أبو الهول / الجزء السادس من رواية المثلث المقلوب للروائي الأردني محمد ارفيفان عوادين

 

في اليوم الثاني رافق وليد أبا سندس وأم سندس وهيام لزيارةِ (أبو الهول)، ما إن وصلوا مدخلِ البنايةِ، رأى وليد سيارة إحدى مقتنياتِ العصرِ الخديوي، واحتراماً للماضي صَعِدوا بها، سارت تترنح يميناً ويَساراً بهم بخطواتٍ ثقيلةٍ متوجِهةٍ إلى آثار الحضارةِ المصريةِّ الفرعونيّةِ، وبصعوبةٍ استطاعوا النزولَ منها مودّعين قديماً إلى أقدم، تفاجأ وليد أمام طلّةِ (أبو الهول)، ووقف مذهولاً صامتاً، ثم توالتْ عليه مشاعر وجدانيةٌ جياشةٌ وعنيفةٌ.
فوقف أمامَ أسد شامخ بوجِهِ إنسانٍ، شيءٌ خارقٌ للعادةِ، وغيرُ مألوفٍ لديهِ، منظرٌ كهذا عجيبٌ، فلَهُ دلالاتٌ كثيرةٌ، فهيمنت على تفكير وليد بتلك اللحظة الخرافاتُ والأساطيرُ، أو صورةُ إله من الآلهة الفرعونيه التي تديرُ شؤونَ الخَلْقِ، وتَسْهرُ على نظامه، .. كم كانت دهشة هيام، حين رأت تمثال (أبو الهول) للمرّةِ الأولى، لمّا رأته كان بمنزلةِ السحرِ الّذي امتلكَها، هذا التمثالُ الشامخُ في صمتِه, الّذي أنطق حواسَّها بدهشةِ اللقاء, وكأنّها على موعدٍ غراميٍّ مع حبيبها الغائب، الّذي تنتَظرُ لقاءه مع اكتمالِ القمر, هنا بِرفقةِ (أبوالهول) الذي جَذبَها، بلهفةِ أنثى عَثَرتْ على فتى أحلامِها هنا .. لَمْ اعرفْ لماذا انتابَني هذا الشعورُ حينَ نظرتْ إلى وجهِ (أبوالهول)، ونظرةً أخرى إلى وجهي .. كأنها تقارنُ بينَ نظرتِها إلى (أبوالهول)، ودَهْشَتِها حين التقتْ معي أول مرةٍ .. توقفنا كثيراً عند هذا التمثال, اللغزِ في شكله وتكوينِ جسمِه (جسم أسَد برأس انسان).. وصَمْتٌ غريب في مِلامح التاريخِ بوجههِ، ونظرةُ عينيهِ العميقةِ، وكأنّها تبوحُ لكَ بأسرارٍ تجذِبُكَ إلى الإبحارِ في ذلك اللغزِ الحجري، وهذا الأسدِ الشامخِ المنحوت من الحَجَرِ الكِلْسِّي، الواقع على هَضَبةِ الجيزةِ, على الضفّةِ الغربيةِّ من النيلِ، يُعَدُّ (أبو الهول) حارساً للهضبةِ.
وهو أقدمُ المنحوتاتِ الضخمةِ المعروفة بمصرِ، اختَلفتْ الآراءُ فيما يُمَثِّلُ هذا التمثالُ: فالرأي القديمُ، يمثّلُ الملك (خفرع) جامعاً بين قوةِ الأسد، وحكمةِ الإنسان.
*

لفتَ انتباهَ وليد الحقد الفرنسيّ والأجنبيّ على حَضاراتِ الشرقِ وإبداعِها، حيثُ أطلقتْ مدفعيّةُ (نابليونَ) طلقةً على (أبو الهول)، فَلمْ يَنلْ منهُ إلّا جزءاً يسيراً من أنفهِ ولحيتهِ، وعادَ نابليون وجيشُهُ خائباً، كما حدثني أبو سندس، وبقيِ (أبو الهول) صامداً شامخاً مع عبق التاريخ. كلما غُصتُ بتفكيري في حضارةِ مصرَ الفرعونيةِ أجِدُ الحضارةَ التي أذهلتْ العالم من صَنَاعةِ الأيادي الفرعونيّةِ العظيمةِ، هنا .. عادَ بي ضميري إلى كاتبٍ اسمُه (جيمس هنري برستد) أمريكي الجنسيّة، قرأتُ عنْهُ في مطارِ القاهرة, كيف استطاعَ جَذْب الغرب للاهتمام بهذه الحقبة من تاريخ مصر القديم.
أدْرَكَ الإنسانُ الفَرْعونيّ القديم، أنَّ حضارةً بلا قِيَمٍ هي ثقافةُ الشعوب التي لا جذور لها، وهذا المفهومُ يعطينا الفرق بين قوةِ الحضارةِ، وحضارةِ الثقافة، فكم من حَضَاراتٍ انهارَتْ وأصبحت نَسياً منسيًّا؛ لذا سعى الإنسان المصري القديم إلى وضعِ حُزمٍ من القيمِ والمبادئِ، التي تَحْكُمُ إطارَ حياتِه، تَجَلَّتْ بِحِرْصِ المصريّ القديم على إبرازِ أهميّةِ القيمِ في المظاهرِ الحياتيّةِ، فكان أهمُ ما في وصيّةِ الأبِ قبل وفاتِه الجانب الاخلاقيّ, حيثُ نجدُ الكثيرَ من الحكماءِ والفراعنةِ يُوصُون أبناءَهم بالعدلِ، والتقوى.
لذا نحتوا لوحاتٍ جماليّةٍ على جدرانِ مقابِرِهم – رَمْزُ إله العدل (ماعت)- ليذكروا أن العملَ باقٍ معهم، وهنا .. يَبْزُغُ الضميرُ الإنسانيّ عند المصريينَ والفراعنة، الذين حرِصوا على توضيح تلكَ القيمِ في عالمِ الموتى.
في المساء توجّهنا لرؤيةِ برج القاهرة، في طريقِنا عَرّجْنا على حافةِ نهرٍ يعانق بمياهه حضارة الأوّلين، فيها يَعْجَزُاللسان عن وصف جماله وهيبته، وإطلالتِه على مَعْلَمٍ من مَعالِم القاهرةِ، التي يَشُدُّ الناظرين إلى هندستِه الدائريّة, وهو يُطِّلّ أينما وقَفْتَ على قاهرةِ المُعِزِ في شموخِها الهادئِ على مرِ الزمان، وتراءى لناظري قناطرها الخيريّة، تتهادى على النيلِ الخالدِ، والأهرامات الشَامخةُ بإرثها الأثري، العابقِ بأسرار الحياة, مما يخالِف الآخرين في تصاميمها الهندسيّة،.يَتربّعُ البرجُ على جزيرةٍ مطلة على ضفةِ النيلِ شاهدًا على عصر فُسطاطِ زمانِها.
*

وحاضراً على قاهرةِ المعاني، ابتعاداً عن الاشتراطات التي رفض قبولها الزعيم الراحل جمال عبد الناصرِ، حين اعتمدَ شخصيّةً لبنانيّةً (نعّوم شبيب)، ومنحَهُ الصلاحيّات الكاملة؛ لانجاز مَعْلم تتباهى به الأمم، دامَ إعداده خمس سنوات, بعدها رأى النّور؛ ليكونَ صرحاً قوميّاً يُجَسِّدُ الرفضَ الدوليَّ والمداخلات الهائلة من الدول الكبرى، على إلزام مصر بأن تكونَ أداة طَيِّعةً في برامِجِهم،. لهذا كان البرجُ، كما أكّدَ المؤرخُ العسكري جمال حمّاد بأنّ الزعيم اختار تشييدَه ليكونَ أطول معلم في القاهرة.
(لا) تُقال في وجه الاشتراطات التي تنهالُ على أمتنا، ذلك المَعْلَمُ الّذي خُلِّدَ خلودَ التاريخ، ليس لمصرَ فقط بل لأمةٍ تتباهى بقيادتِها في نُصرةِ قضاياها العادلةِ، الباحثةِ عن الحريّة، والتحرّرِمن نيرِ الاستعباد.
فالناظرُ إلى تصاميمِ البرجِ تتشكّل لديهِ زهرةُ اللوتسِ الفرعونيّةُ النابعةُ من تراثِ مصر.
بينما نتقاسَمُ النظرات على أطول (لا) في التاريخ، حلَّقْنا عالياً بين عِطْرٍ فوّاحٍ نُثِرَ على جانبيهِ رذاذُ عطرٍ، ناجى فتاةً لاحت بوادِرُها من سحابةٍ ملأت الأفُقَ بلونِها الأبيض, وهنا لامستْ وجداني فَمِلْتُ إليها وإذا بها تميلُ، مما دفعني أن أُعينَها أن تسْدِلَ بخديها الورديين على ذراعي خوفاً من الوقوعِ، وكانت هذه اللفتةُ الجميلةُ منّي أن أفاقت إلى نفسها، فاقتربتُ ألامسُ يديْها علّني أبثها من حرارة شوقي، ودفءِ قلبي على وجدانها الّذي حَلَّقَ بعيداً بعيداً عن واقع اللحظة.
وفي اليومِ الثالثِ، وبعدَ مهلةِ الانتظار، قرّر وليد العودةَ للمطارِ لمتابعةِ سفرهِ, رافَقَـتهُ عائلةُ أبا سندس وهيام إلى قاعةِ الإنتظارِ .. والقلوبُ حائرةٌ، بأيّ كلمةٍ تبدأ الوداع، حتى ثارتْ الحروف بعد أن قرأ ما يَنْبِضُ في بناتِ أفكارِها، من خلال همسةٍ حائرة، تردّدت فوق شَفَتيها،. فَموْقِفُهم هذا لا وِداعِ فيه, بل لقاءٌ ينبِض عبر نسائم أثير المحبةِ والوفاءِ, مهما طالت المسافات، ستُحَلّقُ فوق جدائِلهاِ لؤلؤاتٌ تناثرَت لوحةً آسرةً أيقظت شموعاً طابَ لها المبيت .. ناياتٌ غارقةٌ موجودةٌ في سَكَراتِ كأسِ حروفي، تنهّدت هيام، اغرورقت كلماتُها على عيوني .. يتعالى صوت المذياع في صالة المطار، صارخاً بضرباتِ الفراقِ، استعداداً للتوجّه إلى الطائرةِ اليوغسلافيّةِ، والتي حان موعد إقلاعها بعد إصلاح الخلل .. توادعنا وداعَ الغُرَباءِ، كما تلاقينا لقاءَ الغرباء .. إلى غدٍ قادمٍ يُفْضي كُلٌّ منهما عما يجولُ في خاطرِه من رحلةِ عناءٍ، وبُعْدِ الأحبة .
حَلَّقتْ الطائرةُ عالياً، وحلقتْ معها هِيامُه فوقَ سُحُبٍ تَحْملُ مجهولًا، إلى غدٍ قدْ يكونُ قريباً، لكنه بعيدٌ بلغةِ الأحبة،.وما أن حَطَّتْ الطائرةُ، حتى هام بفكره باحثاً عن ساعات مَضَتْ قُرْبَ عزيزٍ مقربٍ للقلب، فأينما تَلَفَّتَ يميناً ويساراً، يرى وجَهَها باسماً بالفضاءِ, يلوح بهاءً عاشَهُ قبل أيّام خلتْ في قاهرةِ المعزّ، وهي تدغدغُ أفكارَهُ بكلماتٍ عجزت الأبجدياتُ عن تدويِنها، لكنّه رَسَمها قُبلةً على فؤادِه؛ لتضيءَ دربَه أزهاراً يانعةً، يستظِلُ بها في ردهةِ الآهاتِ والأمنيات في رحيله الثاني، (رحلةِ المستقبل).

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: