أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / شخوص يتحركون في دوّامة الأوغاد للروائي محمد فتحي المقداد بقلم – (توفيق أحمد جــــاد)

شخوص يتحركون في دوّامة الأوغاد للروائي محمد فتحي المقداد بقلم – (توفيق أحمد جــــاد)

 

تكوّن عنوان الرّواية من كلمتين، هما الدّوامة و الأوغاد ، فالدّوامة التي أخذت شكل المخروط ” المقلوب ” ذات القاعدة الواسعة، والتي تمثّلت في الواقع بالسُّلطة وليس الشعب، لتبقى تهبط في مستواها و محتواها، لتضيق كلّما هبطت دائرتها، فتصل في أسفلها، إلى مواطن بسيط يرنو “كما مثّله الراوي” إلى الأعلى، فإن تماسك بقي بالقاع، وإلا أخذته الّدوامة لتُلقيه في غيابة البحر المظلم.
أما الأوغاد فقد احتملت مدلولاتها في الرّواية ثلاث دلالات، أوّلها الشعب، وثانيها السّلطة، وثالثها الشّعب والسّلطة، والوغد في مجتمعنا عُرف بأنّه الشّخص الدنئ.
يبدأ محمد فتحي بالغوص بشخصيات روايته، في بحر الدوّامة من خلال “النّمس”، وهو الشخص الغريب، الذي أتى إلى قرية “أمّ الخنافس”، التي حملت اسماً لا يبتعد عن الدّوامة والأوغاد في مدلولها اللغوي، محاولاً أنْ يَظهر في القرية، ويثبت وجوده من خلال الكذب، فالدّم الذي كان يلطّخ قميصه، لمْ يكنْ دم “الضّبع” كما ادّعى لزوجته، وإنّما كان دمه هو، حيث قام ” الرّاصد ” بكشف الحقيقة، من خلال الشباب الذين تشاجر معهم، ليُثبتوا بأنّه حينما حاول سحب العصا من يد أحدهم، جرحته العصا فأدمت يده، ليصبح كذّاباً معروفاً بكذبه، ويعود للسقوط من جديد، إلا أنّه استغل حضور السلطة للقرية والمتمثلة ب “رامز”، وظّف هذا الحضور لخدمته، باستقباله له في بيته، وادّعائه بأنّه قريب، عاد من غيابٍ ليتذكّر ابن عمّه ” النّمس”.
تقارُب بدأ يؤتي ثماره للنمس، إلّا أنّه تمّ كشف الحقيقة، فأدّى به التقارب من السلطة، إلى القبول بأشياء لمْ يستطعْ رفضها، من خلال استقبال لقاء غراميّ، بين “السّلطة” المتمثلة برامز، والمدرّسَة ابنة المدينة المتحررة، والتي جاءت إلى قريةٍ محافظة، فيؤدي هذا اللقاء إلى تدني المستوى الأخلاقي في التربية والتعليم وسقوط السلطة في غيابة النّساء والفساد.
بدأ محمد فتحي بتوزيع شخصيات روايته، التي اجتمعت وبدأت تدور مع الدّوامة، من خلال حيّ بسيط في ” أمّ الخنافس “، التي بدأتْ تحتضن في محيط دورانها قادمين جدد، حضروا كلّ في مهمة معينة، فمثلاً رأينا ” المشورب ” ، ابن فلسطين الذي ظلمته السلطة و حرمته من عمله في سلك التعليم، ليتّخذ من السّحر والتّنجيم و عمل الحُجُب، عملاً له يسترزق منه، إلّا أنّ الدّوامة لا تترك أحدًا، إلّا وألقت به في غياهب البحر، أوْ لفّته بداخل محيطها الذي لا يأخذُ إلّا للأسفل، وضمن الدائرة الضيّقة التي تنتهي بالصفر و اللاشيء .
المشورب.. هذه الشخصية التي ولدت في فلسطين، ليتفاخر به والده، حالماً بأن يكون رجلًا له هيبته، فأسماه “المشورب” .. أصرّ الروائيّ المقداد، على أنْ تكون فلسطين –وهي القضية المركزية- حاضرة في عمله هذا و بقوّة، كما كانت حاضرة في مؤلفه السابق “شاهد على العتمة”.
ذكاء المشورب، وعلمه في مادة الرياضيات التي كان يُدرّسها، لمْ يستطيعا إخراجه إلى سطح الدّوامة، وبلوغ القاعدة الواسعة، بلْ دارت به وألقتهُ بالحضيض.
قام المؤلّف بتوظيف المثل الشعبي خير توظيف، استخدم الكثير من الكلمات، المصطلحات، الأمثال الشّعبيّة، والأقوال التي ربما اندثر بعضها، والبعض الآخر في طريقه إلى الزوال والاندثار، إلّا أنّ “محمد فتحي”، أحياها من جديد، من خلال التوظيف المنطقي للمكان والزمان والحدث.
كان الإعلام المحلّي حاضرًا في روايته، من خلال ماجد وصديقَيه أنيس و محمود، الذين كانوا يصرّون على الوصول إلى الحدث بكلّ تفاصيله، وفضح الحقائق، إّلا أنّهم لمْ يلجؤوا إلى السلطة الفاسدة، لإصلاح الأمور، ولكنّهم كانوا يتركون ردّة الفعل إلى النّاس، والتّصرُّف كما يريدون، فكانت مقولتهم التي اشتهروا بها، لتأكيد الحَدَث، وعلى لسان ماجد (سجّل يا تاريخ)، ليرد عليه صاحباه (سجّلنا وحفظنا).
كان الأستاذ فهيم والأستاذ عطاالله وفارس، هم بيضة القبّان “في مقرّ تجمّع الجميع بدكّان عكاش”، فكانوا يمثّلون الاتزان والتّعقّل، حتّى مع عريبي، الذي كان “كأشعب”، ولكنّه امتاز بعصبيّته، وكثرة سُبابه وشتائمه.
مثّلت النّساء في الحيّ، من خلال أزواجهنّ، الصّفة الإعلاميّة في القرية، والقيام ببثّ الأخبار وانتشارها، عن طريق اجتماعاتهنّ، فلا يتركن شاردة ولا واردة إلاّ ويقمن ببثّها ونقلها، سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد.
مصطفى، شخصيّة أخرى، كانت تُحاول الصّعود إلى أعلى الدّوامة، وذلك من خلال البحث عن الذّهب، إلاّ أنّ الأمور ومن خلال الارتقاء إلى القاعدة في الدّوامة، أوقعت به في يد العميد، حين كان يعبر الحدود من تركيّا إلى سوريا، وعند القيام بتفتيشه، وجدوا في جيبه خارطة الكنز الموجود في قريته أمّ الخنافس. استولى العميد على المبلغ الذي كان معه كرشوة، مقابل تبرئته من تهمة الخيانة وإطلاق سراحه، لم يكتف العميد بالمبلغ، أخذ الخارطة وأصبح يرنو إلى الكنز وذلك من خلال اللواء، الذي اكتشف كذبه واخفائه لفلوس رشوته من مصطفى، فأودى به سقوطاً إلى قعر الدّوامة. ترتفع الدّوامة وهي تدور لتصل إلى رأس النّظام، الذي قام بإرسال الجرّافات وطائرة هليكوبتر إلى القرية، ومن ثمّ الاستيلاء على الكنز وترحيله، وإسقاط الجميع في أُتون الدّوامة.
شكّل أهالي القرية مؤتمر قمة لإصلاح الأمور في قريتهم، التي أودى بها القادمون الجدد إلى الهاوية، فقام سليطين بدعوة إلى اجتماع لأهل القرية، استغل أبو غليون خبر الاجتماع للحضور والخروج بتقرير مُفصّل عن تفاصيله. أبو غليون هذا كان قد حضر إلى القرية، مدّعياً أنّه شاعر، ولكنّه لم يكن أكثر من مُخبر وكاتب تقارير للسلطة، ومهمته الأساسيّة، هي الكشف عن مكان الكنز المدفون في القرية.
الأستاذ عطاالله، هو من قام بدعوة أبي غليون لحضور الاجتماع، نقل تفاصيل ما تمّ تداوله، ناقلاً خبر تمرّد أهل القرية على السّلطة وسمعتها السّيئة بما حصل مؤخراً من رامز وشمس، ولقائهما الغرامي في بيت النّمس، عرض خدماته للتّوسُّط لهم لدى المحافظ لتلبية رغباتهم، أعلم رئيسه الأعلى بالتفاصيل وطلب منه التّوسُّط لدى المحافظ لاستقبالهم وتلبية مطالبهم، لتحسين صورة السّلطة في نظرهم، للوصول إلى الكنز الدّفين بسلام.
قامت القاعدة الواسعة والمتمثّلة بالسّلطة، بزجّ الجميع في خطر الدّوامة لتلقي بهم كنفايات وأوغاد في قعر الدّوامة، وبالتالي السّقوط في ظلمات المجهول.
رسم محمد فتحي المقداد لوحة فنيّة، وقام بتلوينها بألوان عدّة، من خلال واقع الدّكتاتوريّة في فترة السبعينيّات من القرن الماضي، ليصل بنا أخيراً إلى المخروط المتمثّل بالدّوامة، هذا المخروط الذي بدأ مقلوباً، وبقي مقلوباً، لتعتمد القاعدة الواسعة “المتمثّلة بالسلطة”، على الرّأس المقلوب للأسفل، والذي لا يحمل حتّى نفسه، ويلفظ كلّ منْ يقترب منه إلى الهاوية والظّلام الدّامس.

إربد

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: