثيرفي حياة الانسان بلا جدال . العرب في كل هذا ، في حالة انقطاع مؤقت ، عن قوافل الحضارة المعاصرة ، وإن كانوا محاطين بكثير من مظاهر الحداثة المُسْتَهْلِكَة . في فجوة التخلف مقيمون متزمتون . يخشون الركوب في اي من عرباتها . هم أقل إستعدادا لقبول التغيير . وأكثر ميلا الى المخاوف والشكوك .
بسبب ركام هائل من موروث بشري في التدين ، يعج بحساسيات مذهبية تطفح بالأوهام . تشكل في مجموعها ثقافة لم تعد صالحة . يقتات من الأستثمار فيها سَدَنَةٌ وكَهنة وحُواةٌ . يعيشون في عالم خاص من صنع مصالحهم وامتيازاتهم . جَوقةٌ تُحاول جاهدة ، بالتهييج والتجييش الطائفي والمذهبي والفِرَقِي العبثي ، المُغَلف بثقافةِ الكراهية والتنافر العنيف ، أن لا تفهم الماضي ، ولا تستوعب الحاضر ولا تكترث للمستقبل . يعملون عبر الكثير من المنابر ، لابقاء أتباعهم داخل قوقعة الماضي ، دون قدرة على رؤية الزمن والفعل فيه . فيحاولون عبثا ، إعادة توليد مجتمع ، لا يملكون أيا من مقومات وجوده .
مراجعة بسيطة منصفة للماضي وللواقع المعاصر ، تظهر بوضوح ، ان القول بعظمة الموروث ، ما هو إلا ترف ذهني عقيم . يُزَيِّفُ وعي الناس . فإذا كان الموروث الذي يَدَّعونَ عظيما ، فلماذا كل هذا التعثر الذي نعيش ؟!
الحاجةُ ماسةٌ وملحةٌ لِتَطهيرٍ ، يتخلص مما في هذا الموروث ، من اعباء ثقيلةٍ تُعانِد الكثير من مقاصد الله سبحانه . وتَرتطم بجاهليةٍ ، مع الزمن والعلم والعقل .. مثل هذا التطهير لا يقع صُدفة كالكوارث ، ولن يجئ كالموتِ المحتوم . بل يُبْنى لَبِنَةً لَبِنَةً . وبِحرص شديد ينطلق من :
= مراجعة تحرره من أعباء اساطير الماضي ومحاذير الحاضر . بعيدا عن الصراع المذهبي ، وحساسياته ومماحكاته العابثة بعقول الناس وفطرتهم . مراجعة تعنى بمستقبل الأمة ، كوحدة ايمانية قادرة على رؤية التنوع في إطار وحدة ، لا تعترف بمذهبية متخاصمة ، ولا بتكفير ظالم ، او عصمة مُتَوَهَّمَةٍ .
= مراجعة لا تجعل رفض بعض الموروث كُفراً ، وتَخَلِّياً عن هوية . بل إدراكاً واعيا ، يكشف عن وجود وحدود وحقيقة المشكوك فيه ، مما ليس مؤهلا لمواصلة دوره المجتمعي ، ومسايرة روح العصر .
ولما كانت الوسائل تُختارُ اساسا بناء على اهداف محددة ومعرفة مسبقة ، وحتى لا تقع المراجعة في فوضى المرجعيات . لا بد من جهد جماعي ، للتعامل مع الموروث علميا . وفق التزام إيماني صارم . مرجعياته حقائق الأيمان الثابتة في القرآن والسنة العملية والقولية ، والعقل العارف ، والفطرة السليمة ، ومنجزات العلم العصري ، ومصالح الناس وأعرافهم الجماعية .
ولكن ، كلما حاول باحثون النهوض بهذه المهة ، يجابهون بجوقات من الحواة تلعب معهم بورقاتٍ ثلاث :
تتكئ الورقة الأولى منها ، على قامات كبيرة من السلف الصالح . أغْنَت الموروث بنتاج عقولها ، وفق قدراتها الأدراكية ومُعطيات عصرها آنذاك . بالطبع نُجِلُّ ونشكر الكثيرين منهم .
أما الورقة الثانية ، فتتوسل عِصْمَةً مَوهومَة ، لكتب خطها مُتوالياتٌ من أفراد . جعلوها مُوازيةً للقرآن الكريم او بديلة له . ونحن نُصِرُّ على أن لا قدسية لأي كتاب مع كتاب الله سبحانه ، لا قبله ولا بعده . فكل الكتب صِحاحاً أو غير صِحاحْ ، بما إحتوت من صوابٍ أو من أخطاء ، هي مَناط مُراجعةٍ مُؤسَّسِيَّةٍ عاقلةٍ مُنْضَبِطَةٍ بالأيمان ومعاييره .
ولكن تجار الموروث ، يسارعون بعصبوية ذات ضجيج وجعجعة جاهلية ، الى سرقة حقنا في إتمام مراجعة تستنير بهدي الايمان والعقل المعاصر. عبر ورقتهم الثالثة ، يحاولون عبثا اختطاف أفهامنا بالأدعاء كذبا ، بان المعاصرين لا يمتلكون شيئا من قدرات السلف الصالح ولا إخلاصهم .
بِشكل قاطعٍ لا لبُسَ فيه ، ولا غموض ولا تأتأه ، نقول لِلاعِبي الثلاثْ ورقات :
بما انعم الله به علينا من إيمان ، فإننا لا نقل عمن سبقنا من قامات ، ايمانا وحرصا واخلاصا . أما بالنسبة لفهم مباني ومعاني القرآن الكريم والسنة النبوية ، فنحن بالضرورة وبالحتم وبالقطع ، اقدر من السلف الصالح بكثير ، لاننا نملك اليوم :
1- ادوات بحث ومناهج وطرق للجمع والتصنيف والضبط والتحليل اكثر دقة مما كانوا يملكون .
2- معارفنا في كل علوم الدنيا وتطبيقاتها أكثر تنوعا واعمق وأدق ، مما كانوا يعلمون .
33- الاختراعات المعاصرة تمكننا اليوم ، من الاستفادة القصوى من المسافات في الزمن الأقصر . في لحظات يدلف الباحث المعاصر الى أرفف وخزائن كل مكتبات الأرض ، ليطل بحرية بالغة ، على ما احتوت من موسوعات ومراجع ووثائق ، من كل مناحي الدنيا وعصورها . ليطبق على ما ينتقي كل اختبارات التحقق العلمي ، وهو مسترخ في امن وأمان ودعة واطمئنان ، اكثر ممن كان يركب الحمار او الحصان او البعير او مشيا على الاقدام ، ليستمع الى انسان من فطرته النسيان ، ناهيك عن الغرض والمصلحه .
44- تعتمد ثقافة عصرنا في الأساس على القراءة والكتابة ، والتوثيق كتابة وبالصوت والصوره . اما بحث السلف ، فهو الى حد كبير نتاج ثقافة سمعية . مما اضطرهم للأتكاء كثيرا ، على علم الرجال اكثر من علوم الدراية في المضامين .
55- يضاف الى كل ذلك ، ان الكثير من الباحثين اليوم في الموروث ، هم في تخصصهم مسلحون ، مع ما حباهم الله من ملكات ومهارات وخلق العلماء وصبرهم وخبراتهم ، بشهادات تخصص تثريهم بالمعارف العصرية المركبة أكثر بكثير مما اتيح لمن كان يا دوب يفك الخط من السلف .
وفي النهاية اقول لجوقة المتنطعين من الحواة : كفاكم عَنْطَزَةً . فمن لا يرى منكم نفسه كفؤا بما فيه الكفاية ، لمهمة المراجعة المستنيرة بهدي العقل ، فليبتعد مفسحا لمن يملك الدراية والصدق ، ولْيُحسن الأستماع والتبصر ، بأدبٍ جمٍّ يليقُ بالقولِ المُفيد ، مِمَّنْ يملك الدراية والصدق وحق القول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: