ديناميكا الوصف والتوصيف في رواية الغداء الأخير /بقلم :الشاعر أحمد طناش شطناوي

 

الوصف والتوصيف حالتان إبداعيتان أدبيتان، وهما فن لا يتقنه الكثير، فالوصف المجازي المعبق بمفردات غنية بالمشاهد الوصفية هو روح العمل الأدبي، والتوصيف كينونة التخيل والمشهد، واجتماعهما هو الذي ينقلك من عالم القراءة إلى عالم المشاهدة المجازية والتخيل، وهذا ما سندرسه في هذه القراءة.

• ولنتناول الوصف في اللغة بداية
الوَصف الإنساني: صفات الإنسان الشَّخصيَّة.
أوصاف شخص : بيان اسمه وصورته وسوى ذلك ليمكن التّعرّف إليه.
وفي الأدب: فهو فن يقوم على تمثيل الطَّبيعة وما فيها والإنسان وعواطفه وتصرُّفاته.
• وأما التوصيف:
جذرها وصَّفَ، ونقول وصَّف الوضعَ القائمَ : وصَفه بدقَّة شديدة ، حدَّد جوانبَه ومعالمَه.
ولو تناولنا هذا المصطلح في حياتنا اليومية، سنجد أنفسنا جالسين بين الوصف والتوصيف في أكثر تعاملاتنا اليومية.
فقد تسأل عن شخص بقولك صف لي فلان، وهذا تمثل للوصف.
وقد تقول صف لي ما حدث معك، وهنا قد يأتي الجواب في الوصف أو التوصيف، وهذا يعود لصاحب الجواب، فقد يكتفي بذكر الأحداث المميزة البارزة، وقد يُطنب في الوصف، فتجده يحدِّثك عن كل أدق التفاصيل حدثت معه، وهنا نكون قد دخلنا في مصطلح التوصيف.
ولو بحثنا في القرآن الكريم، لوجدناه قدم لنا الوصف والتوصيف في كثير من المواضع، وخصوصاً في الإسلوب القصصي القرآني، وفي وصف المؤمنين والكافرين والجنة والنارووصف المحسوس والغيبيات.
ولكن التوصف القرآني يتجلى في قصة مريم عليها السلام، فلو تتبعنا القصة في سورة مريم لوجدنا أروع نموذج لدقة الوصف، وتصوير الحالة النفسية، واختيار المفردات اللغوية المعبرة ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا، قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا، قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ) مريم: 16- 21
ثم يبتدئ الوصف الرائع لمريم (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) إلى آخر الآيات.
وأما الشعر العربي فهو مدينة توثيقية زاخرة بالوصف، فقد اهتم الشعراء بالوصف في بنائهم الشعري مما أضفى أجواءً جماليةً وتشويقية على النص الشعري، ومن ذلك وصف الخيل والسلاح والحُمر والمرأة والصحراء وطبيعة الحياة التي كانوا يعيشون، وقد برع في ذلك امرؤ القيس في وصفه فرسه حين قال:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً
كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ

كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ
كَما زَلَّتِ الصَفواءُ بِالمُتَنَزَّلِ

مسحٍّ إذا ما السابحاتُ على الونى
أثرنَ غباراً بالكديد المركل

على العقبِ جيَّاش كأن اهتزامهُ
إذا جاش فيه حميُه غَليُ مِرْجلِ

ديناميكا الوصف عند جاد:
وهذه التقنية الروائية التي استخدمها جاد في روايته الغداء الأخير، تنقلت بين الوصف والتوصيف فتراه أحياناً يصف الأشياء والأحداث وصفاً سطحياً، وأحياناً يزيد في الوصف حد التوصيف، وهذه مهارة بالغة سلكها الروائي، وكأنه يطلب منك أن تشكل صورة ذهنية حركية بتوصيفه الأحداث، وحقيقةً هذه الصورة ستتشكل في مخيلة القارئ بشكل جليٍّ وواضح شاءَ أم أبى.
ولا بد لي هنا ان أعرّف الديناميكا حتى يتسنى لنا أن نفهم كيف قام جاد بإبراز ديناميكا الأماكن والشخوص الروائية.

الدِّينَامِيكَا أو الحَرَكِيَّة أو الحَرَاكِيَّة أو الدِّينَامِيَّة هي إحدى فروع الرياضيات التطبيقية التي‌ تختص بدراسة القوى والعزوم وتأثيرها علي حركة الأجسام أي الحركة ومسبباتها. على العكس من علم الحركة المجردة الذي يدرس الحركة فقط بدون أخذ مسبباتها بعين الاعتبار

تنقسم دراسة الديناميكا إلي جزئين:
الديناميكا الخطية: وتختص بحركة الأجسام في خطوط مستقيمه، وتشتمل على كميات فيزيائية كالقوة والكتلة والسرعة ومعدل التسارع والإزاحة.
الديناميكا الدورانية: تختص بحركة الأجسام في مسار منحني وتشتمل علي كميات فيزيائية مثل: العزم الدوراني، والإزاحة الزاوية، وعزم القصور الذاتي.

• وقد برع جاد في إبراز هذين النوعين من الديناميكا في روايته واسقاطهما على شخصيات الرواية والامكنة التي مروا بها، وتتضح هذه الرؤية من خلال ما يلي:
ديناميكية المكان:
قدم جاد للرواية أماكن أربعة تنقل فيها بحركة سلسة لم يشعر القارئ مع شدة الوصف بفارق المكان، واعتمد في ذلك على سرعته في دمج الاحداث ومتابعتها لبعضها، فبدأ من فلسطين، وانتقل إلى الأردن ثم طوَّف قليلاً في سوريا، ثم رحل بنا إلى الإمارات، ليعود مرةً اخرى إلى الأردن، وكلها جولات تحمل طابعاً وصفياً للمكان وحركة ديناميكية للشخوص واضحةً في تنقلهم وما عاشوا في تلك الأماكن، وأحياناً تشعر بأن المكان هو الذي يتحرك والشخوص ثابتة.

ديناميكية الشخوص:
• إن المتمعن في قصة (ياسمين) هذه الشخصية التي رسمها بشكل خطي ومثّل فيها كافة أنواع الديناميكا الحركية، من قوة وذلك في صناعة شخصية سجى الفتاة البسيطة والمتزنة التي تتمتع بجمال كبير، والتي لم يكن لها أي وزن أو قوة جذب ولكن القوة توضحت عند مغادرتها إلى الإمارات وعودتها إلى الأردن مرة أخرى وإصرارها على إثبات نسب إبنها إلى والده الشرعي الدكتور(فالح)، ثم أبرزها بكتلة عاطفية هلامية من خلال تأثرها الكبير في شخصية الدكتور(فالح)، وأما السرعة والتسارع فقد تجليا في تطور العلاقة بينها وبين الدكتور(فالح) وقد اكتلملت الديناميكة الحركية في الإزاحة التي تولدت في حادث السير وموت والدها ووالدتها ورفض عمها والد الدكتور(فالح) الاعتراف بحفيده الجنين، ولكن جاد قرر أن يعيد هذه الإزاحة بقوة جذب عكسية إلى مكانها ويصنع مرة أخرى حالة قوة أكبر من سابقتها ويغيّر مجرى أحداث هذه الشخصية بعد أن بلغت ذروتها من التعاسة والإنزياح عن مجرى السعادة التي كانت تعيش فيه بداية الرواية.

• وأما الديناميكا الدورانية فقد كانت واضحة في شخصيتين رئيسيتين في الرواية، وهما (صالح) و(رشيدة) بدأت من قوة الصدمة التي تشكلت لدى الشخصيتين في سرد أحداث الغارات الجوية التي عصف بها المحتل الصهيوني على البلدة التي كان يسكنها بطل الرواية حيث بداية الأحداث، وكان محصلة العزم الدوراني هو قوة الصدمة مضروبة في طول المدة التي عاشاها بعد تلك الأحداث وما عانيا من شتات وفرقة، ثم التقيا دون أن يعرفا علاقة النسب التي تربطهما، والتي شكلت حالة نفسية ومجتمعية عكسية على كلا الشخصيتين.

• كما كانت الإزاحة الزاوية واضحة أيضا في دوران أحداث الرواية بعد اكتشاف حقيقة النسب الذي يربط بين الزوجين (صالح) و(رشيدة) حول محور العلاقة الجديدة التي تشكلت بينهما وحول ابنائهما.
• أما عزم القصور فكان متجليا جدا في حالة الابن (عواد) الذي حاول انقاذ العائلة من الضياع وانتهى به المطاف إلى القصور عن ذلك مع كل ما بذل من عزم، واتضح القصور في تنفيذ مهمته الأخيرة في القضاء على عائلته في حفل الغداء الاخير الذي أقامه في نهاية الروائية.
كل هذه الإسقاطات الديناميكية الفيزيائية على رواية الغداء الأخير لم تتجلى بوضوح لولا الجودة الكبيرة في التوصيف الذي انتهجه جاد في كتابة روايته، وقد أحيل ذلك إلى حياته العملية التي تقوم على الحسابات والأرقام والرسم الهندسي الدقيق الذي يمارسه في مهنة المساحة.
فكان جاد خير مرآة للأحداث التي عكسها بشفافية ووضوح وباستخدام إسلوب لغوي شيق، وهذا ما شكل قوة جذب مغانطيسية تدعوك لاستكمال الأحداث إلى النهاية، دون أن تبلغ حد القصور الذاتي أثناء قرائتك للرواية.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: