لو عندي ولد /بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة:

______________

لو عندي ولد..

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

مررتُ بأغنية “لو عندي ولد” للمطرب الأردني “مالك ماضي”، في الحقيقة رغم بساطة كلماتها، لكنها مؤثرة في أعماق نفس سامعها، وهي أمنية لكل شخص أن يكون عنده ولد. طبيعة البشر أن يكون لهم ولد ذكر، وطبيعة حبّ الذّكر حتى عند النساء الأمهات، الموضوع ثقافة اجتماعية منذ قديم الزمان، فكرة العُزوَة والكثرة، والحروب والأسفار وتجشّم الصعاب، والعزوة قوة تسيطر على محيطها ومقدراته، والأبناء في الأسرة عُزوَة وقُدرة، وفي العشيرة والقبيلة محاربين وحُماة ديار.
هذه التبعات الملقاة على عاتق الذكورة؛ اقتضت أن للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، والقيادة في أسرته بيده عقدة الطلاق، وتصريف شؤون أسرته، وله ينسب الأبناء، وله أن يُعدّد الزوجات بأربع، هذه أحكام وقوانين الله، فما نفع المعترضين والناقمين عليها، إنها طبيعة التكوين البشري، لا تغيير لها حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ طبول الناقمين والمعاندين لن تُغير شيئًا من أمر الله وقوانينه في خلقه.
الشاعر “عبدالرحيم الطوباسي” من فلسطين هو كاتب كلمات الأغنية “لو عندي ولد”، وهو تزوّج على كبر بعد منتصف عقده الرابع. وفي مثل حالته أمنيته بولد يحمل اسمه ويخلفُه، وتحققت أمنيته بولديْن: ” لو عندي ولد لأعَمِّر بلد، وأخطبلوا بُنَيّة، حلوة وشلبية، وأبني سبع قصور، شبابيكا بللور، وأسكن آخر دَوْر، وأطلع للبدور في أعلى البلد، لو لو لو لو عندي ولد، قالوا لي: يا جار اِتْنقّى واِخْتار، في عنّا عروس، بِتْسوّي كُوم فلوس، اِتْزوّج واِتْوكّلْ وبِتعْقَل، بيجيك المحروس، بيقولك: يا أبوي، لَعَمِّر هالبلد، لو لو لو لو عندي ولد… “.
الأغنية كُتبت باللُّغة البيضاء بين العامية والفصيحة، وبطبيعة نُطقها في بلاد الشّام، كما أن خصوصيّة الشِّعر الغنائيّ كثيرًا ما تخالف المألوف نحويًّا وقواعديّا، ليستقيم مع طريقة النُّطق والتلحين الموسيقي؛ فهل هذا من جوازات الشّعراء عمومًا؟.
التكاثُر نموٌّ يُفضي إلى الامتداد طولًا وعَرْضًا، وهو الأساس في بقاء الأجناس من المخلوقات، بينما الجُمود سِمَة الجمادات بثبات مُترافِق مع انكماش وتآكل، والجنس البشريّ يسعى بفطرته الغريزية للبقاء، يتماثل في هذه النُّقطة مع جميع المخلوقات، تحت القاعدة الإلهيّة : “الذي خلق فسَوّى، والذي قدّرَ فهدى”، سورة الضحى.
يقول سبحانه وتعالى في الآيات “لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور , أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليمٌ قدير ” (49-50 الشورى)، وفي مفهوم الآية الدَّلاليّ في توزيع الذُّكورة والأنوثة في الإنسان خاصّة، وهذا الأمر ينسحب على بقيّة المخلوقات من الحيوانات والحَشَرات، حتّى بعض النباتات لم تخرج عن هذا الخطِّ المعياريِّ.
ومن الحكمة منّا تتبُّع هذا المنحى في مفهومنا للأولاد، وعلى الأخصّ للذُّكور منهم، لنرى النماذج التي سنستعرضها، لعلّ ذلك يُفسّر شيئًا من حكمة الخالق في تصنيف خلقه.
ومن النماذج البشريّة للأولاد، لا بدّ من المرور بداية على نموذج نبيّ الله “إسماعيل” عليه السلام، فهو ابن نبي الله إبراهيم الذي رزق بابنه بعدما بلغ من الكِبَر ما بلغ، وكان وحيده حينما رأى رؤية أُمِرَ فيها بِذَبْح ابنه اسماعيل، امتثل لأمر ما رأى؛ ليقينه بأنّه أمرٌ ربَّانيٌّ، وفي الآية يتبيّن امتثال إسماعيل عليه السلام لأمر أبيه: “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ. قَالَ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ؛ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ” (الصافات /102).

*وفي المقابل نتوقف عند نموذج آخر هو ابن نبي الله نوح عليه السلام، نموذج الابن العاصي لله، الخارج عن طاعة الله وأبيه النبيّ نوح عليه السّلام، الذي يطمع بإنقاذ ابنه لحظة الطُّوفان الأخيرة التي كان من الممكن أن ينجو فيها: قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 42- 43).
بهذا النموذج تتبدَّى المُفارقة، مقام النُبوُّة عند سيَّدنا نوح عليه السَّلام، وابنه الذي لم يُؤمِن به، يا إلهي كم حجم الغُصَّة في قلب الأب، إنَّها محنة.
نموذجان من الأنبياء من ذوي العزم، وابنيْهما المؤمن والكافر، الطَّائع والعاصي. مع اختلاف الزمان والمكان، والحالتين: قلب الأب وعاطفته وهو يريد ذبح ابنه الوحيد، امتثالًا لأمر رؤية يقينيِّة، وعاطفة أبٍ يَوَدُّ نجاة ابنه.
*أبناء يعقوب: أبناء يعقوب عليه السلام ذُكر في التاريخ أنّ نبي الله يعقوب -عليه السلام، زوجته (راحيل) التي ولدت (راحيل) ابنين وهما: (يوسف وبنيامين)، وكانا غايةً في الحُسن والجمال. الأمر الذي حرّك مكامن الحقد الحسد في نفوس أبناء يعقوب على أخيهم يوسف، ودبّروا المكائد، وقلّبوا الأمور، حتّى حبسوا أخيهم -يوسف- في البئر، وادعوا كذبا وزورًا أمام أبيهم، بأن الذئب أكله.
ومن نماذج الأبناء سيّدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه. قال الله: )وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ۝ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ۝ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ۝ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ۝ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ۝ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ۝ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا )مريم: 41-47.
هذه الحواريّة الشفّافة بين الابن الحريص على إيمان أبيه، حبُّ الحياة في ظلال الإيمان بالله. إبراهيم نبيّ بُعث هداية للبشريّة، فهو يتمنّاها للقريب والبعيد على حدٍّ سواء.
وأمّا الغلام الذي قتله العبد الصّالح “الخضر” عندما طلب منه نبي الله موسى مرافقته، فأذن له، اعترض سيدنا موسى عليه السّلام، رغم أنّ الخضر نبّهه عدم الاعتراض والتعجل في الحصول على النتائج، وهو ما ورد في سورة الكهف، عندما قتل الخضر الغلام، واستعظم النبيّ موسى الأمر، وكان جواب الخضر: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (الكهف /80).
وأما الغلام، فإنه كان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فعلمنا أنَّه يرهقهما وبنحو هذا ما قاله أهل التأويل، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما، عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْم طُبِعَ كافِرًا”.
بعدما تقدّم من قصص الأبناء والآباء، لابدّ من الوقوف على ناصية الحكمة من موت أبناء النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم جميعًا، ولم يعِشْ له إلّا البنات. باعتقادي أنّه بعلم الله الخفيّ عن البشر، بأنه سيأتي زمان سيُعظّم الله أولاد النبيّ، وكَوْن مقام النبوّة لا يورَث؛ فكان من حكمة الله أن يموت جميع أبناء محمد عليه السّلام.
عمّان – الأردن
1\ 8\ 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: